اطرافه المتشنجة كخشبة واكتافه البارزة كعتلة وعيناه الجاحظتان من محجريهما وشت بفوران دمه واكملها باطلاق شتائمه رصاصات قاتلة تشفي غليله من غريمه متمنيا ان تخلى له الساحة وتريحه الى الابد.
-انظر اليه انه يستجدي نظراتها , وهي ممعنة في تجاهله فيزداد اصرارا كذبابة تحوم على قطعة حلوى.
نظرت اليه باشفاق وقلت له مهدئا .
-لعلهما يناقشان مسألة علمية, ألا تعرف ,انهما في نفس المرحلة.
. كلماتي زادته غضبا فانفجر صائحا
-الم تلحظ تحرجها وهي تنظر الى الارض ,وكيف تهم بتركه؟ انها ممتعضة! تحاول الا ستدارة لتوليه الادبار.وهو لايكف عن ملاحقتها
ثم اردف بقرف واضح.
-ولكنه يفتقد الاحساس .
كان مراد صديقي الحميم ,متفوقا بالدراسةوالرياضة, وهما صفتان قلما تجتمعان , سديد الرأي , يتطلع اليه الاخرون عندما تلم بهم الازمات, فقد كان قوي الارادة ثابت العزم لاتهزه الاهوال,وكان قليل اللهو ويعتبرالموسيقى و سماع الاغاني مضيعة للوقت , و غالبا ما كان يتندر على اصدقئنا الذين كانوا يتلوعون من نبران الحب ويسخر منهم, ويعجب كيف يقضون الليالي سهارى يفكرون بحبيباتهم أو يرددون مقاطع الاغاني العاطفية بوله, ويقول متهكما.
-ما هذا الخبل؟ ويطلق ضحكته التي تجلجل في الفضاء فتتلقفها جدران كلبتنا المهيبه لتمضغها وتتجشأها على دفعات تثير فينا مزيدا من الضحك.
وانظر اليه واتطلع الى شموخه الاسطوري, واتساءل, -من اين ياتي بهذا الزخم وهذاالعنفوان؟
وكنت أنا مهموما بتغيير الكون ونفخ الصور في جمهورية افلاطون وانتشالها من بطون الكتب ودهاليز التاويخ لتدب بها الحياة وتسري في عروقها العدالة , وهذا ما جعلني أبحث عن فردوسي المفقود في بطون امهات الكتب القابعة بمكتبة ابي حيث عمل قاضيا في المحكمة العليا وكان يقضي معظم وقته بالتنقيب عن الكتب التراثية, واقتنائها بأي ثمن ثم تحقيقها , فأكتسب دراية وخبرة لا تضاهى , فأنتخب رئيسا لمجمع الؤرخين في البلاد , ففتحت عيني على ترديده , للمقريزي والطبري وابن خلكان دون معرفتي ما تعنيه, فترعرعت في
أحضان ابي وهو يضمني اليه وني حضنه كتاب , وعندما تعلمت القراءة , كنت احنضن تلك الكتب لأنها كانت معبقة برائحة أبي فبدأت بقراءتها بنهم وكلما انتهيت من كتاب قادني بالفطرة الى اخر يضىء لي الدرب في ذلك المنزلق الوعر فاستمتع بسبر اغواره التي تحرث فكري وتنبت فيه المزيد من علامات الاستفهام فانكب على الكتب وابقر بطونها لعلي أجد ضالتي في ابحر في اتجاهات شتى قد تكون متناقضة في بعض الاحيان, وهكذا سخرت ممن يهيمون على وجوهم ويقضون اوقاتهم يفكرون بأناس لا يعرفون ان كانوا يحسون بهم أم لا, وهذا ما جمعني بمراد وقوى اواصر صداقتنا, فصرنا لانفترق الأ قليلا , وغالبا ما ندخل بنقاشات مع الاخرين تنتهي بذهولهم بالمعلومات والمصادر التي استشهد بها من علوم شتى ويعجبون اكثر بما ااتي به من ادلة لاثبات فرضيات من حقول تبدو متناقضة. وكاشياء كثيرة في هذه الحياة تحصل دونما تخطيط , كنا نتجاذب أطراف الحديث ,فقال أحد زملاءنا انه هائم كما يقول نزار قباني على لسان عبدالحليم, من رأسه حتى قدميه , ولايدري ماذا يعمل للخروج من مأزقه ولكنه عندما يبتعد يشتاق الى السهر واللوعة , وسألني ان كان عندي تفسيرا للحب.
