ارتبطت حياة الانسان منذ القديم بالانتاج والاستهلاك ، فأوجد الطريق الأول للتبادل التجاري عبر المقايضة ثم سك العملات وصارت وسيلة في التعاملات التجارية بين الناس والشعوب ، فكان بعضها مسكوكا من الفضة وبعضها من الذهب وغيرها من المعادن ، وكان العرب كغيرهم من الأقوام قد عرفوا استعمال العملات منذ الجاهلية فكان الدينار والدرهم عملة رائجة في الاوساط فقد كانت ترد دراهم ودنانير الفرس على أهل مكة في الجاهلية فيتعاملون بها على أنها تبر يزنونه وزنا معروفا عندهم حتى سك عبد الملك بن مروان العملات المعروفة من الدرهم والدينار، واتسع رواجها أكثر لاتساع الرقعة وانفتاح الحضارة العربية على غيرها من الروافد الثقافية والعرقية الوافدة من الفرس والروم والهنود وغيرهم ، ما تطلب استعمالا أكبر للعملة تنظيما للحياة الاقتصادية التي صارت أكثر رواجا واتساعا.
ويرجع بعض الدارسين أصل كلمة الدرهم والدينار الى اللغة الفارسية فيذكرون أنها عدلت من كلمة دراخم وديناريوس وقال أنستاس الكرملي أن أصله رومي بينما يذهب آخرون إلى الأصل العربي لعملة الدرهم فقد جاء في كتاب المعرب : “ودرهم معرب وقد تكلمت به العرب إذ لم يعرفوا غيره ” ، وأيا ما كانت الأصول فإن العملة جزء من منظومة المجتمع والاقتصاد وأداة تنظيم للمعاملات ، فإن القصيدة العربية التقطت العملة وأعادت صوغها شعريا وفق سياقات مقامية مختلفة منحتها تعاطيا جديدا فجعلتها تخرج من دائرة التعامل التجاري إلى سياق شعري ودلالي جديد طبع العملة بصبغة جمالية لا مادية يقول عنترة بن شداد :
جادت عليه كل بكر حرة فتركن كل حديقة كالدرهم
لقد جاء الدرهم ليحمل لنا صورة الصفاء والبريق والبياض والاستدارة بعدما أمطرت سحائب الربيع على هذا النبت فجعلن كل حديقة شبيهة بالدرهم لشبه لونها بالفضة الملتمعة ، ولما كان الدينار من الذهب مشرقا كثر التسبيه به في معرض الجمال والإشراق قال الشاعر :
النشر مسك والوجوه دنا نير وأطراف الأكف عنم
وقول القائل :
كأن دنانيرا على قسماتهم وإن كان قد شف الوجوه لقاء
فكان تصويرجمال الوجه عندهم وإشراقه لا يكاد يخرج عن تلك الصور المألوفة من شمس وبدر ودينار ،وكان الدرهم أبعد ما يكون عن نقل صورة الاإشراق في الوجه لفضيته واستمداده الضياء من الشمس ل>ا قال الشاعر :
ويظلم وجه الأرض في أعين الورى بلا شمس دينار ولا بدر درهم
ومن هنا كان تشبيههم للشمس بالدينار كما في قول ابن المعتز :
وكأن الشمس المنيرة دينا ر جلته حدائد الضراب
لما بينهما من شبه الاستدارة والإشراق واللمعان ، فكان كلاهما رسما لمعالم الجمال في وجه الحسان ، وقد يجيء الشاعر بالدينار لغرض التمثيل كقول عبد المهيمن الحضرمي :
وإنما الناس أمثال الفراش فهم يلفون حيث مصابيح الدنانير
فيشبه حال انجداب الناس إلى الدينار بالفراش الذي يجذبه ضوء المصابيح فيتحلق حوله طالبا ضوءه ، ليصور حالة النهم والإقبال الشديد على النقد وهي صورة لم تخل منها الشعرية العربية التي جلت اترباط الإنسان بالمال وعشقه له ، وفي ذلك قول القائل :
النار آخر دينار نطـــــــقت به والهم آخر هذا الدرهم الجاري
والمرء بينهما ما لم يكن ورعا معذب القلب بين الـــــهم والنار
بل إن بعض الناس يظهرون وجها غير الذي يظهر للناس متقنعين بالاستقامة والورع وهو عبيد الدرهم وعاشقوه يقول الشاعر :
أظهروا للناس نسكا وعلى الدينار داروا
وله صلوا وصاموا وله حجـوا وزاروا
