مفتتح لابد منه :
لم يكن الكاتب أحمد غانم عبد الجليل، في روايته الأحدث «اللعب على طاولة النخبة» (دمشق، 2026)، معنياً بسرد حكاية أخرى عن الحرب وما خلّفته من خراب، بقدر ما انشغل بتقديم ما يمكن تسميته بـ تشريح سردي موجع لمجتمع خرج لتوّه من ساحات القتال، ليجد نفسه عالقًا في متاهة أخرى لا تقلّ فتكًا: الفساد، وصراع الأجنحة، وصناعة الوجاهة الزائفة تحت لافتة «النخبة».
هي رواية تنتمي إلى أدب ما بعد الصدمة، لكنها لا تكتفي برصد الجراح، بل تتقدّم خطوة أبعد لتفكك الآليات الخفية التي يُعاد عبرها إنتاج الخراب، لا بالسلاح هذه المرة، بل بالمناصب، والصفقات، والمقايضات الأخلاقية
.
الحرب كرهان خاسر: فلسفة المقامرة
تفتتح الرواية بعبارة صادمة تُلقي بالقارئ مباشرة في قلب فلسفة النص:
«تعلّمت لعب القمار من الحرب».
بهذه الجملة المكثفة، يضعنا الكاتب أمام استعارة كبرى؛ فالحياة في زمن التحولات العنيفة ليست سوى مقامرة مفتوحة.
الرصاصة لغم، والمنصب لغم، والكلمة قد تكون الرصاصة الأخيرة.
يربط النص بذكاء بين طاولة القمار وطاولة النخبة.
في الأولى، تخسر مالك، أما في الثانية، فتخسر ذاتك. مفردات المقامرة – الرهان، الزهر، الربح، الخسارة – لا تأتي بوصفها زينة لغوية، بل تشكّل هيكلًا بنيويًا للرواية؛ الجميع يراهن، والوطن نفسه يتحوّل إلى الطاولة التي تُلعب عليها اللعبة القذرة.
تشريح الشخوص: بين الاغتراب والانسحاق
تتحرّك شخصيات الرواية داخل دائرة خانقة من الاغتراب، حيث لا أحد يخرج سالمًا:
علاء
يمثل صورة المثقف المأزوم الذي صعد سُلّم المناصب، لكنه ظلّ محمّلًا بندوب ماضيه. يتأرجح بين رغبته في الحفاظ على بقايا إنسانيته، ومتطلبات نخبة لا تعترف إلا بالولاء الكامل.
هو نموذج للمثقف العربي الذي يدفع ثمن اقترابه من السلطة، لا ثمن معارضته لها فقط.
سعدون وسمية وجهان للعبة نفسها.
سعدون يجسّد سطوة المال والنفوذ والجبروت العاري، بينما تمثل سمية الذكاء البارد الذي يدير خيوط الابتزاز من الظل. لا يلعبان الورق، بل يتلاعبان بمصائر البشر كما تُحرّك قطع الشطرنج، بلا تردّد أو شفقة.
رياض
المقامر الخارج من أتون الحرب إلى ما يشبه «السلم المسموم».
أدمن الخطر، واعتاد المجازفة، ليكتشف متأخرًا أنه لم يكن سوى ورقة محروقة في صفقات أكبر منه.
شخصيته تختزل مأساة جيلٍ ظنّ أنه نجا، فإذا به يُستنزف بطريقة أشد قسوة.
الصداقة كملاذ أخير
وسط هذا الضجيج من الخيانات والانكسارات، تبرز علاقة هديل ودنيا بوصفها الرئة الوحيدة التي يتنفس منها النص.
الصداقة هنا ليست ترفًا عاطفيًا، بل آلية مقاومة صامتة في مواجهة تغوّل النخبة.
هديل تمثّل الاندفاع العاطفي نحو الخطر، بينما تقف دنيا في موقع صوت العقل والمرآة القاسية للحقيقة.
هذه العلاقة النسوية المتماسكة هي القيمة الوحيدة التي لم تخضع لمنطق المقايضة، وظلّت صامدة حتى لحظات الرحيل المريرة في الختام، دون أن تُقدَّم بوصفها خلاصًا، بل كخسارة نظيفة في عالم ملوّث
.
البنية السردية واللغة
يعتمد الكاتب لغة متوترة، تتدفق بوعي نفسي مضطرب، مستخدمًا تقنية الاسترجاع الزمني لخلط الحاضر – حفلات الزفاف والرقص والواجهات البراقة – بالماضي الملطخ بالدمار والحرب. اللغة هنا ليست مصقولة على نحو مصطنع؛ إنها لغة حارة، خشنة، تنبعث منها رائحة البارود وغبار المدن المرهقة.
هذا التكسّر الزمني، وهذا الإيقاع المتأرجح بين الجمل القصيرة اللاهثة والمقاطع السردية الممتدة، يعكسان بصدق حالة الشخصيات وارتباكها الوجودي، ويجعلان القارئ شريكًا في الصداع لا متفرجًا عليه.
تتمة رؤيتي النقدية:
انتظار الزهر الأخير
«اللعب على طاولة النخبة» رواية إدانة قبل أن تكون حكاية.
تسأل القارئ بمرارة: ماذا تفعل حين تكتشف أنك لم تكن سوى «فيش» صغير على طاولة يلعب عليها الكبار؟
ينجح الكاتب العراقي أحمد غانم عبد الجليل في تحويل الوجع السوري/العربي إلى وثيقة أدبية رفيعة، تؤكد أن الحروب قد تتوقف عند حدود المدافع، لكنها تبدأ من جديد على طاولات السياسة والمصالح، حيث الخاسر الوحيد دائمًا هو الإنسان العاري من النفوذ.
هوامش ومراجع :
للقارئ المتعمق:
1-إدوارد سعيد: المثقف والسلطة
2-زيجمونت باومان: الحياة السائلة
3-سيغموند فرويد: قلق في الحضارة
4-«إلى من ألقوا السلاح، مخلفين وراءهم أعمارًا عند خطوط القتال…»
– من إهداء الرواية