
للابتزاز الثقافي في الساحة الثقافية المعاصرة صور كثيرة، وهي كلها تهدف إلى إخضاع المثقف أو الأديب لإرادة فرد أو فكر جماعة، فهو قد يأتي من فرد أو مؤسسة أو سلطة أو جهة تملك المال والقوة، أو القدرة على التحكم بالمتلقي أو هي نفسها المتلقي .
والابتزاز الثقافي أكثر خفاءً، وأشدّ وطأة من مقص السياسي، لأنه يأتي من المتلقي نفسه؛ من القراء والمتابعين والوسط الثقافي، يتحول فيه الإعجاب إلى مطالبة، والمطالبة إلى وصاية، والوصاية إلى محاولة لإجبار الأديب على أن يكتب ما يرضي الجماعة، ويقدم ما تريده لا ما يؤمن به.
والابتزاز الثقافي، في جوهره، هو محاولة التأثير في حرية المثقف أو الأديب، ودفعه إلى تغيير موقفه أو لغته أو موضوعاته أو قناعاته الإبداعية، عبر الضغط النفسي أو الاجتماعي أو المادي أو المعنوي.
والابتزاز الثقافي خطير على تطور الأدب والأديب، وسبب عميق التأثير في تأخير تطور المجتمعات لأنه يهدم الذائقة الجمعية.
ولا شك أن الابتزاز المؤسسي ظاهر واضح أثره؛ فحين تصبح المؤسسة الثقافية أو الإعلامية؛ الصحيفة، أو المجلة، أو الموقع، أو الجهة المانحة قادرة على مكافأة الأديب إذا وافق توجهاتها، أو معاقبته بالتهميش والمنع إذا خالفها،، أو وقف ضدها ، أو انتقدها تتحول العملية الإبداعية إلى لعبة عبثية ومادة ترفيهية لا قيمة لها.
ويأتي الابتزاز الأيديولوجي في المرتبة الثانية من حيث التأثير، حين يُطلب من المبدع أن يكون ظلا وتابعا وذيلا وصوتا .
وأما الابتزاز الاجتماعي فهو أخطر أشكال الابتزاز لأنه يأتي من القاعدة؛ ولأنه نقطة التماس الحقيقية مع نظرة المجتمع وموقفه، ولأن المجتمع سهل تجييشه وبخاصة إذا كان مجتمعا بكرا وتقيده ومحاسبته بعبارات من قبيل: “لماذا تكتب هكذا؟”، “لماذا لا تكتب ما يحبه الناس؟”، “أنت محسوب على هذا الجمهور، وعليك أن تمثله”.، ولماذا لا يشارك فاان، وليش مسكرين على أنفسكم، وليش ولم وكيف….
ولعل الابتزاز الإعلامي والرقمي قد تضاعف مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وقدرة أفراد المجتمع عل الوصول إلى كل وسيلة وموقع، وهو بوصوله يصبح المتلقي الهدف الذي يستطيع أن يصنع من الإعجاب سلطة (لايك أحمر وأزرق وقلب حب)، ومن التعليق ضغطًا، ومن حملة إلكترونية عقوبة معنوية. وقد يجد الأديب نفسه مضطرًا إلى تفسير كل كلمة، والاعتذار عن كل فكرة، ومراعاة مزاج جمهور سريع الغضب وسريع النسيان، أو يواجه بعدد قليل من القراء من أصدقاء وأقارب وأدباء حقيقيين من الذين رفضوا الابتعاد عنه.
لكن هناك نوع آخر أكثر دقة، وهو ابتزاز الجمهور للأديب الحقيقي.
فالجمهور الذي يريد أديبًا على مقاسه
يريد أديبا يشكله كما يريد هو جمهو مبتز، فالأديب الحقيقي لا يملك رفاهية أن يكون صورة تناسب أعبن الجمهور. لأنه لا يكتب دائمًا ما يطلبه القارئ، بل إنه قد يكتب ما برفضه الجمهور ولا يراه ضروريًا، حتى لو كان مؤلمًا أو صادمًا أو مخالفًا للمألوف.وهنا تبدأ المشكلة.
