Screenshot
كانت المصابيح المعلّقة في حديقة الدار ترتعش، فتُلقي على الوجوه ضوءًا متقطعًا، يجعل من صمت الحاضرين حكاية تنتظر من يرويها.
كانت النسوة يعبرن بين المقاعد بصوانٍ تئن تحت ثقل فناجين القهوة وأطباق الحلوى، بينما تحلّق الرجال زمرًا، يتبادلون تهاني محفوظة، وتلمع في عيونهم أشياء لا علاقة لها بالفرح.
في قلب تلك الجلبة وقف الدكتور علاء.
عاد من فرنسا قبل شهر، يحمل شهادة في جراحة القلب، ولهجة ريفية لم تستطع باريس أن تكشطها. كان يعدّل نظارته الطبية كلما اقترب منه أحد، ويستحضر في ذهنه جملة من بروست، أو برامز، أو أي اسم أوروبي يثبت أنه عاد من بلاد أكثر تحضرًا من هذه القرية.
وعلى مبعدة منه جلست خطيبته لمياء، ابنة السادسة عشرة، لا ترفع بصرها عن تطريز فستانها. كان كل «مبارك» يسقط على رأسها كحجر، ولا تجد له مهربًا.
اقترب منها علاء. رأى انحناءة عنقها، وقرر أن يبدأ معها درسًا صغيرًا في «تهذيب الذوق». خطر له أن تكون الموسيقى مدخلًا مناسبًا، وأن برامز تحديدًا سيكون اختيارًا يليق برجل عاد من فرنسا.
انحنى حتى لامست أنفاسه أذنها، وهمس:
— أتحبين… برامز؟
تجمّدت أصابعها فوق حجرها. رفعت إليه عينين متسعتين وقالت بصوت خافت:
— والله… لا أعرفه.
لم يكن أخوها بعيدًا.
لم يسمع السؤال، لكنه رأى الحمرة المفاجئة التي غطّت وجه أخته، وارتباك شفتيها. كان الدم أسرع إلى رأسه من المنطق.
اقترب بخطوتين.
— ماذا هناك؟
ابتسمت لمياء ابتسامة الغريق الذي يظن القشة طوق نجاة، وقالت:
— الدكتور يسألني إن كنت أعرف برامز.
توقف الزمن في رأس الشاب.
«برامز».
الاسم بدا له شتيمة أجنبية مغلّفة بالفرنسية.
التفت إلى علاء وقال:
— من هو برامز؟
فتح علاء فمه بدهشة:
— برامز… الموسيقار.
لكن الميم من «الموسيقار» لم تكتمل.
كانت الصفعة قد اكتملت قبلها.
دوّى صوتها في الحديقة، وطارت نظارة علاء، وسقطت إحدى عدستيها في فنجان شاي فارغ، فأحدثت رنينًا قصيرًا مكسورًا.
قفز والد الطبيب إلى المشهد دون أن يفهم شيئًا. لم يفكر، ولم يسأل. كانت يده قد سبقت عقله إلى أنف أخي العروس.
وخلال ثوانٍ اختلطت التهاني بالدم.
الكراسي صارت مقاليع، وفناجين القهوة تحولت إلى شظايا، واندلع عراك كامل الأوصاف بين رجال أنفق كل واحد منهم آلاف الدولارات لشراء ورقة تثبت أنه «غير صالح للقتال»، كي يهرب من الخدمة العسكرية الإلزامية.
بعد ساعة، كان الغبار قد استقر على الأرض… وعلى الكرامات.
كان الجميع في غرفة ضيقة تفوح منها رائحة العرق والقهوة المسكوبة.
فتح الملازم دفترًا متغضّن الأطراف، وسأل ببرود:
— من الذي بدأ؟
أشار أخو العروس بإصبع يرتجف إلى علاء:
— هذا الرجل… تعرّض لأختي.
رفع الضابط حاجبه.
— بماذا؟
— قال لها… هل تعرفين برامز؟
قطّب الملازم جبينه، ودوّن في الدفتر:
المتهم الأول: برامز.
ثم رفع صوته نحو الشرطي الواقف عند الباب:
— أحضروا برامز… فورًا.
ساد صمت لم يقطعه إلا صوت الدم المتساقط من أنف أخي العروس.
نقطة… نقطة…
فوق كلمة «برامز».
امتزج الحبر الأزرق بالدم الأحمر، فتحولت الكلمة إلى شيء يشبه الوحل.
نظر الدكتور علاء إلى الوجوه من حوله. مسح بقايا الزجاج عن يده، وقال بهدوء قاتل:
— سيدي… يوهانس برامز مؤلف موسيقي ألماني، توفي قبل أكثر من مئة وعشرين عامًا.
طال صمت الضابط.
نظر إلى الدفتر، ثم إلى علاء، ثم إلى الرجال المتورمين من العراك.
أمسك القلم، وشطب كلمة «برامز».
كتب فوقها بخط ثقيل:
الجهل.
ثم أغلق الدفتر، واتكأ إلى الوراء وقال، كأنه يخاطب نفسه:
— إذن… هذه أول قضية في خدمتي يكون فيها المتهم الوحيد ميتًا، وجميع الأحياء… مذنبين.






