
في المخطوطات اليونانية يهتمون كثيراً بتسجيل مصطلحاتهم ذات المدلول المعنوي ..
ومن تلك المصطلحات (يودايمونيا) تترجم عادة إلى السعادة والرخاء..
بينما هناك العديد من المؤرخين الذين اهتموا بالشرح والتفصيل فقسموا المصطلح لأقسام.. حيث:
(يو) ومعناها جيد،
(دايمون) ومعناها روح،
أما الوهم؛
فهو ذلك التشوُّه الذي يحدث للحواس..
ويَكشِف كيف يُنظم الدماغ ويُفسِّر الإثارة الحسية..
تؤثر الأوهام عادةً على حاسة الإنسان أكثر من رؤيته..
حيث أن الأوهام تُشوه الحقيقة..
****
المقدمة سقطة والسقوط هنا مرض
مغالاة في الخيال لينتج حياة لا يرضى بسواها بديلاً..
حيث الواقع أكثر سواداً من أن يعيشه..
أمًا الخيال!!
فبيت دافئ.. وصباح أكثر دفئاً..
والاستيقاظ جوارها كان أسعد أمانيه..
قصة حب يتحاكى بها كل من يعرفهما
حيث هي المرأة الأجمل.. الأعظم..
وهو بها الأكثر حظاً..
قصة حبه العظيم حيث السقوط من أول نظرة والمطاردة هي حربه لتكون هي انتصاره الأعظم..
” صباح الخير ”
همسها لعينيها.. تفتحهما ولم تتفاجأ بيقظته..
” صباح النور.. صاحي من بدري ”
ابتسامة مرسومة.. وعينين بلمعة عشق لا تخفت..
والقرب من وجهها طقس من طقوس صباحه جاوره همس مبحوح..
” أنتِ عارفة شغفي إني أشوفك بتفتحي عينك وكأني بتأكد إنك هنا ”
ورغم الحمرة على وجنتيها كدليل حي على خجل يستنكره الموقف والتبرير..
” معتز يا حبيبي احنا بقالنا أكتر من 6 سنين متجوزين وعندنا مالك 5 سنين.. يعني فعلاً أنا هنا ”
تحاول الابتعاد وتضيف مازحة..
” يعني خلاص أنتم قدري ”
وابتعادها تُوّج بالفشل.. يُعيدها مكانها.. بين أحضانه وبأنفاس لاهثة صرّح جوار شفتيها..
” 6 سنين وكل يوم فيهم بحبك أكتر ”
تزداد الحمرة وتغلق الأعين تحتفظ بالصورة.. الهمس والقرب ثم تفتحهما تشاكس وتبعد ذلك التأثر الذي لا يتغير على مدار سنوات..
” أنت فعلاً مجنون.. سيبني أقوم بقى أجهز الفطار علشان تلحق شغلك بدل ما مصالح الناس تتعطل وألحق أجهز مالك للحضانة
وأنزل أنا كمان شغلي ”
أقرنت كلماتها بإبعاده تحاول أن تستقيم ولكنه بدى وكأن له رأي آخر حيث الرغبة فيها لها رأي آخر..
” ساعة تأخير مش هتضر ”
وقبل الاعتراض أهداها خطته كما اقترحها عليه عقله ليفوز بقرب له منها..
” وبالنسبة لمالك أنا هوصله الحضانة ”
” واشمعنا ساعة ”
تتدلل.. تتغنج ويحق لها حيث الدلال في قلبه هي.. فيشاكس هو الآخر مستدعياً نظرة تحرش مشهورة سينمائياً جاورتها غمزة..
” فيه موضوع مهم عايز أناقشك فيه ”
ونال الثغر.. كما نال دفئاً يغرق فيه من مجرد نظرة.
****
وبالمطبخ تقف هي تعد فطار سريع ولم تنسَ شطائر صغيرها من أجل وقت وجوده في الروضة..
” اممم ريحة الفطار لذيذة.. لذيذة أوي ”
قيلت من صغيرها الأكبر.. وآخر كلماته قيلت جوار أذنها بهمس منه تبع احتضانه لها من الخلف والمقصد بلذيذ الأخيرة لم يكن الفطور بالطبع.. بل قصد الجسد وصاحبته..
” بتعمل إيه يا سي بابا ”
والسؤال كان من (اللِمض) بعد أن احتل كرسيه على طاولة الطعام الموجودة بالمطبخ فالتفت الأب مغتاظاً.. يتصنع ابتسامة لا تمت للابتسام بصلة..
” مالك حبيبي.. وحشتني ”
ولأنه اللمض ارتفع حاجبيه مبرراً ومتسائلاً بكل أقسام المنطق..
