
بين فورة الشباب المغرور بأحلامه ونضج المشيب المحمّل بحكمته، تمتد التجربة الإنسانية كمسارٍ متصل من التحول والارتحال الفكري. حين يسترجع المرء اليوم مدونات شبابه الأولى، متصفحاً بنظرة نقدية هادئة تلك المقولات التي شَكَّلت يوماً—في أروقة المدارس ومدرجات الجامعات—عقيدته الوجودية وموجهه السلوكي، يجد نفسه أمام لحظة مفصلية من لحظات المكاشفة مع الذات. لقد كانت تلك الأفكار يوماً هي المنظور المرجعي الذي صاغ عليه رهانات نجاحه، وشحن به إرادته لتحدي الواقع واختراق انسداد الأفق الاجتماعي، متجاوزاً قسوة الشح الاقتصادي وقيود الشرط الطبقي.
غير أن الاحتكاك المستمر بصلابة الحياة اليومية وتعقيداتها المؤسسية سرعان ما يمارس حفرياته المؤلمة في جدار تلك اليقينيات الأولى. ومع سريان العمر، تتكشف الرؤى التبسيطية الشابة عن نبلٍ يحمل في جوهره بُعداً حلمياً يتغاضى عن حدود الممكن وإكراهات الواقع. ورغم أن التنشئة الاجتماعية بآلياتها ومؤسساتها تجتهد في رسم أفق التطلع الفردي وضبط تمثلات الذات لمحيطها، إلا أن تلك التطلعات تصطدم غالباً بمسافة فارقة بين «أمل الرغبة» و«واقع الإمكان»؛ فيستحيل التطلع اللامشروط أشبه برهاب سراب يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.
غير أن هذا التراجع عن الشطط الأول لا يعكس انتكاسة قيمية، بل يعبر عن الماهية الأصيلة للوجود الإنساني؛ فالإنسان ليس كياناً منجزاً بصورة نهائية، بل هو كائن في طور التحول والدينامية المستمرة. وإذا كانت الشروط البنيوية تقيد الفعل الإنساني وتختزله في أحيان كثيرة إلى مجرد رقم هامشي ضمن متوالية زمنية عابرة، فإن المخرج القيمي والحقيقي يكمن في القدرة على إنتاج المعنى وترك أثر أخلاقي مستدام؛ إذ يغدو الاستثمار في التضامن الاجتماعي، وزرع قيم المحبة والأمل في نفوس الأجيال القادمة، هو الاستجابة الأعمق لمأزق الفناء والهمش.
من هنا، يصحبنا الوعي المتجدد لنبصر السقوط أو التعثر في مسار الحياة بوصفه مجرد عارض في طريق متصل؛ فالحياة حركة دائبة لا تعرف التوقف. إن استمرارية الوجود تتطلب اليوم هذه المزاوجة الوعرة بين واقعية الفهم وإرادة الأمل، واستشراف المستقبل بنقد متجدد يجعل من كبوات الماضي أرضية صلبة للانطلاق نحو أفق أكثر عمقاً ونضجاً وإنسانية.