أطلق مراد ضحكته المجلجلة ونظر اليه وقال متهكما.
-ما أكثر المعذبون على وجه البسيطة.
واستمر بالضحك.
نظرت الى مراد بعتاب , واعتدلت في جلستي وأطرقت قليلا ثم قلت لزميلنا:
-بالحب تتمثل وحدة الاشباء وفيه يمتزج المحب بالمحبوب والقاتل بالقتيل والقفل بالمفتاح والحن بالعازف والكون بالمخلوقات والسكون بالصخب. ولا تتعثر الاشياء الأ باختلاج يتفجر فيها ويعم على الأ طراف, فاذا كنت تعاني من خلل ,عليك ان لا تبحث عنه بالخارج تامل نفسك وستجده واذا وجدته سهل عليك معالجته. وصمت واتجهت بنظري الى البعيد كاني أرى شيئا يلوح بالأفق .
نظر ألي مليا ولملم حاجاته , فبدأت أتأمله , حيث بأت تقلصات وجهه الحيرى تتلاشى , فانفرجت أساريره ونظر ألي بانبهار وهو يقول:
-كيف غابت عني هذه الحقائق ؟
ثم شكرني وانصرف .
ولما تأكدنا بأنه انصرف تماما , اطلق مراد ضحكته المجلجلة وهو يقول:
-اشهد لك ببراءة اختراع!
فسألته ضاحكا.
-بماذا؟
وهو يغرق في موجة الضحك :
-بتحويل الهراء الى فلسفة!!
فقلت له مجاريا ضحكه:
-اراهنك انها ستنجح.
لم يطل بنا الانتظار. حبث جاء زميلتا باليوم الثاني وعلى وجهه علامات السرور والرضا وهو يقول :
-كنت على حق ,فكرت بالموضوع , حيث لم تكن المسألة سوى حساسيتي المفرطة وتأولي الخاطئ للامور ,وعندما ناقشت المسالة وضح القصد ورجعنا سمنا على عسل. لا اعرف كيف أشكرك.
نظرت اليه بثقة وهززت راسي وانا أقول له:
– لاتشكرني , واشكر الشيخ ابن عربي في “سر العارفين” فلست انا الأبناقل.
فقال وهو يداري حيرته:
-ولكني كنت غيرعارف به.
فقلت له ملاطفا:
-المهم ان المشكلة انتهت.
قال وهو يغادرنا بعجل.
-الحمد لله.
لقد كنت انا اكثر اشتياقا من مراد في انصراف زميلنا, وعندما تأكدت من انصرافه, نظرت الى مراد ثملا بنشوة الانتصار, وانا أقول
-ألم اقل لك انها ستنجح!
فقاسمني موجة الضحك وهو يقول:
-اضفها الى النقاط السابقة التي سجلتها علي.
فاجبته مازحا:
-ومتى يحين جمع النقاط واعلان النتيجة؟
-لاتعجل. كلما زادت أثمرت أكثر.
هكذا بدا الموضوع بالصدفة, فتناقل زملاءنا الشائعات, وبدأوا يستشيرونني بمشاكلهم وغالبا ماتكون عاطفية , وبدأت اكتسب الحنكة في تعاملي معهم فاسألهم ان يصفوا لي المشكلة وصفا دقيقا وغالبا ماتكون المشكلة عاطفية .
وكنت اطرق هنيهة بعد سماعي القصة,ثم أقول للسائل مايخطر على بالي رغم غرابته, وكنت أتعمد عدم استخدام نفس القول او الطريقة أو بيت الشعر في قضيتين رغم تشايههما. وقد اقول له بعد التفكير, ان قضيتك تحتاج الى تفكير عميق وربما الاستعانة بالمصادر وقد اناقشها مع مراد لاني اثق بخبرته وبصيرته ولعلي كنت اعمل هذا على رأي المثل الشعبي-نحن دافنبنو سوآ- . ومما اثار استغرابي واستغراب مراد , ان جميع من أستشارني وفقه الله وتغلب على مشاكله, وبدا مراد يطلق علي “طبيب القلوب” , قكنت اصف التشخيص والدواء واشير الى المصدر .
