خوليو أورتيغا:
-الشخصية الرئيسية في روايتك ”علامات الهوية” هو اسباني مغترب عن وسطه. في ”الكونت خوليان”، روايتك الجديدة، الاغتراب أكثر راديكالية: دون خوليان الان في المنفى. عملك الأخير على بلانكو وايت يسترد من النسيان المفكر الإسباني من القرن التاسع عشر الذي يبدو أنه تم تجاهله عن قصد من قبل النقاد . نميل إلى ربط هذه العملية في عملك النقدي بموقفك الخاص

كمنفي. ربما انت نفسك كنت بجاحة إلى تقليد يقضي على غربة المنفى والهوس باسبانيا؟ قد يكون مثيرا للاهتمام ،اعتقد,ان تقيم علاقة نقدية بين شخصيتك الأدبية وإشكالها الأخرى التي توسع بشكل آخر خطابك الشخصي في الخيال وفي النقد.كيف تصف العملية التي دفعت بك إلى افتراض وتداخل هاتين الشخصيتين؟
خوان غويتيسولو:
-هناك، في الواقع، قاسم مشترك للنصوص الثلاثة التي ذكرتها – الروايتين والدراسة النقدية لبلانكو وايت التي عملت فيها على مدى العامين الماضيين – وهذا القاسم المشترك هو، كما تشير ، مشكلة المنفى. ”علامات الهوية” هي، من بين أمور أخرى، التعبير عن عملية الاغتراب في فكر معاصر حيال بلده.انه عرض لجرح معنوي لذى رجل من جيلي كان عليه أن يعيش إبان فترة من أكثر الفترات إقبارا للسلم في التاريخ الممتد لاسبانيا,شخص كان في وضع شاذ يتقدم في السن دون ان يعرف ابدا الشباب او المسِؤولية (كما تعرفون جيدا,الأسبان يعيشون في حالة مراهقة قانونية مستمرة منذ الأول من ابريل 1939. في ”الكونت خوليان”,عملية النفي والقطيعة مع الوطن من طرف الحاكي كانت قد تمت. فتاة الاحلام القديسة او الام الحاضنة- كما كان الشاعر الاسباني سيرنودا يدعو بلده -هي نظرة من الخارجٍ؛الجرح المعنوي اوجد لعنة انتقامية. وكما أشار الأستاذ فيسنتي لورينز، الناقد الإسباني الذي ساهم أكثر من غيره في إحياء عمل بلانكو وايت، فإن المغترب يعيش بشكل عام في حالة من العزلة المزعجة.لكن حالة التهميش هذه حفزت لتأكيد افكاره الخاصة وحررته من التنويم المغناطيسي ,من التابوهات والابتزاز المفروض عليه من المجتمع الذي يعيش فيه. لان البلد ليس مجرد قطعة من الأرض؛ هو قبل كل شيء، خلاصة وافية للعوامل الاجتماعية والثقافية والتاريخية التي تبدأ في اكتساب الشعور والنظام من خلال عملية الكتابة. وقد تخلى الراوي في الكونت خوليان عن الفضاء المحدد الذي يضم وطنه (المناظر الطبيعية والأرض)، لكنه لم يتخل عن خطابه (الأدبي، الأيديولوجي، الخ) الذي تكمن فيه هويته الفعلية، تطوره التاريخي. مع الحرية الكاملة التي تأتي من عدم امتلاك شيء على الاطلاق ولاشئ يخسره، يتجول مثل الرحل من خلال ثمانية قرون من الثقافة الاسبانية، ويتوقف عشوائيا أينما يمليه إلهامه الخاص، يختار له القوت الفكري أينما يشاء. وبهذه الطريقة يدمج في خطاب جديد وحر الأماكن والعبارات والكلمات التي يستخرجها من الخطاب الإسباني الجماعي، وبالتالي يستثمره في وظيفة نشطة وحيوية. إن عدوانه المفرغ ضد المجتمع الذي كان عليه أن يعيش فيه، هو أولا وقبل كل شيء عدوانا على التاريخ واللغة. كل هذا ممكن بسبب اغترابه وبعده، لأننا نتعامل مع رؤية من الخارج، من أفريقيا، أو بشكل أكثر تحديدا، من طنجة. بطبيعة الحال، يجب أن يكون من المغري أن ينشئ الناقد الأدبي علاقة بين شخصي، و شخصية المؤلف، و “الأشخاص” الآخرين الذين يضخمون خطابي في الرواية أو في االنقد.
