
يقدم ديوان “رصيف البهاء الأخير” الصادر بطبعته الأولى عن مطبعة وراقة بلال عام 2019م، والثانية عن رابطة المبدعين العرب ـ مراكش عام 2020م يعد تجربة شعرية حداثية تتجاوز الغنائية التقليدية إلى بناء رؤية إنسانية وثقافية تتقاطع فيها الذات الفردية مع الهم الجمعي. وتؤسس فاطمة المعيزي نصوصها على لغة إيحائية، وصور مركبة، ورموز حضارية وأسطورية، بحيث يصبح الشعر لديها فضاءً للتأمل والمقاومة واستعادة الإنسان في عالم يتآكله الخراب.
رصيف البهاء الأخير يحمل عنواناً جذاباً كونه يتشكل من عبارة بثلاث كلمات ذات انزياح دلالي يجمع بين المادة/ الرصيف، والتجريد/ البهاء، والصفة الملحقة بكليهما/ الأخير. وقد استقت المعيزي هذا العنوان الجميل من قصيدة لها معنونة بنفس العبارة، تقول فيها:
زرقاء اليمامة
تسابق بُعدَ عشقِك
والزنبقاتُ مائلةٌ كلَّ الميل…
لزرقة البحر في عينيكِ
أيُّ صباح
لا يرتشفني فيه
يتوقف العالم عن الحلم
وعن البوح وعن ضجيجِ مُحيَّانا
وعن كتابة…
أجملِ قصيدةٍ في الجميلات
وقبلتُك محرابُ صدٍّ لحروف تُغزَلُ…
من خيوط شمسِنا
سأغازل سجّانَ قلبِك بما تيسر…
من ذكر الهوى
سأحتمي بأغلالٍ…
حبكتْها يدُ القدر
على رصيف البهاء الأخير
كما استهلت ديوانها بعتبة الاهداء ومقدمة بشكل قصيدة شفافة تهديها لعائلتها واحداً واحداً، تقول المعيزي:
إلى الذي أسكنني فسيح قلبه…
وضمد أحلامي بشراشفَ
من جسده..
وغادرني قبل طلوع فجر المزامير
للتي علمتني
كيف أرقص بداخلي
على أنغام العمر
والتي علمتني
كيف أسكن لليل
أؤنسُه في وحدته
وكيف أتذوق
مرارة العسل
من على جبْح النحل
حتى أكونَ أنا …
أنا
فسالت ذات صيف
عسلا زلالا من بين أصابعي
وما استطاعت كفاي
أن تَذرِفاه بشراييني
وغادرت…
قبل أن أشفي غليلي من رحيقها
لزهرتين
تكبران في قلبي كلَّ دقيقة
والجذور تلتف بي
لتزفني إليهما
عند مطلع كلِّ عطشٍ وارتواء ٍ
ذاك حب نورانيٌّ يسكُن جسدي
يعانق الروح
يقف منزويا
لينفرد بصبيب أزليٍ من أعماق ذاتي.
أولاً- الرؤية الشعرية:
تقوم الرؤية الشعرية في الديوان على فكرة مركزية مفادها أن الشعر فعل مقاومة، وليس مجرد تعبير وجداني. فالقصيدة تتحول إلى وسيلة للدفاع عن الإنسان في مواجهة القمع والاغتراب وضياع القيم.