ومن الابتزاز، أن يطالب الجمهور الأديب أن يظل على عتبات نص أعجبه، وبأن يظل يكتب القصائد نفسها والنصوص نفسها، فيتحول نجاحه إلى قيد؛
وكأن المتلقي يقول للأديب: لقد أحببناك لأنك كنت كما نريد، فلا تتغير.، وهذه من صور الابتزاز الثقافي المؤلمة القاسية؛ لأنها تأتي في صورة حب.او (لايك)
إن الجمهور قد يبتز الأديب بالتصفيق كما يبتزه بالرفض. وقد يقول له: “نحن نحبك”، لكنه يقصد: “نحبك بشروط ؛ أولها عليك ألا تخالفنا”. وقد يقول: “نحن قراؤك”، وكأن امتلاك الكتاب يمنح القارئ حق امتلاك الكاتب نفسه. نحن سنحضر ندواتك وأمسياتك وسنصع لك لايكات ونعلق عنك ولكن عليك أن تفعل كذا وتوافق على كذا …
وهنا يجب التفريق بين حق الجمهور في النقد وحقه المزعوم في الوصاية.
ولا خلاف على أن للمتلقي حق الاعترض، والرفض، وألنقد، و التصفيق، وأن يهجر كتابًا أو كاتبًا. لكنه لا يحق له أن يحدد للأديب ما يجب أن يكتبه، ولا أن يحوّل ذائقته الشخصية إلى قانون أدبي عام.
على المتلقي أن يعرف أن الأديب الحقيقي مستعد دائما أن يدفع ثمن استقلاله، وأنه لا يخسر بسبب ضعف موهبته، بل إنه قد يخسر لرفضه أن يحول موهبته إلى سلعة ترضي الجميع. فهو قادر دائما على قول لا حتى لمن يحبونه، حتى لو أسيء فهمه.
لأن الأديب الحقيقي لا يكتب لإرضاء الجمهور، وإلا تحول من صاحب مشروع إلى صانع محتوى؛ يقيس قيمة النص بعدد الإعجابات، وعدد الذين صفقوا له.
وهذا لا يعني أن الأديب يجب أن يحتقر المتلقي أو يتعالى عليه، وإنما يؤمن أن القارئ الحقيقي شريك أساسي في بناء النص بل في الحياة الأدبية، وأن النقد الجاد الواعي الذكي المنهجي يضيء مناطق عمياء في تجربة الكاتب. لكن الشراكة شيء، والوصاية شيء آخر..
وإن من أخطر صور الابتزاز أن يتحول الجمهور إلى محكمة أخلاقية دائمة يغيّر أسلوبه، فيقولون إنه فقد موهبته.
ينتقد ظاهرة اجتماعية، فيُتهم بأنه يهاجم المجتمع. يصمت عن قضية، فيُتهم بالخيانة. يكتب عنها، فيُتهم بالاستغلال.
يمدح شخصًا، فيُقال إنه متملق.
ينتقده، فيُقال إنه حاقد.
وهكذا يصبح الأديب محاصرًا بين توقعات متناقضة، بحيث لا يعود السؤال: “ماذا يريد أن يقول؟”، وإنما يصبح السؤال: “كيف نمنعه من أن يقول ما لا يعجبنا؟”وهذا هو جوهر الابتزاز.
والأديب ليس موظفًا لدى جمهوره
الجمهور يمنح الأديب الاهتمام، لكنه لا يمنحه حق امتلاك صوته ومصادرة موقفه. فالأديب مدين لجمهوره بالاحترام، وبالصدق الفني، وبالاعتراف بفضل القراءة والنقد، لكنه ليس مدينًا له بالتنازل عن حريته الإبداعية.
وأخطر ما في الابتزاز الثقافي أنه لا يحتاج دائمًا إلى رقيب يجلس أمام الكاتب ويمنعه من الكتابة. يكفي أن ينجح المجتمع في زرع الرقيب داخل رأسه، ليحذف الجملة قبل أن يكتبها، ويغير الفكرة قبل أن تكتمل، بعد أن تتحول الرقابة إلى صوت داخلي يسكن الكاتب، فإنها تصبح أكثر خطورة؛ لأنها تجعل الأديب يمارس المنع على نفسه. وهذا ما فعله الفيس بوك بكل من يكتب على صفحته.
وبعد، فإن الدفاع عن حرية الأديب ليس دفاعًا عن حقه في أن يقول أي شيء بلا نقد، وإنما هو دفاع عن حقه في أن يقول ما يراه ويؤمن به، ثم يتحمل مسؤولية قوله.وهذا هو الفارق بين الحرية والفوضى. وإن الأديب الذي يتحول إلى جامع للايكات والإعجاب وتصفيق الجمهور ويكرر أفكاره، ويؤكد ذوقه، ويخشى غضبه، وحرده وزعله تخلى عن كونه أديبت ليصبح مرآة .