ليس من قبيل الصدفة أن الكاتبين الاسبانيين الذين اهتممت بهما كثيرا وأثرا في بعمق خلال العامين الماضيين هما الكاتبين المنفيين،المنبوذين,الممقوتين: بلانكو وايت و سيرنودا,عندما كنت اعيش في اسبانيا,وخلال سنوات المنفى الاولى,كانت نماذجي هي تلك التي خدمت جيلي:لارا,ماشادو.
عندما بدأت، في العقد الماضي، تسليط الضوء على الأساطير والخرافات والتابوهات التي استمرت في تشكيل ما يسمى ب “المثقفين” في اليسار، أصبحت عزلتي مؤلمة.
لم أعش فقط جسديا بعيدا عن أرضي الأصلية، ولكن القيم والأحكام الحاسمة من الأقربين إلي أصبحت اغرب فاغرب.عندما بدأت في اكتشاف الحقيقة الخاصة بي، وسعيت إلى امتلاكها بوضوح، أصبحت أكثر وأكثر غربة وعزلة عن ما كان رفاقي يعتقدون او يؤكدون اعتقاده. لم يكن نفيي فقط نفيا جسديا، بدوافع سياسية فحسب؛ بل كان أيضا نفىا أخلاقيا, اجتماعيا, فكريا وجنسيا. وكل يوم يمر، تصبح الفجوة أوسع وعزلتي أكثر حدة. في حالة كهاته ، اكتشاف أن تجربتي لم تكن فريدة من نوعها، وأنها كانت أيضا نفس تجربة المثقفين الأسبان الآخرين، أصبح امرا مهما جدا بالنسبة لي.عندما بدأت في دراسة عمل بلانكو وايت، كان لدي انطباع بأنني كنت أعيد قراءة شيء كنت قد كتبته أنا نفسي ,كانت ألفتي معه جد فورية.داخل هذه القوة النابذة,دخل في الحسبان قانون الاعتبار الوطني.تضخمت أعماله,كما تقول,خطابي الخاص؛اللهجة كانت مختلفة,لكن الصوت كان اشد ارتباطا بصوتي من صوت التخيلي دون خوليان بي شخصيا.ولان هناك سلسلة من العناصر في الحياة الاسبانية التي تعمل اليوم بنفس الطريقة التي كانت تعمل بها في عهد بلانكو وايت جعلت علاقتي به واضحة, مبنية على تشابه الوضع في اسبانيا.
-خوليو اورتيغا:
– إن المظهر الأبرز في الكونت خوليان, يبدو لي,هو الإرادة المنهجية المعبرة التي تطرح مفهوم النوع وكذالك اللغة العامية المتداولة في اسبانيا.هناك تعددية نقدية(من وجهة نظر شعرية),في الرواية,أكثر تشددا من تلك الظاهرة في علامات الهوية.اختراع لغة تعددية على ما يبدو لي نشآ تحديدا من الوحدة النقدية والتخيلية التي يمتلكها النص,من الشغف الشديد الذي يحكم كتابته المستحوذة.أريد منك أن تقول لي كيف كتبت هذه الرواية,كيف وصلت إليك,كيف فرضت نفسها عليك .