لو رأوه في الثريا ولهم ريش لــطاروا
وقد يتحول الدينار والدرهم إلى وسيلة لقضاء الأغراض ومنح الهيبة لصاحبها بين الناس ، إذ يكفي أن يكون ذا مال يغنيه عن العلم والادب ورجاحة العقل يقول الشاعر:
إن الدراهم في المواطن كلها تكسو الرجال مهابة وجمالا
فهي اللسان لمن أراد فصاحة وهي السلاح لمن أراد قتالا
ويقول أبو بكر الطرطوشي :
إذا كنت في حاجة مرسلا وأنت بإنجازها مـــغرم
فأرسل حكيما ولا توصه وذاك الحكيم هو الدرهم
وعلى النقيض ترتسم صورة أخرى للنقد حينما يفتقده الإنسان وإن جمع الحكمة والمروءة والفصاحة وسامي القيم وكان من أهل الفاقة فإنه يكون بغير قيمة تذكر يقول أحد الشعراء :
فصاحة سحبان وخــــــــط ابن مقلة وحكمة لـــــــقمان وزهد ابن أدهم
إذا اجتمعت في المرء والمرء مفلس فليس يساوي في الورى نصف درهم
إن صورة الدرهم والدينار في الشعرية العربية تراوحت بين التصوير الجمالي من حيث توظيفها البلاغي تشبيها أو استعارة لنقل صورة الجمال والاشراق والنقل الواقعي لدور العملة في الحياة ومكانتها في الوسط وفي تصور الأذهان ، فهي عصب الحياة وفكاك الأزمات وقاضية الأغراض ، لذا تكون الشعرية العربية قد استطاعت أن تنقل عبر الأنساق المضمرة نمط التفكير الذي ساد البيئة العربية خاصة في عصر التمدن والانفتاح حيث المال وسيلة تغني صاحبها عن العلم والتحلي بالقيم السامية لأنه وسيلة لجذب الناس وإخضاعهم واستعبادهم ، وفي ذلك قال أبو الفتح البستي :
من جاد بالمال مال الناس قاطبة إليه والمال للإنسان فتان
فالدرهم والدينار وسيلة جذب لا تخفى تأثيرات بريقهما على العقول والقلوب ، مثلما أنهما وسيلتا قضاء المآرب وتحصيل متطلبات الحياة ، وإلى هذا أشارت قصيدة ابتسم لإيليا أبي ماضي :
قال المواسم قد بدت أعلامها وتعرضت لي في الملابس والدمى
وعلي للأحباب فرض لازم لكن كفي ليس تملك درهما
لذا كانت المدونة الشعرية وهي تلتقط النقد في متنها متراوحة بين فعلي التصوير القائم على التخييل الذي ارتبط في مفكرة الشاعر العربي بالجمال والحسن وعلى النقل الواقعي لصورة الدرهم والديناركما هي جارية في الثقافة المجتمعية ، وعبر هذا الاستعمال المزدوج الذي حتمته سياقات الإنتاج ، كان استخدام الشاعر العربي للدرهم والدينار استعمالا وظيفيا منسجما مع المقام البلاغي ، فكان استدعاء الدرهم والدينارمع ما بينهما من تمايزات في الإيحاء استدعاء غاية في الدقة البلاغية وكان اللجوء إلى العملة لنقل الصورة المتمثلة عنها في المجتمع العربي والإنساني نقلا واقعيا ينسجم مع طبيعة التفكير.
لقد برع الشاعر العربي في توظيف العملة في القصيدة مضفيا عليها جانبا إستيطيقيا يتخصب معناه داخل البلاغة حينا وجانبا ماديا واقعيا يتماشى مع الطبيعة الاقتصادية للعملة كما هو متعارف عليه في الاوساط المالية ، فوجدناه مستدعيا هندستها ولونها حين يريد التعبير عن ملامح الجمال ومستدعيا وظيفتها ودورها ومكانتها حينا آخر ، بل إنه استطاع أن ينطق الحكمة من داخلها واضعا إياها في دائرة من التأمل الذي تخبره التجربة الإنسانية ، ما جعل الدرهم والدينار كعملة رائجة بين الناس تتلون بدلالات مختلفة استدعتها مقامات شعرية مختلفة منحت القصيدة العربية فسيفساءها الدلالي المتعدد الذي يدل على براعة الشاعر في التقاط الدرهم والدينار من حقلهما الاقتصادي والتداولي وجعلهما جزءا من التشكيل الجمالي للقصيدة العربية، يمنحهما حياة مختلفة عن المعتاد.