” بابا أنا كنت نايم مش مسافر ”
يزداد الغيظ وينال الصغير الكلمات من بين فكين يشتدان..
” اهه لماضتك دي اللي مودياك في داهية ”
ولم يهتم الصغير بهذا التعليق بل تابع ينظر لوالده بتدقيق محقق..
” ماما قالت لي أنك هتوصلني الحضانة.. ممكن أعرف أنا منزلتش مع باص الحضانة ليه ”
والأب كساعٍ للتربية الصحيحة والإيجابية عليه أن يجيب متمسكاً بمبدأ حرية النقاش وحرية الرأي..
” احم.. علشان ماما راحت عليها نومة ”
وليس كونه الصغير فتنطلي عليه الخدعة..
” ماما عمرها ما بيروح عليها نومة.. أكيد أنت اللي عطلتها ”
والتهمة طعنته لصدقها.. وحقيقة التهمة جعلت الأب يقترب مرتاباً من كيفية معرفة الصغير بما جرى..
” عطلتها إزاي يعني ”
والاستدراج شريعة الدفاع حيث الموضع إتهام وعليه المواجهة..
” يعني حاولت تصحيك وأنت كنت كسول ومصحيتش لحد الوقت ما عدى”
والزفرة خرجت من بين شفتين يحمدان الله على عقلية طفل رغم لماضته إلا أنه لم يكتشف حقيقة التأخير..
” هو فعلاً كدا ”
” طيب.. أي يوم هتتأخر فيه وتكسل كدا هتوديني الحضانة وتيجي تاخدني وتجيب لي وجبة من المطعم اللي بحبه وتوديني الملاهي ”
إذاً هذا هو المغزى من التحقيق.. الابتزاز!!
ضيق مُعتز عينيه والنبرة خافتة.. خَطرة..
” أنت بتعاقبني يا ولد ”
وابتسم الصغير لتُنار الدنيا بابتسامته ومشاكسته..
” لا يا حبيبي بنتفق ”
اتسعت عينا معتز وضحكة زوجته تتردد بينهم عالية سرعان ما يلتفت لها يسألها..
” مين دا ”
والأم ترد من بين ضحكاتها مقلدة نبرة وكلمة صغيرها ..
” ابنك يا حبيبي ”
وحبيبها تَصنّع الحنق.. الغضب.. وكل هذا بمشاكسة كإمساكه لصغيره من ملابسه من الخلف يجذبه كالمتهمين ..
” يلا ياااض قدامي ”
ثم التفت للواقفة تنظر لهما بنظرات عشق خالصة..
” تعالي أوصلك ”
تنفي ومازالت على ابتسامتها..
” لأ مش هينفع.. هتأخر أكتر وأنا عندي حالات في المستشفى مستنين ”
يقترب.. يقبل الثغر دون أن يراه صغيره ثم الجبين..
” ماشي يا حبيبتي خدي بالك من نفسك ”
وقبل أن يبتعد سألته..
” هترجع البيت تتغدى الأول وبعدها تنزل مع أصحابك زي كل أسبوع ولا تمشي يومك إزاي ”
ابتعد يجيبها أثناء تحركه يلملم أغراضه..
” بينا تليفون لو الشباب اتجمعوا هقولك هاتي أنتِ مالك واتغدوا متستنونيش.. لو اتأخروا هجيبه أنا ”
همهمت بموافقة وحين وصوله لباب الشقة نداها..
” فريدة ”
والنظرة بينهما قصائد نثر غزلية..
” بحبِك ”
بهمس دون صوت ألقاها لتسكن جانب قلبها تعينها على ابتعاد حتى وإن كان لساعات..
*****
لمة الرجال عربدة..
مبدأ يمشون عليه يوماً من كل أسبوع يجاهدون للتمسك به.. يستطيع من يستطيع الحضور ومن لم يستطع الحضور يقوم الأسبوع التالي بالدفع عنهم جميعاً.. تجمعهم ألعاب فيديو معظمها مباريات كرة قدم.. كالآن..
لا يتذكر كيف تعارفوا ولا كيف أخذوا قرار التجمع الأهم أنهم يفعلوها..
(معتز.. حازم.. إبراهيم.. خالد وشاهين)
” أنا مش عارف من غير خروجنا كل أسبوع دا كان جرالي إيه ”
ألقاها خالد ليتبعه حازم بإقرار..
” البيت نكد يا جدعان ”
والعاشق وسطهم لا يعجبه الحوار فيضع بصمته الحياتية دون أن يتخلى عن ذراع لعبته..
” لو كل واحد فيكم حاول يفهم مراته هترتاحوا ”
ويتهكم حازم..