وكانت شفتي بنفسي تزداد يوما بعد يوم وبدأت أختار أسئلة لا تخطر على بال واقوم بوصف وصفات لاتوجد في أي مصدر اوكتاب , فقد سألت أحدهم يوما ان يصف لي كيف تمشي حبيبته ومنها نعرف شخصيتها على طريقة الموسيقار محمد عبدالوهاب, فقال لي ,انها تزلزل الارض تحت قدميها وتختار الاحذية ذات الاصوات المقرقعة كالرصاص,
فقلت له انها تحب استعراض القوة وتبالغ بها , فلابد لها أن تحب الشعر , وخير الشعر الذي يجسد الأثنين هو شعر عنترة العبسي فقل لها :
ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لانها لمعت بارق ثغرك المتبسم
وقلت للأخر عندما ارتبك ولم يعرف اين يبدأ في وصف مشكلته, عليك بطلاسم الحلم لأبن خلدون ,
-تماغس بعدان يسود وغداس نوفنا غادس
عليك ان تقولها ثلاث مرات قبل النوم ثم تضعها تحت وسادتك وتنام, سوف ترى حبيبتك بالمنام وتناقش معها المشكلة وتصلان الى حل.
وقلت للاخر اترك حبيبتك ثلاثة ايام وكلما ألتقيها غيير طريقك وأقرأ الأبيات الاربعة من جلجلوتية الأمام البوني بالليل اربع مرات كل يوم
بدأت بسم الله روحي به أهتدت الى كشف اسرار بباطنه انطوت
وصليت بالثاني على خير خلقه محمد من زاح الضلالة والغلت
الهي قد أقسمت بك داعبا بتاج وماهوج جلت فتجلجلت
سألتك بالأسم المعظم قدره ويسر أموري يالهي بصلمهت
وعندما تراها في اليوم الرابع , اذهب وحدثها وكان شيئا لم يكن وسترى النتيجة , وفي كل مرة انجح فيها أزداد ثقة بنقسي , وبات اصدق الشائعات بأني اصاحب جلجلوت كبير الجن وانني اسخرهم لما أريد , وقلت يوما –ان حبيبتك تطابق ما وصفه التيفشي في كتابه –نزهة الالباب فيما لم يكتب في كتاب . أدهن شعرك بدهن البان كل يوم صباحا وحاول التركيز والتفكير بعينيهالمدة ثلاثة أيام, وتأملت عينيه لبرهة وقلت له بثقة:
-وسترى النتيجة.
وقد استغرب مراد أكثر مني عندما جاء بعد عدة أيام , ليقول ممتنا (صدقت).
فقلت وانا اتبادل القهقهات مع مراد بعد أن غادر.
-لو يعرف فيمن قال التيفاشي ما قال لود ذبحي.
فقال مراد وهو غارق بالضحك.
– لقد انقذك الجهل!! وأخذتنا نوبة من الضحك ونحن نردد
-ومن العلم ماقتل!!1
ولكن مراد انقلبت احواله منذ بدء الدراسة, حيث بدأ يقف ساهما في ممرات الكلية , وعندما اسأله عما يروم . يتطلع ألي باستغراب وينظر في وجوه الطلبة كأنه يبحث عن أحد, ثم يتجه الى قاعات المرحلة الاولى في الفسح التي بين المحاضرات, وعندما أسألته عن السبب كان يقول:
-أحد اقاربه اوصاه بطالب بالصف الاول , ثم يستطرد:
-اني اشفق عليهم لانهم تائهون, اتذكر عندما كنا في الصف الاول ؟
ولكنه لم يلتق الطالب الذي ذكره رغم اننا ذهبنا عدة مرات, وعندما اقترحت ان نسأل احدا من معارفنا أو ان يعطني الاسم وأنا أجده بطرقي الخاصة , قال لي انه قد رأى صورة الطالب ويستطيع تمييزه ومن الاحسن ان ندعها للصدف.
استغربت رده لأنه كان مباشرا ولا يضيع الوقت . ولكني تركته لاني اعرف انه عنيدا ومعتدا برأيه. فاستمررنا على هذا الحال.
وفي أحدى جولاتنا تلك ,فجاءة تعثر وتورد وجهه وشعرت بان الارض تميل تحت قدميه حيث جاهد باخغاء محاولته التوكؤ على كتفي , فلفتت انتباهي طالبة عادية الجمال تنظر اليه بينما تباطئت بخطواتها وهي تقول :
-صباح الخير .
