حان موعد الدعوة والسفر الى معرض الفن الدولي ، وكنت انا من الذي تم طلب حضورهم والمشاركة فيه ،وصلت ظهرا ، بعد ان فرغت من حجز الفندق ،وشراء بعض الحاجيات ،وجلست أستريح في كوفي شوب ، زبائنه من المغرب العربي ، صادف ان هذا اليوم حضور عرض موسيقي ، وقف جمع من المارة ينتظر ،كلّ ما أتذكره حينئذ أن ضجيج المارة بدأ يخف تدريجيا ، والكل يستمع بشغف الى موسيقى الغجر وهي تعبق بأريج نغماتها، جمهور متعلق بالموسيقى الشرقية القادمة من اسبانيا ، ربما هي لوعة فراق الأحبة هناك ، طابور من المشاهدين راحت تتطلع نحو مايقدمه شاب أشقر وصديقته من موسيقى عذبة ،بعض الصبية تحلقوا حولهم مبحلقين في حركات ورقص الفتاة ،ومشاركتها تلك الرقصة ، جلست اشرب فنجان قهوة وأنا أداعب بأناملي شعري الذي نسيت أن أصففه ،.نعم هكذا تعرفت على موسيقى الغجر عن قرب ، شاب طويل القامة اشقر يضع على عينيه النظارات السوداء يلبس الجينز وقبعة راعي البقر، وحذاء طويل الرقية مصنوع من جلد البقر ، معطف رمادي كانت أزراره اللامعة براقة تحت الاضواء ،يبدو انه مغرم بالة الكمان منذ صغره ، امامه تتلوى فتاة غجرية ، ترقص بحرفية ، تضرب كعب نعلها بشدة على الارض ، أنخرطت ترقص وتغني وبشاعرية لا تخطئها أذن تخصصت بهذا اللون من الفنون الشعبية ، شعرت بها ترقص في روحي وجسدي. وقلت انها فرصتي أسترخي على مقعدي، وأنعم بقليل من الراحة عساني أنسى قساوة الانتظار، وأستعيد صفاء مزاجي العكر ، خمنت أنها زوجته، وجدتني هذه المرة تحت سطوة نظراتها كطريد أتلجلج في شباكها ،أنتبه الشاب العازف الاشقر لي وانا أرسل لها تلويحة أعجاب ،وظل يديم النظر إليّ من خلف نظاراته السوداء. تجاهلته اول الامر ،أشتط غضبا وأمسك بيدها، وشوش في أذنها ببضع كلمات. تخيلته يقول لها محذرا مني،لكني رحت أتجاهل نظراته المريبة ،أتأمل رقصتها وحركات المارة في ذهابهم وإيابهم، وللمزيد من التجاهل أخرجت من جيبي رسالة الدعوة والتي وصلتني من إدارة المهرجان ، كنت أتاكد من وقت العرض والمكان المخصص ،صديقي الفنان التشكيلي ، أصر على ان يدعوني لمعرض الفنون التشكيلية وانشغلت بقراءة كل التفاصيل المتعلقة ببرنامج المعرض ،حملت حقيبة اللوحات ونهضت، جرجرت حقيبتي الصغيرة وفوقها حقيبة اللوحات ، وقد لففتها بإحكام ، وتوجهت نحو قاعة المعرض. توقفت عند أول مقعد، ولما هممت بالجلوس لمحني صديقي الرسام وقام بتلويحة بيده مرحبا بوصولي،أخذته بين يدي وحضنته وبتلقائية، وقدم لي مكان عرض لوحاته ،والمعروف باسلوبه الحروفي المشرقي بالرغم من غربته الطويلة وتاثره بمدارس الفن الحديث ،كانت لوحات مبهرة وبديعة الصنعة ،امامها توقف طويلا ، نسيت تلك الفتاة ورقصتها والشاب الاشقر وغيرته عليها ،كم أسعدني أن أرى تلك الحروفية المذهبة من الكتاب المقدس ،مازالت تشع أمام عيني بنفس القدر الذي تشع داخل فكري ووجداني.