” آه طبعا حقك تقول كدا.. ما أنت مراتك بتسيبك تيجي ومش بس كدا دي بتفكرك بتجمعنا كل أسبوع ”
وسيرته جلبت لشفتيه ابتسامة تبعها نظرة غرور يكيد بها أصحابه ..
” هي مدركة أهمية خروجنا.. وأنا مدرك إني مش مقصر في حاجة معاها علشان تقلبهالي نكد كل أسبوع ”
ثم يوزع نظراته بين أصحابه متابعاً..
” دا غير إني أكيد بعوضها بخروجة معاها ومع مالك حتى لو مش كل أسبوع المهم المبدأ موجود ”
وعلى ذكر الصغير سأله حازم..
” عامل إيه العفريت دا ”
وبذكر اللِمض تذكر حوارهما العميق صباحاً ليجيب صديقه..
” مجنني ومجنناني لماضته ”
يضحك الصديق مردداً..
” ربنا يبارك لك فيه يا رب ”
” حبيبي يا زوما ”
وانتهت المباراة بفوز سحيق لمعتز ضد خالد الذي تأفف..
” أنت كل اسبوع تكسب يا عم ”
يضحك معتز مغتراً بنفسه..
” قولت لك بلاش تلعب قصادي ههينك ”
والصحبة عربدة شريفة حيث اللمة واللعب وأطباق من مكسرات هي تسليتهم..
” أخبار زميلك اللي في الشغل اللي حاطك في دماغه إيه.. كان اسمه إيه!! .. ااه كان اسمه أكرم ”
والسؤال من خالد سحب صديقهم من انبساطه وبذكر الزميل يتجعد الجبين والشعور غير مرضي حيث هو المنافس له في درجته الوظيفية في مكان عمله..
” اهه بنحاول نتأقلم.. ومع ذلك مش بحبه ولا عمري هحبه”
صريحة دون رتوش معاملة حسنة..
****
غرفة بيضاء..
وفراش من المفترض أن يستلقي عليه..
شباك يجلس أمامه يتطلع من بين قضبانه لحديقة خضراء يتمشى فيها عدداً من الناس..
” دكتورة فريدة ”
والنداء من ممرضة تقف قرب باب الغرفة والصوت يصله..
” دا وقت علاج معتز وأنتِ عارفة مبيرضاش ياخده إلا مِنك ”
صوت أوراق تُقلب تصل لمسامعه وصوت الدكتورة يصله..
” طيب على ما أبص على بقية حالات العنبر جهزي لي علاجه ”
وقبل أن تبتعد الممرضة وصله صوتها تشرح..
” كمان فيه جلسات حازم وإبراهيم وفيه زيارات لخالد وشاهين”
وبعد التأكيد من الطبيبة وغيابها لبعض الوقت كانت تقف أمامه..
تسأله بود مِهني..
” ازيك يا معتز.. عامل إيه انهارده ”
ومعتز لا ينطق.. لا يجيب وعلى نفس الحالة منذ أكثر من ستة سنوات..
” مش ناوي تتكلم معايا بقى ”
ولم تمل السؤال كل مرة تراه.. بل تردده وتردد على مسامعه تفاصيل يومها في بادرة منها لخلق مساحة ثقة قد يُعطيها لها يوماً..
” أنا عندي ثقة إنك هتتكلم في يوم من الأيام.. ومستنية اليوم دا جداً”
تهديه ابتسامة لا يردها.. تتبعها بأمر..
” يلا علاجك ”
وضعت قرصاً بين شفتيه وكالعادة يخصها هي بطاعة فيدخلها لفمه تجاوباً منه.. فتزداد ابتسامتها انتصاراً.. تمسك مرفقه لتجعله يستقيم فيطيع كعادته معها..
” دلوقتي ميعاد راحتك.. فحاول تنام ”
تضعه على الفراش.. تدثره جيداً.. ولسانها لا يتوقف عن ترديد لُطف الحديث.. وبالنهاية تخرج..
وجهه للشباك ونظراته للخارج لا تحيد عن حرية لا يريدها..
وعند ذِكر القيد أخرج القرص من داخل فمه يسحقه بين طرفي إصبعيه ثم ينفخ فيه ليتناثر مسحوق القرص بين ذرات الهواء..
وهمسه الذي لا يحيد عن اقتناعه به يردده..
” عندي زوجة بحبها وبتحبني وابن لمض.. وأصحاب جدعة..
عايزيني أسيب كل دا وآخد دوا شيزوفرنيا ”
وصوت الممرضة يصله أثناء سكونه..
” دكتورة فريدة.. أستاذ أكرم زوج حضرتك اتصل وبيقولك هو اللي هيجيب مالك انهارده “