-فالتفت اليها ورد بنبرة كانه بذوب فيها :
-صباح النور , كيف الاحوال؟ ارجو ان تكونوا بخير.
كانت خطواتها المتباطئة مغرية له بمتابعتها وفاستمر بمشي محاذيا لها, وتخلفت عنهما كالعادة.وبعد عدة دقائق عاد ضاحكا منتشيا.
فنظرت اليه ورشقته بابتسامة هو وحده يعرف مكنونها وسألت يشوق:
لقد حيراني هذين البيتتين أتعرف لمن؟ وبدأت أنشدهما بوله:
علامة من كان الهوى في فؤاده اذا نظر المحبوب أن يتحيرا
ويصفر لون الوجه بعد احمراره وأن خاطبوه بالكلام تعسرا
فنظر الي باستكار وسألني بلامبالاة.
-من قال لك اني خبير بالشعر؟
ولما شعرت انه يريد بعثرة القضية .سألته ما الخطب؟
أجاب ضاحكا
-مجرد طالبة في الصف الاول التقيتها في حفلة التعارف.
وهنا عرفت لماذا أنقلبت أحواله منذ بداية السنة الدراسية قبل ثلاثة أشهر . أنها حفلة التعارف حبث تعرف على الهام , كانت في المرحلة الاولى وكنا بالثالثة. وقد شغلت الهام باله منذ التقاها, فباتت لاتفارق خياله, وقلبت كيانه رأسا على عقب,
وكانت تلك هي البداية , فعمل المستحيل حتى يبدل خزاناتنا ويجعلها مقابلة لخزانات الصف الأول , ويصطنع الاعذار ليذهب عدة مرات للدولاب كي يضع حاجة او يأخذ أخرى , وعندما يراها تبقى اساريره منشرحة طوال اليوم وقد يدندن بمقطع لاغتية عاطفية, وعندما انظر اليه باسما وهو يدندن تثور ثائرته , وينفجر بي صارخا.
– نعم تغيرت واصبحت أحب الغناء.هل عندك مانع,ام علي ان أخذ موافقتك:؟
لقد تغير رأسا على عقب منذ ألتقاها. وأعزف عن مشاوكتي بالقهقهة كلما وصفت وصفة من وصفات الحب.وبوما سألني فجاءةا, ان كنت أؤمن بالحب لاول نظرة , فبدأت اضحك ظانا انه يمزح.
فانفجر في صارخا:
-ألا تاخذ قضية واحدة جد بحياتك ؟
فانفجرت بنوبة من الضحك, واننا اسأله باستغراب.
-لأتقل لي انك تؤمن به !
فأجاب بحرقة
-لقد جعلتني اؤمن به.
فهززت رأسي مندهشا, وانا أقول.
-سبحان مغير الاحوال.
وكنت اعجب له عندما يرها ينقلب وجهه الى قوس قزح , ولا اتمالك نفسي واداري رغبتي الملحة للضحك, وينقذني عندما يتركني ويذهب ليتمتم معها بعض الكلمات التي لم استطع ان اعرف كنهها وكلما سألته عما يقول لها, يستشيط غضبا وينهرني ويقول لي بان لا أسأله مرة ثانية, وهذا ما يغريني بسؤاله بالمرة القادمة. واستمر الحال كذلك وكان مراد يضطرم بنار الحب ولعلها ادركت بحس الانثى فبدأت تتهرب منه تارة وتقترب أخرى.
فتغيرت حال مراد وبدأ يسمع الاغاني العاطفية بل بدأ يكتب ويحفظ بعض مقاطعها كما اصبح رقيقا يتذوق الموسيقى ويطرب لها بل يذرف الدموع عندما يسمع اغنية عاطفية. ولم يكترث بما أقوله باستشاراتي للزملاء ولم يعد يقهقه معي بعد كل نجاح.
وكلما سالته لماذا لا تصارحها ؟يقول لي بقلق:
-عندما يحين الوقت.
فأجبته بحسرة
-ألم تطلق علي انت –طبيب القلوب- دعني اصف لك وصفة لا تخيب.
فأجابني بأزدراء.
-دعك من خزعبلاتك انها لاتنفعني,انقعها وأشرب ماءها!!
