
في زمنٍ تتكاثر فيه المنصات العابرة، وتذبل فيه كثيرٌ من المشاريع الثقافية قبل أن تكمل أعوامها الأولى، يبدو أن بلوغ مجلةٍ أدبية عامها الثاني والعشرين ليس مجرد رقمٍ يُضاف إلى سجل السنوات، بل شهادةٌ نادرة على أن الإيمان بالكلمة الصادقة ما يزال قادرًا على الانتصار على التعب، وأن الثقافة، مهما اشتدت عليها العواصف، تستطيع أن تجد من يحمل مصباحها ويواصل السير.
ها هي مجلة بصرياثا الأدبية تدخل عامها الثاني والعشرين منذ انطلاقتها، محتفظةً بمكانتها التي صنعتها بهدوء، وبصبرٍ يشبه صبر النخيل على الفصول، حتى غدت واحدةً من المجلات الأدبية المرموقة التي ارتبط اسمها بالرصانة، والذائقة الرفيعة، والاحترام العميق للكلمة والإبداع.
لم يكن الطريق سهلاً يومًا. فالمشهد الثقافي العربي، والعراقي على وجه الخصوص، لم يكن كريمًا مع المجلات الأدبية المستقلة. كثيرٌ من التجارب ولدت بحماسٍ كبير، ثم انطفأت تحت وطأة الظروف الاقتصادية، أو ضيق الإمكانات، أو تبدل الاهتمامات، أو تراجع الدعم المؤسسي. لكن بصرياثا اختارت أن تجعل من الاستمرار رسالة، لا مجرد هدفٍ مؤقت، وأن تؤمن بأن الثقافة لا تُقاس بسرعة الانتشار، وإنما بعمق الأثر الذي تتركه في الوعي.
اثنان وعشرون عامًا تعني آلاف الصفحات التي احتضنت القصيدة والقصة والرواية والمقالة والدراسة والنقد والترجمة، وتعني مئات الأسماء التي وجدت في المجلة نافذةً تطل منها على القراء، وبعضها أصبح لاحقًا من أبرز الأصوات الأدبية. وتعني أيضًا ذاكرةً كاملةً للمشهد الثقافي، سجلت تحولات الأدب، وواكبت تغيرات الذائقة، واحتفظت بأسماءٍ وتجارب ربما كانت ستضيع لولا أن صفحات بصرياثا آمنت بها في بداياتها.
لقد أدركت المجلة منذ انطلاقتها أن الأدب الحقيقي لا يحتاج إلى الضجيج، بل إلى المنبر النزيه الذي يمنحه حقه في الظهور. لذلك لم تنجرّ وراء الإثارة، ولم تجعل الشهرة معيارًا للنشر، وإنما ظل معيارها الأول هو القيمة الفنية والفكرية للنص، وهو ما منحها احترام الكتّاب والقراء معًا.
ولعل من أجمل ما يميز بصرياثا أنها لم تكن مجلةً تنشر النصوص فحسب، بل كانت مساحةً للحوار الثقافي، وبيتًا رحبًا للاختلاف الجميل، ومنبرًا يلتقي عنده الشعراء والروائيون والنقاد والباحثون، على اختلاف تجاربهم وأجيالهم. فمن خلالها تعارف كثير من المبدعين، وتشكلت صداقات ثقافية، ونشأت حوارات أثرت الحياة الأدبية وأسهمت في تطويرها.
وليس خافيًا أن المحافظة على المستوى الرفيع طوال أكثر من عقدين تحتاج إلى جهدٍ استثنائي، وإلى إدارةٍ تؤمن بأن الثقافة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون نشاطًا إعلاميًا. فكل عددٍ جديد هو معركة صغيرة تُخاض ضد النسيان، وضد التراجع، وضد كل ما يحاول أن يجعل الأدب هامشًا في حياة الناس.
لقد أصبحت بصرياثا، مع مرور السنوات، جزءًا من الذاكرة الثقافية العراقية والعربية، لا لأنها الأقدم فقط، ولا لأنها الأكثر حضورًا، وإنما لأنها اختارت منذ البداية أن يكون لها صوتها الخاص، وهويتها الواضحة، واحترامها الصارم لقيمة الإبداع. ولهذا بقيت حاضرةً في وجدان القراء، ينتظرون أعدادها كما يُنتظر لقاء صديقٍ قديم لا يخلف موعده.
إن المجلات الثقافية ليست أوراقًا تُطبع ثم تُنسى، بل هي مؤسسات تصنع الوعي على المدى الطويل. وما يكتبه شاعرٌ شاب اليوم قد يصبح بعد سنوات جزءًا من تاريخ الأدب، وما تنشره دراسة نقدية قد يفتح بابًا لقراءات جديدة، وما تحتضنه المجلة من حوار قد يغير طريقة التفكير لدى جيلٍ كامل. ومن هنا تأتي أهمية استمرار مثل هذه المجلات، لأنها تحفظ نبض الثقافة من الانقطاع.
وفي زمنٍ أصبحت فيه سرعة النشر الإلكتروني تهدد أحيانًا جودة المحتوى، بقيت بصرياثا تؤكد أن الرصانة لا تعني البطء، وأن الجودة ليست ترفًا، بل ضرورة. ولذلك حافظت على شخصيتها الأدبية التي تجعل القارئ يثق بما يقرأ، ويشعر أنه أمام مادةٍ اختيرت بعناية واحترام.
إن اثنين وعشرين عامًا من العطاء ليست مجرد احتفالٍ بمرور الزمن، وإنما احتفالٌ بالثبات على المبدأ، وبالإصرار على أن الأدب ما يزال قادرًا على مقاومة الابتذال، وأن الكلمة الجميلة لا تشيخ، بل تزداد إشراقًا كلما عبرت السنوات وهي وفية لجوهرها.
وإذا كانت المجلات تُقاس أحيانًا بعدد أعدادها، فإن بصرياثا تُقاس أيضًا بعدد الأرواح التي لامستها، والكتّاب الذين آمنت بهم، والقراء الذين وجدوا فيها ملاذًا ثقافيًا، والذاكرة التي ساهمت في بنائها عبر أكثر من عقدين من الزمن.
فكل التحية لهذه المجلة العريقة وهي تدخل عامها الثاني والعشرين، وكل التقدير لكل من أسهم في استمرارها، من هيئة تحريرها، وكتّابها، وقرائها، وكل من آمن بأن الثقافة تستحق أن تُصان مهما كانت الظروف. فالمجلات الكبيرة لا تُخلّدها السنوات وحدها، بل يخلّدها صدق رسالتها، ونبل أهدافها، وإخلاصها للكلمة.
ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال في هذه المناسبة هو أن بصرياثا لم تكن طوال اثنين وعشرين عامًا مجرد مجلة أدبية، بل كانت بيتًا من بيوت اللغة، وشجرةً ثقافيةً ظلت تمنح الظل والثمر لكل من مرّ بها، وجسرًا متينًا عبرت عليه أجيال من المبدعين نحو قرائهم. وما دامت هذه الروح حيّة، فإن السنوات المقبلة لن تكون سوى امتدادٍ طبيعي لمسيرةٍ بدأت بالإيمان، واستمرت بالإخلاص، وستبقى، بإذن الكلمة، علامةً مضيئة في تاريخ الثقافة العربية.






