نستهلك الألم طويلًا قبل أن ننتبه لوجوده.
يتسلل إلينا بهدوء، يترك بصماته في أعماقنا دون ضجيج، حتى نعتاده ونحسبه جزءًا من الحياة. فهناك أوجاع لا تُرى ولا تُسمَع، لكنها تسكن جيوب القلوب وتكبر في صمت.
نواصل العيش، نتأقلم مع الأيام، بينما في داخلنا ذلك الوجع الذي أخذ مكانه من أرواحنا. نبتسم، ندّعي القوة والهدوء، بينما الحقيقة أن في الداخل حكاياتٍ كثيرة تراكمت على رفوف الحياة، يكسوها غبار الأيام الباردة.
لم نجد بعد القلب الذي نستطيع أن نكشف أمامه ضعفنا كاملًا، أن نكون معه كما نحن دون خوف أو أقنعة. فاعتدنا أن نكون الأقوى، أن نعطي ونساند من يشكو ويتألم، بينما نخفي نحن وجعنا بصمت.
ورقّة المرأة كثيرًا ما تكون معضلتها. فهي الهبة التي تجعلها تشعر بكل شيء بعمق، وتنكسر لأشياء قد لا يتصورها العقل. ومع ذلك، تمنحها هذه الرقة قدرة عجيبة على الاحتواء والعطاء والتجاوز.
تكون الملجأ والدفء للجميع، الحضن الذي يلتجئ إليه الآخرون حين تضيق بهم الحياة. لكنها، وسط كل ذلك، تستنزف ما لديها بصمت، تعيش للآخرين حتى حدّ الذوبان، ولا تستفيق غالبًا إلا بعد خذلانٍ يوقظها.
حينها تكتشف وجعًا يسكنها لسنوات، وهي تبحث عن التعافي. تدرك أنها ظلمت نفسها كثيرًا، وأنها أنفقت روحها في أماكن لا تعود إليها.
تنظر حولها فتجد نفسها متعبة… ووحيدة.
وتدرك أنها أهملت قلبها طويلًا.
ربما لأنها تعلّمت منذ الصغر أن عليها أن تعطي دائمًا، أن تكون مركز الاحتواء، دون أن تطالب بحقها في أن يُبادَل العطاء بالعطاء.
نكبر ونحن نظن أن الصمت قوة، وأن التضحية واجب، وأن دورنا أن نحافظ على الآخرين حتى لو خسرنا أنفسنا.
لكن مع الوقت، ومع الصفعات المتتالية، تكتشف المرأة أنها احترقت كثيرًا… حتى لامست رماد روحها.
ومع ذلك، تتعلم من وجعها.
تتعلم أن العطاء لا يعني الفناء، وأن القلب الذي يمنح الحب يستحق أن يُحَب، وأن على النفس حقًا لا يجوز تجاهله.
فتعيد ترتيب حياتها بهدوء، وتبدأ أخيرًا في حماية مشاعرها، وتدرك أن القوة ليست في احتمال كل شيء، بل في معرفة متى يجب أن تتوقف.
فالرماد ليس نهاية الحكاية…
إنه فقط بقايا النار التي مرّت من هنا، وصنعت امرأة أكثر وعيًا، وأكثر نضجًا، وأكثر قدرة على أن تحب نفسها كما تحب العالم.