خوان غويتيسولو:
– في رأيي الخاص, أعمال القرن العشرين الأكثر أهمية هي تلك التي تتجاوز الاستبداد المفاهيمي للنوع؛إنها في نفس الوقت قصائد,أعمال نقدية,قصص,دراما,الخ..يمكن لمقال معاصر أن يستعمل نتائج كل العصور وكل الأساليب, من العبارات الأدبية الأكثر شعبية إلى الأعمال الأكثر رفعة من الباروك.والغرض الأساسي من رواية مثل الكونت خوليان هو تحقيق وحدة الكائن ووسائل التمثيل ,انصهار الخيانة كمخطط والخيانة كلغة.الكونت خوليان هو في نفس الوقت عمل نقدي وعمل تخيلي ,أو,ان كنت تفضل ,هونقد براكسيسي.ان الاستخدام الحر لمختلف الأشكال التعبيرية والأساليب الأدبية كعناصر بناء لبنية جديدة هو انعكاس للتطلعات الحالية للمؤلفين لتحقيق فن إجمالي,فن يعكس حالة الإنسان في القرن العشرين في مواجهة تراث ثقافي من عشرات القرون ’مضطرين أن ياخدو بعين الاعتبار وان يتاثرو بالمتحف التخيلي الذي تكلم عنه مالرو. وكان التفسير الأسطوري الذي يبرر التاريخ الإسباني هاجس لي لسنوات. فمن الصعب أن تعيش في مدينة مثل طنجة،مستحضرا في دهنك قربك من الشواطئ الاسبانية دون الإشارة إلى شخصية أسطورية مثل دون خوليان ودون توجس خيانة عظمى مثل خيانته.المسافة بيني وبين القيم الرسمية الاسبانية بلغت حدا جعل فكرة التدنيس والتخريب الرمزي تلازمني ليل نهار.والمشكلة الوحيدة التي واجهتني هي اختيار اللغة التي كنت أتعهد بها “خيانتي الخاصة”. ومن أجل انتهاك القيم الإسبانية، أي الأساطير والخرافات، اضطررت إلى انتهاك اللغة ذاتها التي خلقو فيها، لأدمر الاثنين بنفس العنف العدواني .عندما توصلت إلى هذا الاستنتاج كان الباقي سهلا نسبيا؛ بدأ النص ينمو في حد ذاته.
خوليو أورتيغا:
-أنا مهتم جدا بمظهر آخر للكونت خوليان ؛علاقته الوطيدة بالرواية الجديدة الاسبانية –الامريكية اللاتينية.اود ان اقو ل ان الكونت خوليان هي الرواية الأكثر اسبانية التي كتبت ,ولكنها أيضا الأكثر اسبانية-أمريكية اللاتينية, بسبب تنوعها من حيث الشكل والتعبير الذي سمح لك بتلميع اللهجة الشفهية الاسبانية –الأمريكية اللاتينية في روايتك.ما هي اهمية الخيال في النثر الاسباني الأمريكي اللاتيني ؟
خوان غويتيسولو:
-بطبيعة الحال ,الكونت خوليان هو العمل الأكثر اسبانية الذي كتبت .والسبب بسيط :مضمونه على مستوى لفظي بحت يتكون من الخطاب الأدبي الاسباني من أصوله إلى الوقت الحاضر.محاولة الدفاع عن الخيانة التي ارتكبها دون خوليان هو تفنيد لقرون من التاريخ العدائي من خلال نوع من الهجوم التخريبي ضد الكلمة المكتوبة من طرف كتاب الاعمدة ,الشعراء والرواة. امثلة من ”الانتحال” المتضمنة في نهاية الكتاب يمكنها أن تحل مشكلة المصادر للباحث الضليع .المشكل الحقيقي ,مع ذالك , ليس مشكل المصادر ,لكن على الأرجح هو مشكل الوظائف التي أعزو إلى هذه ”الانتحالات”, إلى الاستعمال الحر الذي اخصصه لها.توجهي هذا يتيح لي الفرصة لتوظيف حوار تناصي مع كتاب أنا معجب بهم ,أو أن العب بأسلوب الكتاب الذين يبدون لي غير محترمين ,الخ..كل هذا يقودنا إلى الجزء الثاني من ما تقوله : ميزتي الثقافية البدوية الرمزية لها بالفعل تآلف مع الخيال الجديد للنثر الاسباني الأمريكي اللاتيني ,وهو أكثر حرية في علاقته مع الماضي من الخيال في النثر الاسباني.في الواقع, هو كذالك أكثر حرية مع التقليد الماضي للغات أخرى وثقافات أخرى.من وجهة نظري,الرائد الاكبر لهذا الموقف هو بورخيس.بدونه,لا الرواية الجديدة ولا عمل مثل الكونت خوليان لم يكونا ممكنين.
