أيام وليالٍ طويلة مرت على استيلاء هذا الغريب ذو العينين الزرقاوين، والعضلات المفتولة على جزء من بيت العائلة، وقتله أبانا وأخانا وأمنا أمام أعيننا، مما اضطر جزءًا منا إلى التجمع في غرفة ضيقة من البيت، وهروب قسم كبير منا إلى بيوت الجيران الذين أمسكوا ألسنتنا وأيدينا وربطوها بقيود صارمة خوفًا على بيوتهم وأولادهم من ذلك الغريب الغازي الذي كان يعلن صباح مساء بأنه ملك الحارة ومالك ما عليها…
كنا في تلك الغرفة الضيقة نعدّ أنفاسنا كما تُعدّ الحبات القليلة من القمح في موسم قحط. لا أحد يجرؤ على البكاء بصوتٍ عالٍ، أو حتى التذمر، ومن كان يحاول فعل ذلك يقتل أو يسجن، وكان الحروف نفسها تخاف أن تُسمَع. كانت الجدران تقترب منا شيئًا فشيئًا، وصار الهواء ضيقًا في غرفتنا كقلوبنا.
في الليل كان الصمت الثقيل يحاصرنا، والحارة كلها تحبس أنفاسها معه خوفا مما قد يفعله هذا الغريب ذو العضلات المفتولة. أحيانًا كنا نسمع وقع خطواته فوق السطح، أو صوته المزعج المرعب فنشدّ على أيدي بعضنا حتى توجعنا، فقط لنتأكد أننا ما زلنا هنا… وأننا لم نصبح ذكرى أخرى في فمه.
أما الذين هربوا إلى بيوت الجيران، فلم يكونوا أقل سجنًا منا. كانوا يعيشون خلف أبواب موصدة، بوجوه صامتة، يتحدثون بعيونهم فقط. تعلموا بسرعة أن النجاة ليست دائمًا خلاصًا، وأن الخوف حين يُقتسم لا ينقص، وإنما يتوزع بالتساوي.
والليلة حدث شيء عجيب، شيء لا يمكن فهمه.
طفلٌ أسمر بعينين سوداوين، اقترب من الباب، ناديناه :ارجع يا بن أبي جمال، يا محمد. ارجع ولكنه وضع أذنه على الباب، ثم همس:
“هو يغط في نوم عميق”
نظرنا إلى ذلك الجسد الضخم المخيف طويلًا، ولم يقل أحد شيئًا. لكن لأول مرة منذ زمن، لم يكن الصمت مجرد خوف وأنفاس مرتبكة…كان يشبه حلما جميلا فرد جناحيه على قلوبنا…
اقتربنا من الباب واحدًا تلو الآخر، كأننا نتعلم المشي من جديد…، سمعنا ما سمعه الطفل:
صمتٌ مختلف، صمتٌ لا يخيف.
فتح أحدنا الباب ببطء، كان الممر غارقًا في عتمة خفيفة، تتخللها خيوط ضوء شاحبة. تقدمنا خطوة، ثم أخرى، حتى رأيناه.،طلب منا الجيران التراجع، والكف عن الاقتراب من الأبواب ،لكننا قررنا أن نفتح الباب لنعود إلى بيتنا…
كان ممددًا هناك، جسده الضخم المخيف يملأ المكان، وعيناه الزرقاوان كانتا مغلقتين…
اقترب الطفل منه أكثر ، ومن غير أن ينتظر مدّ يده الصغيرة، أمسك ذلك الوحش من أهداب عينيه.
لم يتحرك.
فتقدمنا جميعًا، لا لأننا صرنا شجعانا فجأة، وإنما لأن الخوف تعب من البقاء فينا. نظرنا إليه طويلًا، ثم نظر بعضنا إلى بعض… ولم نحتج بعدها إلى كلام.
في تلك اللحظة، لم يعد البيت ضيقًا.
لم تعد الجدران تقترب.
ولم يعد الصوت الذي في صدورنا همسًا.
فتحنا النوافذ.
دخل الهواء دفعة واحدة، كأنه كان ينتظرنا.
فتح الجيران أبوابهم بحذر، نظروا إلينا وفي عيونهم قلق ورعب وارتباك، نظرنا إليهم وفي عيوننا أكثر من حرف تائه. لم نقل شيئًا. لكن شيئًا ما انكسر… أو ربما انفتح.
وفي الداخل، بقي جسده كما هو، بلا حراك.
لم نحمله، ولم ندفنه.
تركناه هناك…
كي نتذكر، كلما ضاق بنا المكان، أن للنهايات مواعيدها