
من أخطر الأمراض التي أصابت المشهد الثقافي في عصر وسائل التواصل الاجتماعي أن كثيرًا من الناس لم يعودوا يقرأون النص، بل يقرأون عدّاد التفاعل.
وكأن الحقيقة أصبحت رهينة رقم،
والجمال أسير زر إعجاب، وقيمة الفكرة لا تُقاس بعمقها، بل بعدد التعليقات التي تجرها خلفها.
هذا انقلابٌ على معنى الثقافة،
وإهانةٌ للعقل.
فالكتابة ليست استفتاءً جماهيريًا،
وليست مسابقةً في جمع الإعجابات، وليست استجداءً للتصفيق الإلكتروني.
إنما هي فعلٌ معرفي، وموقفٌ أخلاقي، ورسالةٌ يحملها صاحبها وهو يدرك أن الكلمة الصادقة قد تسير وحيدة في البداية، لكنها وحدها القادرة على البقاء.
أنا لا أكتب لأستجدي تعليقًا،
ولا لأجمع الإعجابات، ولا لأُرضي خوارزميات المنصات التي صنعت أوهام الشهرة، وأقنعت بعض الكتّاب أن قيمة النص تُختزل في مؤشرات رقمية عابرة.
أكتب لأن الكلمة موقف، ولأن الفكر رسالة، ولأن الصمت أمام ما أؤمن به خيانة للقلم.
ما يعنيني حقًا هو أن يُقرأ ما أكتب، لأن القراءة فعلُ وعيٍ وإعمالُ عقل، أما التعليق فخيارٌ شخصي لا يُلزم أحدًا.
وليس كل قارئ يعلن حضوره، فكم من إنسانٍ غادر النص وهو يحمل فكرةً غيّرت طريق تفكيره، وكم من قلبٍ أعاد ترتيب قناعاته بصمت، دون أن يترك أثرًا في خانة التعليقات.
إن اختزال قيمة النص في حجم التفاعل يكشف أزمةً في الوعي النقدي أكثر مما يكشف عن قيمة النص نفسه.
فالنصوص الخالدة التي صنعت التحولات الكبرى في الفكر الإنساني لم تكن يومًا نتاج مطاردة التصفيق، بل كانت ثمرة الصدق والشجاعة واليقين.
أما التصفيق، فهو أكثر الظواهر هشاشة؛ يرتفع مع الموجة، ويخبو بانتهائها.
لقد أنتجت المنصات الرقمية ثقافةً استهلاكيةً تجعل بعض الكتّاب أسرى الأرقام، فيكتبون ما يثير الغريزة لا الفكر، وما يحقق الانتشار لا القيمة، وما يرضي الجمهور لا الضمير.
وهنا تبدأ هزيمة القلم؛ لأن الكاتب الذي يجعل التصفيق غايته، سيصبح عبدًا لذائقة الجمهور، لا سيدًا لفكره.
وأحسب أن مؤشرات الوصول والقراءة التي تُظهرها إدارة فيسبوك لمنشوراتي تؤكد حقيقةً واضحة:
مساحة القراءة أوسع بكثير من مساحة التعليق،
وأن للكلمة الصادقة جمهورًا صامتًا،
يقرأ، ويتأمل، ويغادر دون ضجيج.
وهذا القارئ هو الرهان الحقيقي لكل كاتب يحترم عقله ورسالة قلمه.
إن المثقف الحقيقي لا يقف عند باب التعليقات يستجدي اعترافًا، ولا يحصي الإعجابات كما يحصي التاجر أرباحه، لأن الرسالة الفكرية لا تُقاس بمن صفق لها، بل بمن غيّرته.
فالتاريخ لم يحتفظ بأسماء المصفقين، وإنما احتفظ بأسماء الذين امتلكوا شجاعة الكلمة حين كان الصمت أكثر أمانًا.
لهذا سأبقى أكتب…
لن أكتب لأكون الأكثر تداولًا،
بل لأكون الأكثر صدقًا.
لن أكتب لأطارد التصفيق،
بل لأطارد الحقيقة.
ولن أقيس نجاح النص بضجيج المنصة،
بل بالأثر الذي يتركه في عقل قارئٍ مجهول، ربما لم يكتب حرفًا واحدًا، لكنه خرج من النص إنسانًا أكثر وعيًا.
فالكلمات التي تُكتب من أجل الحقيقة تعيش، لأنها تنتمي إلى الضمير.
أما الكلمات التي تُكتب من أجل التصفيق، فإنها تموت… يوم يصمت المصفقون.