خوليو أورتيغا:
– بالرغم من أن التواصل بين الأدب الاسباني الأمريكي اللاتيني والأدب الاسباني كان بالأحرى ضعيفا خلال السنوات الأخيرة ,أكاد اقو ل أن هناك اليوم وضعا جديدا.هل تعتقدون أن تقليدا أكثر حداثة يغير الآن الأدب الجديد الشبه جزيري أو هل ترون أن هناك ثغرة حاسمة في فترة سابقة ؟
خوان غويتيسولو:
– انعدام التواصل هذا لا يوجد فقط بين الأدب الشبه جزيري و الأدب الاسباني الأمريكي اللاتيني .إذا كان المحيط الأطلسي قد فرق بين كتاب وقراء من برشلونة ومدريد عن الآخرين في المكسيك ,بيونو زيغ,أو ليما,ثم بين هذه الأخيرة ,هناك أيضا نوع من الحدود السياسية , النفسية وحواجز الانديز الوطنية تفصل بينهم . والتي تفضل حاليا التقسيم وتعمل لصالح الامبريالية.اعتقد أن إزالة الحواجز الثقافية ,تخمير تبادل حقيقي للأفكار ومكافحة جميع أنواع الهياكل المتجانسة ,يمكن أن يساهم بشكل حاسم في إنشاء أدب اللغة الاسبانية , دون أي نوع من الحدود أو أية مراكز جمركية.
بعد أن قلت هذا ,اعتقد أن العلاقة الجديدة بين الأدب الأمريكي اللاتيني والأدب الاسباني لا رجعة فيها من كلا الطرفين.إحدى سمات الأدب شبه الجز يري ,كانت عزلته وعدم وجود نفاذية للأفكار والتيارات من الخارج.من ناحية أخرى ,عانى الأدب الاسباني الأمريكي اللاتيني من التأثير المعاكس,الذي تم تكبده أحيانا من خلال قبول الكثير من الأدبيات الأجنبية.اليوم كل من الاتجاهات بدأت في تصحيح نفسها وتعويض بعضها البعض,وفي هذا الصدد,من المثير للاهتمام ان نلاحظ أن اكثر شعرائنا أوروبية ,وأنا أشير إلى سيرنودا-هو الذي كان الأكثر تأثيرا أجيالا لاحقة في اسبانيا.هذه الأجيال لم تعد معوقة, كما كنا نحن ,من قبل العبادة الخانقة لمؤلفي 98 و أتباعهم .وقد افتقد الاهتمام المشلول ” بالقشتالية”, رغم ضآلة مكانته. وبدا المؤلفين الشباب اكثر عالمية. في آخر تحليل ,العالم لا يتوقف عند نهر غواداراما,عند جبال غريدوس,او على جدران افيلا. الفجوة بين الاجيال واشكال الحياة الجديدة قد الغت بالفعل كل الحدود القديمة
خوليو أورتيغا:
-في عملك الخاص,اجد ان لحظة كسر التقاليد أمر أساسي لإعادة صياغة أساسية لمساعيك الإبداعية الجديدة في هذه العملية.ما أهمية الأفكار النقدية الجديدة في هذه العملية؟ إلى أي مدى تعتقد أن الوعي بالنظرية النقدية يمكن أن يؤثر على الطبيعة الرسمية للخيال .
خوان غويتيسولو:
– كل العمل الإبداعي مرتبط ارتباطا وثيقا بممارسة نقدية .الكونت خوليان هو في نفس الوقت,عمل من وحي الخيال وعمل نقدي ,يتحدى عمدا المفهوم المستبد للنوع .الرواية في شكلها التقليدي( بشخصيات ”مدورة” محللة نفسيا, بحقيقتها و ”واقعيتها”,الخ.)لم تعد تهمني ,ولا أظن أنني سأكتبها من جديد(هذا لا يعني أنني أتخلى عن ما كتبته من قبل). النوع الوحيد من الأدب الذي يهمني في الوقت الحاضر هو الذي يقع خارج مسميات”الرواية”، “مقال”، “قصيدة”، وما إلى ذلك. عندما كتبت مقالتي على بلانكو وايت، وضمنتها سيرتي الذاتية . لقد أدمجت بلانكو وايت في أسطورتي الخاصة. في الكونت جوليان أنا ببساطة اقترحت إنشاء نص من شأنه أن يتيح لمستويات متنوعة من القراءة. إن مقاربتي هي النتيجة الطبيعية لسلسلة من التأملات الحرجة التي تستند، في جزء منها، على قراءتي للشكلانيين الروس، وبنفينيست، وجاكوبسون، وحلقة براغ، وما إلى ذلك. يبدو أن الكاتب الذي لا يدرك التحركات في الشعرية واللغويات هو مفارقة تاريخية في العالم اليوم. لا يمكن أن يتخلى الكاتب عن نفسه ببساطة فقط للإلهام ، ويتظاهر بالبراءة في مواجهة لغة ما، لأن اللغة ليست بريئة ابدا..