وتكشف القصيدة الافتتاحية “نحن هنا” عن هذا المنحى منذ بدايتها، إذ تخاطب جماعة إنسانية واسعة، وتواجه قوى الظلم والاستلاب، لتعلن حضور الذات الجمعية:
للذين يَنحِتون حُلمَنا
على أسرتهم
دون إذننا
والذين يشرَبون نبيذنا
ويَسْكَرون بأوجاعنا
للذين ينعَوْن حواس التاريخ
خلسةً دون علمنا
للذين يقتلعون سنابل بابلَ( )
بمباركة كلِّ الكهنةِ
وتحت تصفيقِ ثوب هيرودوس( )
للذين يدخنون
الماريخوانا( ) بداخلنا
وينْفُثون أزكى الدموعِ على الكاليفالا( )
ويغيرون هديتَهم لمروحيةٍ
للذين يقرؤون ما لا يكتب في الجرائد
وللذين يحملون
نعش الأمنيات الصغيرة جدا
لمثوى العناكب
أقول لهم…
كلما طرقنا أديم الأرضِ نسمع خُطْواتِكم في قلوبنا
نسمع خرير الماء في عيونكم لنعُبَّ كؤوسَ الظمأِ
نسمع صراخَ بطونِكم فنجوعُ أكثرَ
للذين يحسنون رقص البالي
على جليد صبرنا
لا تحسنونَه
إلا في فصل صمتِنا
وزلاَّتُ أقدامِكم
نلتقطها على ضوء الشموع
لننيرَ جدارَ تفاحاتٍ
وليلَ الزيتونِ بالسور الكبير
يجني أعنَّة الخيول يسابقون…
ايديكم أن تباغتنا
وللذين يَنقُشون ظلام الكلمات
بسمفونيات غجرية
وقصائدَ نجدٍ وصُراخَ الزهراءِ
نحن هنا صامتون
نحمل الصوتَ فوق الألسن
نترصدُ شدوَ البلابلِ
وعلى شُرفةِ الجرحِ
في مدائنِ الكرَز
ترزحُ ملكةُ أتونَ الشعرِ( )
تحت وطأةِ قوافيه
وقانونُ “القلز”( ) يحاصر شعافَ نبضه
لا شعر اليومَ
يعلو فوق المآذنِ
لا شعر اليومَ إلا ما علقَ وصودر وأحرقَ
لا شعر اليومَ
إلا ما سقط من المناكب
وخرج من جوف المصائب
وللذين يضُخون الدماءَ
في شرايين النخل
ليقف شامخا
وللذين يُطلّون من جحافل قلبك
على أقصى زاوية في ضلوعنا
وللذين يقاسمونك
نجوى النسيم
وهواجسَ نفِسك
وللذين يحملون صمتَهم قصائدَ
ليزرعوا شتائلَ الأملِ
عبر ممراتنا
أبشركم أنْ لا شيءَ…
يحمل أجسادَنا الثقيلةَ
إلا وطنٌ من عشبٍ
وضفائرُ النرجِسِ
وغلَيانُ أمواجِ حبٍّ
نتلوه فجرَ كلِّ صلاة.
وهنا تنتقل القصيدة من ضمير “الأنا” إلى “النحن”، وهو انتقال يمنح التجربة بعداً إنسانياً عاماً، فالذات الشاعرة لا تقترب من الكينونة الانسانية الخاصة بها، وإنما تشمل الكل المحيط بها. كما توظف الشاعرة مفردات تحيل إلى تاريخ وحضارات ورموز اسطورية ترد في القصيدة حسب نظام معرفي تتقنه الشاعرة.
ثانياً- الثيمة
يتأسس الديوان على مجموعة من الثيمات الكبرى، أهمها:
1- ثيمة الوطن:
الوطن عند فاطمة المعيزي ليس حدوداً سياسية، وإنما قيمة روحية وحلم إنساني. فالوطن يظهر على أنه المكان البيئي والنفسي والاجتماعي والبايلوجي الذي يحتضن الذات الشاعرة وكل ماله صله بحياتها المادية والمعنوية، فهو مكاناً للحرية/ فضاءً للحب/ رمزاً للكرامة. ولذلك يتكرر حضوره بصيغ مختلفة داخل النصوص.
2- ثيمة الحب:
قصائد الديوان لا تقف عند العلاقة الثنائية، بل تتسع لتشمل: حب الإنسان/ حب الأرض/ حب الحياة/ حب الذاكرة… ومن هنا يغدو الحب وسيلة للخلاص.
3- ثيمة المرأة:
تحضر المرأة ذاتاً فاعلة/ عاشقة/ أماً/ حافظةً للذاكرة/ رمزاً للخصب. ولا تقدمها الشاعرة باعتبارها ضحية، وإنما باعتبارها قوةً منتجة للحياة.
4- ثيمة الموت:
لا يحضر الموت على أنه نهاية، وإنما مصاحب للأمل/ فهو ولادة جديدة/ انتقالاً/ كشفاً للحقيقة.
ولهذا يرتبط دائماً بالأمل.
5- ثيمة الذاكرة:
تكاد الذاكرة تكون المحور المركزي للديوان، فالقصائد تعود باستمرار إلى: الطفولة/ الأم/ الأب/ المدن/ الأماكن الأولى. وهي عودة بالذات الشاعرة إلى الطفولة والنشأة/ المكان الأول والمحفور في تلافيف الذاكرة البعيدة.
ثالثاً- البنية اللغوية:
لغة الديوان تنتمي إلى الشعر الحداثي، ومن أبرز سماتها:
1- التكثيف اللغوي، إذ تختزل الشاعرة المعنى في أقل عدد من الكلمات.
2- الانزياح الدلالي، حيث تعتمد على الخروج باللغة من معناها المباشر إلى الدلالة الشعرية. مثل: “نحمل الصوت فوق الألسن” فالصوت لا يُحمل، وإنما الصورة هنا رمزية.
