الجزء الأول
لَمْ يَكُنْ أَبُو سَيْفٍ يَفْتَحُ مَتْجَرَهُ مُبَكِّرًا طَلَبًا لِلرِّزْقِ وَحْدَهُ، بَلْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى السُّوقَ وَهِيَ تَسْتَيْقِظُ عَلَى مَهْلٍ. يَرْفَعُ البَابَ الحَدِيدِيَّ بِهُدُوءٍ، وَيَرُشُّ قَلِيلًا مِنَ المَاءِ أَمَامَ المَدْخَلِ، ثُمَّ يُشْعِلُ المَوْقِدَ الصَّغِيرَ وَيَضَعُ عَلَيْهِ إِبْرِيقَ الشَّايِ، ثُمَّ يُخْرِجُ كُرْسِيَّيْنِ خَشَبِيَّيْنِ. يَجْلِسُ عَلَى أَحَدِهِمَا… وَيَتْرُكُ الآخَرَ خَالِيًا.
لَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَسْأَلُهُ لِمَنْ ذَلِكَ الكُرْسِيُّ، فَقَدْ أَلِفَ النَّاسُ مَشْهَدَهُ كُلَّ صَبَاحٍ، وَكَأَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ المَتْجَرِ. وَاعْتَادُوا شَيْئًا آخَرَ… أَنَّ أَبَا سَيْفٍ يَبْتَسِمُ كُلَّمَا ضَاقَتْ بِهِ الدُّنْيَا.
دَخَلَ طِفْلٌ ذَاتَ صَبَاحٍ، وَمَدَّ يَدَهُ بِمُقَابِلِ مَبْلَغٍ بَسِيطٍ.
ـ هَلْ يَكْفِي هَذَا لِشِرَاءِ قَلَمٍ؟
أَخَذَ أَبُو سَيْفٍ المَبْلَغَ، وَوَضَعَ قَلَمًا فِي كِيسٍ وَرَقِيٍّ، ثُمَّ أَضَافَ إِلَيْهِ قِطْعَةَ حَلْوَى.
نَظَرَ الطِّفْلُ إِلَيْهِ مُسْتَغْرِبًا.
ـ لَكِنِّي لَمْ أَدْفَعْ ثَمَنَ الحَلْوَى.
ضَحِكَ أَبُو سَيْفٍ.
ـ أَعْرِفُ… وَلَكِنَّهَا هَدِيَّةٌ.
خَرَجَ الطِّفْلُ مُبْتَهِجًا، وَكَانَ رَجُلٌ يُرَاقِبُ المَشْهَدَ.
قَالَ:
ـ لَا أَعْرِفُ كَيْفَ تَرْبَحُ وَأَنْتَ تُوَزِّعُ الحَلْوَى مَجَّانًا.
اِبْتَسَمَ أَبُو سَيْفٍ.
ـ لَيْسَ كُلُّ الرِّبْحِ يُعَدُّ بِالنُّقُودِ.
لَمْ يَكَدْ يُتِمُّ كَلَامَهُ، حَتَّى شَقَّ صُرَاخٌ السُّوقَ.
ـ النَّارُ… النَّارُ!
اِلْتَفَتَ الجَمِيعُ. كَانَتِ النِّيرَانُ تَلْتَهِمُ مَتْجَرًا قَرِيبًا، ثُمَّ أَخَذَتْ تَمْتَدُّ سَرِيعًا. هَرَعَ النَّاسُ بِدَلَاءِ المَاءِ، وَدَخَلَ أَبُو سَيْفٍ مَتْجَرَهُ، فَأَخَذَ إِبْرِيقَ الشَّايِ وَصُنْدُوقًا صَغِيرًا، وَوَضَعَهُمَا فِي مَكَانٍ آمِنٍ، ثُمَّ عَادَ يُسَاعِدُ الآخَرِينَ.
لَمْ يَكُنْ يَنْظُرُ إِلَى النَّارِ وَهِيَ تَأْكُلُ مَتْجَرَهُ، بَلْ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى النَّاسِ وَهُمْ يُحَاوِلُونَ إِنْقَاذَ مَا يُمْكِنُ إِنْقَاذُهُ.
وَعِنْدَمَا خَمَدَتِ النِّيرَانُ، لَمْ يَبْقَ مِنَ المَتْجَرِ إِلَّا رَائِحَةُ الدُّخَانِ وَبَعْضُ الجُدْرَانِ المُتَفَحِّمَةِ. اِقْتَرَبَ مِنْهُ أَحَدُ الجِيرَانِ، وَقَالَ:
ـ خَسَارَةٌ كَبِيرَةٌ يَا أَبَا سَيْفٍ.
اِنْحَنَى أَبُو سَيْفٍ، وَالْتَقَطَ مُفْتَاحَ المَتْجَرِ مِنْ بَيْنِ الرَّمَادِ، مَسَحَهُ بِطَرَفِ كُمِّهِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُبْتَسِمًا، وَقَالَ:
ـ ابْتَسِمْ… الدُّنْيَا مَا زَالَتْ بِخَيْرٍ.
إِلَى اللِّقَاءِ فِي الجُزْءِ الثَّانِي.
1 أغسطس / آب / 2026م