خوليو أورتيغا:
-علامات الهوية والكونت خوليان هي أعمال مستقلة عن الخيال، ولكنها في الوقت نفسه تنتمي إلى عملية لا يفترض بها فقط “تدمير” السرد السابق الخاص بك، ولكن أيضا تطلق العنان لنظامها الخاص، وهو النظام الذي يهدف إلى تدمير الرواية كنوع. أين تعتقد أن هذه العملية قد تقودك ؟
خوان غويتيسولو:
– لقد عملت لبعض الوقت على استمرار الكونت جوليان، ومعها، سوف تغلق الدورة التي بدأت مع علامات الهوية. إنني لا أتعامل بالطبع مع استمرار عالم روائي من الشخصيات والأحداث والأفعال والبيئات، بل بالأحرىمع الخطاب الذي يعمل في كل من الكتب الثلاثة على طبقات لغوية مختلفة.
في علامات الهوية كنت أبحث عن دمج تقنيات السرد المختلفة داخل قالب مفهومي انتقائي، بالمعنى الذي يعطي بروخ لهذا المصطلح. في الكونت جوليان حاولت إنشاء عمل دائري، موحد ومحكم، مع عدم وجود نهايات مغلقة . في الكتاب الذي أكتبه الآن، أطمح إلى خلق عمل مفتوح، يشع في اتجاهات مختلفة كما هو الحال مع شرائح من مروحة، والذي سوف تصبح فيه القوة المركزة من مختلف خطوط السرد موحدة من خلال استخدام اللغة الخطابية. ألفارو، الشخصية التي كانت تتكلم في علامات الهوية، يتحول لاحقا إلى الأسطوري دون خوليان وهوالآن يطارد الزمان والمكان مثل شبح، مثل اليهودي الضال.
لم تعد اسبانيا تلعب دورا هاما كما هو الحال في الكونت خوليان. الخطاب الاستيهامي للنص, لم يعد لديه وطن بالمعنى المادي أو الروحي. في الكونت خوليان، الراوي قد تخلى عن اسبانيا، ولكن لم يتخلى بعد عن تاريخه أو ثقافته. في هذه الرواية الجديدة، عملية التشذيب الثقافي مستمرة ؛ في بعض الأحيان يتجسد ذلك في شخص الشخصية الذي فشل في طموحاته, في أحيان أخرى تعتمد صوت الكاهن الذي يؤمن بالرق، أو أنها تتحول إلى كينغ كونغ نفسه أو لورانس العرب. المعنى الأساسي للعمل لا يأخذ في الاعتبار الحواجز: أنه يقفز من كوبا إلى اسطنبول من نيويورك إلى الصحراء الكبرى، من الماضي إلى الحاضر، وبعد ذلك إلى المستقبل أو إلى يوتوبيا .كل ما يعالج غريب او لا يصدق ، ولكن كما رأى شكلوفسكي بشكل جيد جدا، كلما زادت إمكانية تبرير موقف أخلاقي أو فني “كلما زادت متعة الكاتب في تطوير الأمثلة له”. الذي خلق “الخطاب” يغير له الصوت، وعلى هذا النحو يغير جلده، بسهولة مثل فريجولي ؛ هو” مجرد طابع لغوي “، وهو رجل أصيل, بلا بلد، وهذا هو السبب في أنني وضعت للرواية عنوان “خوان بلا ارض (يجب أن أشرح أنه عندما التمس بلانكو وايت اللجوء إلى لندن، وبدأ في نشر يومياته السياسية في ”الاسبانيول”، كان يفعل ذلك تحت اسم مستعار: خوان بلا ارض.). كما قد تفترض، أنا استخدم تسمية “رواية” فقط للضرورة لأن، كما قلت في وقت سابق، النوع الوحيد من الكتابة التي يهمني يكمن خارج الأشكال الأدبية الطوباوية. لقد أثبت عملي الخاص (وليس فقط تأملي النقدي) حكمة اقتراح رولان بارث، في ”درجة الصفر للكتابة”التي يمكن لكل كاتب أن يضيفها إلى عملية الأدب. وصحيح أن ولادتي ككاتب تتزامن في الواقع مع تدميرا لأدبي،من القوالب الأدبية التي أخذتها بطريقة روتينية من التقليد.