وكأن احوال مراد لم تكن مريبكة, فظهر شاب في احد الصباحات عند دواليب الطلبة التي كانوا برتادونها بعد المحاضرات كي يعدوا انفسهم للذهاب للدروس العملية . وقد ثارت ثائرة مراد عندما رأه فاخذ يرشقه بنظرات شزرة ويطيل التحديق به, ولكن تلك النظرات لم تزد ذلك الشاب الا اصرارا وتحديا مما جعلت مراد يستشيط غضبا ويبحث عني كي يكيل اللعنات لهذا الشاب دون ان يستطيع ان يكلمه. ولما عرضت عليه ان اضرب طلال بطلسم من طلاسمي التي لا تخيب. أجابني بأن اخصص طلاسمي للسذج والمغفلين وادعه وشأنه.
وفي احد الايام جائني مراد ليقول انه عرف اسمه طلال وهو معها في المرحلة الاولى. وكنت كلما نصحت مراد بمفاتحة الهام او مناقشة طلال تبرم وقال بصوت مبحوح .
-كل شئ باوان.
في صباح يوم لازلت اذكره حيث انهمر المطر مدرارا وارعدت السماء وعوت الريح ,فانزوى الطلبة كل في ملاذ اتقاء البرد والمطر بينما حاول البعض قضاء حوائجهم من الدواليب بالسرعة الممكنة وانكفؤا في دهالبز الكلية احتماءا من المطر والبرد. تبارزت نظرات مراد بطلال وغرز كل منهما نظراته في جسد الاخر وعندما وصلا حد الاشتباك , أثرا ان يتفادى احدهما الاخر.
،نظر الي مراد فأحسست انه على وشك الانفجار , فنظر الي وقال والتصميم بقطر من نبراته.
-أليوم لابد لي ان انهي كل شئ, واتجه الى النادي بينما رأيت طلالا قد سبقه ببضع خطوات الى هناك.
كنت بطبيعني استمتع بترتيب المقالب لاصدقائي وقد خاصمني بعضهم لذلك , ولكني لم اتبع مراد للاستمتاع فقط ولكن امره يهمني وكنت حريصا ان لايتطور المشهد الى مجابهة عنيفة, فلحقتهما على عجل.
كان النادي يتكون من قسمين, قسم دائري كبير يعج بالطلبة وضوضائهم, وقسم ثان صغير وهادئ وغالبا ما تهدهه انغام فيروز في الصباح او موسيقى اربين نايتس لرمسكي كورساكوف في المساء وكلما سمعتها , تسألت من ابن عرف محمد طيب, الامي الذي لايعرف فك الخط هذه االسمفونية وبحثت عنه لأسأله , لم أجده, وغالبا ما يستأنس ذلك القسم بهمسات الاحبة واعتقد انه كاتم اسرارهم ولذلك كنا نطلق عليه جناح العوائل.
عندما دخلا الى المدخل الذي يفصل القسمين, كنت اراقبهما عن كثب, ورغم انهما كانا على بعد بضعة امتار من بعضهما كنت واثقا انهما لم يكونا شاعرين ببعضهما , فاتجه كلاهما الى جناح العوائل , وعند الباب شعرا ببعضهما, فأخذا يقلبان نظراتهما بين الوجوه, وكأنهما كانا يتباريان في سباق يريد كل منهما ان يثبت للاخر انه الاجدر بالفوز. فوقعت نظراتهما سوية على الهام وهي تستانس باحتساء الشاي وتومئ برأسها وتنفرج غمازتبها الى احاديث شاب لم يكونا قد رأياه سابقا ثم تعقب بغنج.
كنت اراقب الجميع بتوق.
عندها التقت نظرات مراد وطلال كانها كانت على موعد, قلبت نظري بين وجهيهما ورغم ولعي باقتناص المواقف المحرجة لكلا الجنسين, لازلت لحد هذه اللحظة ابحث عن تعبير يعبر عن احساسي واحساساهما في تلك اللحظة , ماكنت واثقا منه انها المرة الاولى التي تبعثرت فيها عواطفهما فقفزت على الحقد والضغينة والقرف.
ومن ذلك اليوم انقلبت أحوالي مع أحوال مراد , ولم أعد اقهقه او اصف وصفاتي بثقة مطلقة وبدأ الزملاء يقلون من أستشارتي وبينما أتي أثنين أو ثلاث منهم ليسألوني عن بديل لم يأت عدد كبير منهم كي يبلغوني بنتيجة وصفاتي.
وانتشرت الأشاعات التي سمعت واحدة منها , انني لم استطع تلبية حاجات جلجوت التي ازدادت فجاءة وكانت القطيعة.