3- الاقتصاد اللغوي: لا توجد حشو أو استطرادات، وانما كل مفردة تؤدي وظيفة دلالية.
حين لا ترسُمني بتولاً
على جدار الحياء
ولا في أقصى موجِ قلبِك
ستزفني إليك العنادلُ
حتما مرغمةً أُوارِي الأمرَ
عن عيونٍ نبتتْ كالعشب
نلاحظ أن الشاعرة تزن المفردات وتضع كل مفردة في مكانها بلا حشو ولا إطالة.
رابعاً- الصورة الشعرية:
تُعد الصورة من أهم عناصر الديوان، وقد جاءت بأنواع متعددة:
– الصورة الحسية: مثل: نسمع خرير الماء في عيونكم” حيث يتحول النظر إلى صوت.
– الصورة المركبة: مثل: “نقش ظلام الكلمات” إذ يجمع النص بين الظلام والنقش والكلمات في صورة واحدة.
– الصورة الكونية: يتكرر حضور كل من: البحر/ الريح/ المطر/ الشمس/ القمر/ النخيل/ الزيتون… لتصبح الطبيعة شريكاً في إنتاج المعنى.
خامساً- الرمز والتناص:
من أبرز خصائص الديوان كثافة الرمز/ التناص الأسطوري والتاريخي والحضاري:
بابل/ هيرودوس/ الكاليفالا/ أتون/ الزيتون/ النرجس/ البحر/ الرصيف… ولا تستخدم الشاعرة هذه الرموز استعمالاً زخرفياً، بل توظفها لبناء رؤية ثقافية تتجاوز حدود التجربة الشخصية وهذا يمنح النص عمقاً ثقافياً.
سادساً- الإيقاع:
يتحرر الديوان من الوزن الخليلي التقليدي، ويعتمد على: الإيقاع الداخلي/ التكرار/ الجملة القصيرة/ التنغيم. ويظهر ذلك في تكرار: “لا شعر اليوم…” الذي يصنع إيقاعاً احتجاجياً متصاعداً.
سابعاً- المكان:
المكان في الديوان ليس مكاناً جغرافياً فقط، بل يتحول إلى رمز، ومن أمثلته:
الرصيف/ المدينة/ البحر/ النخل/ الزيتون/ بابل.
ثامناً- الزمن:
يعتمد النص على زمنين: زمن الذاكر، والزمن الحاضر، بينما يظل الماضي حاضراً داخل الراهن.
تاسعاً- الذات الشعرية:
لا تتحدث الشاعرة عن ذاتها بوصفها فرداً معزولاً، بل تصبح الذات لسان الجماعة، ولذلك يتكرر ضمير: نحن أكثر من: أنا.
عاشراً- الأسلوب:
من أبرز السمات الأسلوبية:
الجمل القصيرة.
كثافة الاستعارة.
المفارقة.
الرمز.
الحوار الداخلي.
الإيحاء.
الانفتاح الدلالي.
الحادي عشر- الاتجاه الأدبي:
ينتمي الديوان بوضوح إلى الحداثة الشعرية العربية، وتظهر فيه أبرز خصائصها:
التحرر من الشكل التقليدي في كتابة القصيدة العربية.
الانفتاح على الأسطورة.
الرمز والتناص.
تعدد الدلالات.
سيادة الصورة المركبة.
الاحالة وغياب المباشرة.
حضور البعد الفلسفي.
ولا تنتمي نصوصه إلى الواقعية التقليدية، كما أنها لا تمثل ما بعد الحداثة بالمعنى النقدي؛ إذ ما تزال تحتفظ بوحدة الرؤية وبنية المعنى، وهو ما يجعلها أقرب إلى الحداثة الشعرية.
خلاصة القول يكشف ديوان “رصيف البهاء الأخير” عن صوت شعري يمتلك وعياً جمالياً وثقافياً واضحاً، استطاع أن يمزج بين التجربة الذاتية والرؤية الإنسانية في إطار حداثي غني بالرموز والتناصات. وتبرز فاطمة المعيزي شاعرةً تنحاز إلى الإنسان، وتستثمر اللغة بوصفها أداةً لإعادة بناء العالم، لا مجرد وسيلة للتعبير عنه. إن قصائد الديوان تتجاوز حدود البوح الشخصي لتصنع خطاباً شعرياً مفتوحاً على أسئلة الحرية والهوية والذاكرة، وهو ما يمنح التجربة قيمتها الفنية ويضعها ضمن التجارب الشعرية الحداثية الجديرة بالدراسة النقدية.







