
غالباً ما يكون الشعر تعبيرا يعكس صور إبداعية بلغة وهاجة وقريبة من القلب ، كما أنه مترع بالجمال يخاطب الحس والعقل والوجدان . إنه جسر بين الشاعر والمتلقي يعكس أحوال الناس وثقافتهم ، وأوجاعهم بكلمات دالة ووظائف فنية ترتق ثقوب الروح . يناغي المحبة بكل العناوين .
حتما هناك علاقة وطيدة بين ما يجري في الواقع والعمل الإبداعي الذي يسكن الإنسان حد الهوس .
وانطلاقا من ذلك يوجد بين يدينا ديوان شعري للشاعرة “عائشة أعبد الخال” المعنون ب : ” أنشوطة الصمت” . وكما هو متعارف عند النقاد ” الدار تعرف من عتبتها والكتاب من عنوانه ” بحيث يمكن القول : على أن العنوان هو المدخل الناجح الذي يفك مغالق النصوص ويساعد على قراءة مضمون معاني الديوان بصورة تعكس مدى قوة الارتباط ببيئة الكتابة الشعرية الشاعرية …
والعنوان مكون من كلمتين ” أنشوطة” “الصمت” فما معنى أنشوطة ؟
الأنشوطة هي عقدة في حبل أو خيط يسهل انحلالها إذا أخذ بأحد طرفيها ، وتستخدم للربط أو التزيين . كما تستخدم إما لعقدة الربط السريع أو الزينة أو الصيد والفخاخ ، بينما في الاستخدام المجازي تعني القيد أو المشكلة التي تضيق على الشخص مثل أنشوطة الفقر .
أما الصمت هو السكوت . و امتناع اللسان عن الكلام أو الإمساك عن قول الباطل ، ويشمل معاني السكون ، عدم النطق . ولغة ، صمت يصمت صمنا وصموتا ،. أي سكت طويلا ويعبر عنه أحيانا “بالصامت” ما لا ينطق .
وقديسخدم الصمت في عدة سياقات منها : في الحكمة والتأمل ، في راحة للنفس ،* في قوة وتهديد ،* في خوف أو زيف ، * وفي الإعجاز .
وأنواع الصمت هي :
✓ الصمت المحمود .
✓ الصمت عن الحق .
✓الصمت الخارجي .
✓ الصمت الداخلي( كتمان المشاعر) .
بينما الصمت مجازا لا يعني مجرد غياب الكلام ( السكوت) بل يحمل دلالات عميقة ومعاني بلاغية ونفسية وسياقية مختلفة .
أما تصميم الغلاف يعود للفنانة “حفيظة مسلك” التي حاولت رسم صورة تلخص دلالات جد عميقة ، اختيرت بعناية مركزة ، ووظفت رسم رمزي مركب الألوان لما تثيره من مشاعر وانطباعات متداخلة لجذب ذوق المتلقي ودمجه في قراءة المعنى قراءة واعية متأنية ، سابرة للأعماق ، توقد في نفسيته هيجان تتماوج فيه كل التأثيرات النفسية ، بحيث يبقى للمتلقي متسعا للتفكير في هيكلة اللوحة المتداخلة الألوان .
وبالرجوع إلى مضامين النصوص يمكن قراءة المواضع بطريقة التوهج الإبداعي لكون دلالات العنوان جد واضحة، هادفة ، عاكسة لأغوار الذات وكوامن النفس المبدعة ، وذاك راجع إلى الحياة التي تتكلم بالصمت أكثر بكثير ، وكلما غاب الصوت كان لزاما أن يستعيض عنه الصمت بديلا . وكل هذا جزء من تدبر الحياة ، والإنصات إلى الذات وخاصة محاولة التصالح مع ما يسكن الإنسان من خطاب دال له وقع وإيحاء .
لقد حاولت الشاعرة عائشة أعبد الخال تقريب صدى أعماقها إلى كل قارىء بفنية تصدح لخلجات تعكس دفين نفسها مجسدة ما بأعماق كيانها من احتراق طافح بالأسى بحذق وشاعرية … ألا يعتبر” الحرف الباهي… لجام الحرف … وجع الحروف …. رشوق الشمس ”
ديوان جذاب ثري بالرموز ….فالصمت عند الشاعرة لغة العقل والعين والأذن … لقد حاولت الشاعرة أن تحرص على بناء علاقة منسجمة مع ذاتها وما يحيط بها ، موغلة في العمق كثيفة الدلالة ، تقتنص الضوء من العتمة ،تستنطق أعماق اللغة ،فتتفرد بما هو جديد ومفيد .
إن الشعر من الشعور يجعل المبدع يحلق بالمتلقي إلى عالمه الحالم الهامس الشاعري ، وهو يختزن اللون ، يغترف البهاء ،ويرتوي من أصداء الحياة ….
إن للشاعرة تجربة رائدة وفاعلة في تشكيل الكتابة الشعرية الشاعرية الممتعة والجميلة المرتبطة برهانات لغوية متميزة لافتة ، تستهدف الخلق لا التعبير ، ترسم منحاها النفسي بلغة وهاجة وقريبة من القلب بأسلوب تصوري زئبقي يحرك لواعج الذات … محاولة الارتياد إلى تخوم الحلم الجميل . كما أنها تمتلك ناصية اللغة ورقة الأحاسيس مما يؤكد أن الشاعرة تختال في أبهى نظارة الإبداع …
وختاما كل حرف لا يمس الروح بشاعرية وصدق ولا يرتشف الجرح الغائر لا يخلد ولا يسكن الذات الشاعرة ….





