
«لَسْنَا نَرَى الْأَشْيَاءَ كَمَا هِيَ… بَلْ كَمَا نَحْنُ..”
مَاذَا تَقْصِدُ؟
ثَمَّةَ أُنَاسٌ لَا يُرْهِقُهُمُ الْكَلَامُ، بَلْ يُرْهِقُهُم مَا يَظُنُّونَ أَنَّهُ يَخْتَبِئُ خَلْفَ الْكَلَامِ.
رَجُلُ الْمَقْهَى لَيْسَ مُشَاكِسًا، وَلَا عَصَبِيًّا، وَلَا حَتَّى سَيِّئَ الْخُلُقِ. يُصْغِي جَيِّدًا… لَكِنْ لَيْسَ لِمَا يُقَالُ، بَلْ لِمَا يَتَخَيَّلُ أَنَّهُ لَمْ يُقَلْ.
فِي ذَلِكَ الْمَسَاءِ، كَانَ الْحَدِيثُ يَدُورُ عَنِ الْحَرِّ وَارْتِفَاعِ الْأَسْعَارِ وَمُبَارَاةِ الْأَمْسِ.
وَقَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ أَحَدُهُمْ، انْحَنَى نَحْوَ صَدِيقِهِ، وَقَالَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
ــ لَا… لَيْسَ هُنَا.
لَمْ يَسْمَعِ الرَّجُلُ غَيْرَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ.
أَمَّا بَقِيَّةُ الْجُمْلَةِ، فَتَكَفَّلَ خَيَالُهُ بِكِتَابَتِهَا.
لَيْسَ هُنَا…
إِذًا هُنَاكَ مَكَانٌ آخَرُ.
وَمَا الَّذِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْدُثَ هُنَا؟
وَلِمَاذَا خَفَّضَ صَوْتَهُ؟
وَلِمَاذَا الْتَفَتَ نَحْوِي قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ؟
فِي دَقَائِقَ، بَنَى فِي رَأْسِهِ حِوَارًا كَامِلًا، ثُمَّ خِطَّةً، ثُمَّ نَوَايَا، ثُمَّ اتِّفَاقًا لَا يَعْلَمُ بِهِ سِوَاهُ.
وَضَعَ النَّادِلُ اسْتِكَانَاتِ الشَّايِ، وَمَضَى.
رَاقَبَهُ الرَّجُلُ حَتَّى اخْتَفَى، ثُمَّ هَمَسَ:
ــ حَتَّى هُوَ… يَعْرِفُ.
لَمْ يَفْهَمْ أَحَدٌ شَيْئًا.
سَادَ صَمْتٌ قَصِيرٌ.
فَقَالَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَنْهَضُ:
ــ لَا تُتْعِبُوا أَنْفُسَكُمْ… وَصَلَتِ الرِّسَالَةُ.
وَغَادَرَ.
بَقِيَ الْجَمِيعُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فِي ذُهُولٍ.
وَبَعْدَ لَحَظَاتٍ، سَأَلَ أَحَدُهُمْ صَاحِبَهُ:
ــ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ كُنْتَ تَقُولُ: «لَا… لَيْسَ هُنَا»؟
فَأَجَابَ، وَهُوَ يَرْفَعُ هَاتِفَهُ:
ــ كُنْتُ أَقُولُ لَهُ: لَا تُرْسِلِ الصُّورَةَ هُنَا… أَرْسِلْهَا فِي مَجْمُوعَةِ الْعَائِلَةِ…!!.
26.أغسطس.آب.2026م.






