
تسلّقت الشمس تلال الأغوار في ذلك الصباح ببطء، والندى كان ما يزال عالقًا بصوف الغنم، ورهف أوراق الورد حين خرج علي العبيد يقود قطيعه نحو أرضه في السفح الشرقي، حيث العشب الطيب والماء النقي عند قبر جده وجدته.
وخلفه كان كلبه الأسود قصير القامة حادّ العينين يتحرك كظلّ أمين.
وأمامهم كان الحمار يمشي الهوينى بحلسه الجديد، والمرياع يتباهى بصوت الجرس المعلق في عنقه. تابعت الأغنام خطوات المرياع، وانتشرت بهدوء على العشب اليابس، كأنها تعرف الطريق أكثر من البشر.
أربع سيارات بيضاء حملت مجموعة غاضبة من المستوطنين اندفعت من أعلى التلة، أحاطت بعلي وأغنامه.
ترجّل منها مجموعة من المدججين بالسلاح، رمى أحدهم عليّ بعصا غليظة لكنه أخطأه، ضحكوا طويلا…
صرخ أحدهم بالعبرية، ثم أشار إلى القطيع. فهم عليّ ما يريدونه.
ركض نحو غنمه، ملوّحًا بعصاه: هذه أرضي، هذه غنمي!
لكن الجنود الذين رافقوا المستوطنين وقفوا صفًا بينه وبين قطيعه بوجوه باردة، وعيون جامدة بينما كان المستوطنون يسحبون الخراف ويدفعونها أمامهم نحو المستوطنة التي احتلت أرض خالد الأحمد أعلى الجبل. صاح عليّ بغضب: غنمي غنمي، حاول استردادها. دفعه جندي بعقب بندقيته فسقط على ركبتيه.
فانطلق الكلب بسرعة نحو المسلحين، وبغضب من يعرف أن ما يُسرق ليس غنمًا فقط، وإنما البيت والخبز والذاكرة.
عضّ ساق أحد المستوطنين، ثم قفز على آخر… نبح نباحًا شقّ الوادي. وسارع نبض الغزاة فتعالت الشتائم…ثم دوّى الرصاص. وسقط الكلب على الأرض، ظلّ يتحرك للحظات، يضرب الأرض بقدميه، كأنه ما يزال يحاول الوقوف. ثم استقرّ، وعيناه مفتوحتان كأنهما تودعان علي.
تابعت كاميرتي الحدث من خلف صخرة، وسجلته بأصابع مرتجفة. صوّرت الراعي وهو يصرخ. والجنود وهم يحمون اللصوص. والكلب ممدّد على التراب، وثقب الرصاصة في صدره الصغير.
أرسلت الخبر بسرعة إلى قناتي الإخبارية…
اجتاح الخبر المنصات قبل أن يهدأ صدى الرصاص. التقطت الخبر صحفية إيطالية، فبثته :
“مستوطنون يهود يسرقون قطيعًا من الأغنام في الأغوار… ومقتل كلب حاول الدفاع عنه” وخلف الخبر ظهرت صورة واضحة للكلب وهو مضرج بدمائه.
في المساء، كانت صورة الكلب القتيل تعبر الشاشات أسرع من صرخة عليّ؛ عيناه المفتوحتان، وجسده الملطخ بالدم… وراحت القنوات تكرّر الصورة ذاتها، وتصفها بعبارات الأسى والصدمة..
صار للكلب وسمٌ عالمي. “الكلب رمز الوفاء”.
قال أحد رجال القرية لإحدى الفضائيات:
تقصدون كلب علي العبيد؟ هذا جاري، قتلوا كلبه، وسرقوا غنمه، وأخذوا حماره.
سأله المذيع: هل كان شرسًا؟
هزّ الرجل رأسه وقال: لم يكن شرسًا، كان فقط يعرف صاحبه.
تحوّلت صورة الكلب إلى شعارٍ، وتكاتفت الأيدي لتنظيم المسيرات المنددة بمقتله.
بينما كان عليّ العبيد يجلس عند قبر جدّه وجدّته، ينظر إلى السفح الذي بدأت تغزوه الكرفانات، وهو يحدث نفسه بصوت خافت حزين: إلى أين بجري بنا الدهر؟