خوليو أورتيغا:
-ما تقوله يشير إلى أن النتيجة الطبيعية لهذه الدورة التي تكتبها تكمن في رمز النص نفسه, ضمن بناء أدبي يبدو أنه يدمر نفسه. ولكن قبل أن نتعامل مع هذه “درجة الصفر” من عملية السرد، يجب أن أسألك عن “موضوعية الارتباط” كعنصر في الروايتين من دورتك الحالية.
خوان غويتيسولو:
– عندما أكتب الآن أنا لا ابتكر الوضع، والشخصيات، أو الإجراءات، وإنما الهياكل والأشكال الخطابية، والتجمعات النصية التي يتم الجمع بينها وفقا للانتماءات السرية فيما بينها، كما في الهندسة المعمارية أو الفنون التشكيلية. والواقع أن الأعمال “الروائية” الوحيدة التي أهتم بها الآن هي تلك التي تظهر تفسيرا جديدا وجريئا؛ تلك التي لا يتجلى فيها الخيال الخلاق للكاتب من خلال إشارة خارجية في الواقع، ولكن قبل كل شيء، من خلال استخدام اللغة.في الواقع، لا يوجد تناقض بين الرغبة في التعبير الشخصي الذي ذكرته أعلاه، والقصد من بناء نسيج خطابي يمكن الحكم عليه ومن تلقاء نفسه. كما تعلمون فان أي عمل ادبي لديه عدة انواع من القراءات ,هو في الوقت نفسه توضيح لبعض الافكار (السياسية والفنية والفلسفية، وما إلى ذلك)، صورة أو انعكاس للمجتمع الذي يتم إنتاجه فيه ، والتعبير عن المؤلف الذي يخلقه. يميل النقاد التقليديون إلى إبراز أحد هذه العوامل الثلاثة، وأحيانا الثلاثة معا، ولكن العمل الأدبي هو أكثر بكثير من هذا. في الكونت خوليان, هناك بوضوح رغبة في التعبير الشخصي. ومع ذلك، فإن أفضل قراءة نقديةهي قراءة النص نفسه في علاقاته مع الهيكل الأدبي لللغة الإسبانية. فقط تحليل من هذا النوع يمكن أن يكشف عن أصالته، ابتكاراته وعلاقاته،وهندسته السرية.
خوليو أورتيغا:
– لنتحدث مرة أخرى عن “درجة الصفر” في الكتابة، وكنت أتساءل إن كانت ‘خوان بلا ارض” لا تثير القضيتين اللتين تحدثنا عنها: فك رمزية الأدب وإمكانية الصمت في نهاية دورة ما. كنت أتساءل إذا، هل في ”فراغ” التقليد وفي هذه الدورة النهائية،وفي “درجة الصفر”،قد لا يكون هناك مولد جديد من شأنه خلق فرص جديدة غير مرئية في الأدب. أو هل تشعر، بدلا من ذلك، أنه في التحريض على حل الرواية كنوع، سوف يصبح النص كلا مستهلكا، نوع من الصيغة النهائية التي لا يمكن للمرء الذهاب إلى ما وراءها؟
خوان غويتيسولو:
– الجواب أمر صعب، والآن أنا لا أعرف كيفية الإجابة عليك من دون اية درجة من اليقين. انطباعي الحالي هو: أنا اتصور “خوان بلا ارض” كنهاية لعملي، كنهاية الارض لكتابتي. على أي حال، أعمل على هذه الرواية كما لو أنني في المستقبل لن أكتب مرة أخرى، كما لو كنت ساقوم بتفجير كل الجسور ورائي، وقطع كل سبل التراجع. عندما نشرت الكونت جوليان، كان العديد من النقاد يرون أنني قد وصلت إلى نهاية الطريق، الى نقطة لن أتمكن من التقدم أبعد منها. ولكني علمت أنه على الرغم من الصعوبات التي تنطوي عليها كتابة كتاب يتجاوز الكونت جوليان، فإنني أستطيع المضي قدما في عملي الشخصي مع الأدب نحو حل اللغة والأشكال السردية التقليدية. بين الفترة من الوقت التي انتهيت فيها من الكونت جوليان وبدأت “خوان بلا ارض” (في حين ترجمتها وكتبت مقدمة الأعمال الإنجليزية لبلانكو وايت)، كتبت سلسلة من النصوص التي هي حقا بدايتي الفعلية في العمل على “خوان بلا ارض”، وأصبحت مقتنعا في ذلك أنه لا يزال لدي متسع كبير لتجربة العمارة النهائية للكتاب.
أقترح أن نستمر مع كل هذا التجريب، وهذا هو السبب في أنني أعتقد أن “خوان بلا ارض ” ستغلق الدورة التي بدأت مع علامات الهوية ولن تفتح آفاقا جديدة لتوليد أعمال جديدة. مما لا شك فيه ،هذا موقف انتحاري، لكن كل طرق الطليعة المعاصرة تؤدي حتما إلى نوع من الانتحار الرمزي، إلى هارا كيري الإمكانيات التعبيرية.هذا يعني اننا نعيش في فترة أدبية تشبه تلك المعروفة من الكتاب الاسبان في النصف الأول من القرن 17، منذ كيبيدو و بالخصوص الى غونغورا. قصائد غونغورا العظيمة كما لاحظ اوكتافيو باث، فخمة ، هي ايضا صروح جنائزية وطقوس مدمرة تغلق بشكل دائم دورة شعرية في لغتنا و تصبح ضريح غونغورا الخاص منذ ان دفن فيها خلال ثلاثة قرون الى ان بعث في عام 1927. شعر مالارميه وازرا باوند، روايات جويس، كلها تتقارب نحو درجة الصفر من الانحلال، نحو استيعاب نهائي في الصمت، وإذا كان المرء يبحث عن أمثلة سامية أقرب وأقل ندرة، الأزمة الحالية في الطليعة الفرنسية تعكس نفس العملية . فكر، على سبيل المثال، في التطور المدمر في بيكيت او في ميشال بوتور، او في روايات ومسرحيات جنيه. يوميات لص، والشرفة، والزنوج حقا طقوس للموت وأضرحة حقيقية للغة رفيعة ميتة . رولان بارث على حق عندما يقول ان الكاتب الأوروبي المعاصريواجه بديلا مفرط : إما اللجوء الى مملكة مندريانية، نتاج ارهاق الثقافة البرجوازية، أو الفكرة الطوباوية لثقافة أوجدتها ثورة تختلف اختلافا جذريا عن تلك التي نعرفها اليوم. وهذا يعني أن المعضلة التي تواجه الكاتب المعاصر يمكن تلخيصها في المصطلحات التالية: الثرثرة الخاملة أو الصمت. المضي قدما، اتخاذ عملية شخصية في الأدب،يؤدي إلى المرحلة النهائية التي تغلق جميع المنافذ، التوقف، تكرارالذات، يؤدي إلى السخرية الى الاستراحة التي تميز 99 في المئة من جميع الكتاب، ويشمل اولائك الذين ، في لحظة ما اعادوا التفكير في عملهم الخاص ، ولكنهم فزعوا، في منتصف الطريق عندما لاحظوا أن المشوار سيؤدي بهم الى العدم. ربما كانت الأمور مختلفة في أمريكا الإسبانية اللاتينية.
—–
(*) د.خديجة صلحان : شاعرة ومترجمة من المغرب
– رئيسة جمعية السلام للتنمية الثقافية والاجتماعية والتربوية
شاركت في عدة ملتقيات ثقافية عربية واوروبية-
نشرت مقالات وترجمات في عدة منابر ثقافية-
Georges Perec ل ”les choses””بصدد ترجمة الرواية المشهورة ”الاشياء-
لدي ديوانين قيد النشر –
Bruno Mercier للشاعر السويسري ”Marais du sud”ت الجنوب ترجمت كتاب”بحيرا –
—