
تكلمت نفسي مع نفسي، فلم تجد إلا نفسها تنفس عليها، فنفس نفسي التي أنفست كانت تؤنسني في ذلك الزمن المنسي، فعدت لرشدي، فإذا بي أنا مجرد واحد مخلوع، كحاكم خارج عرشه، وكمورد خارج زاوية، وكمقترض بدون فائدة، وامرأة من دون رحم. تكلمت، فإذا بي أقول وأستنجد بنفسي التي كانت تقول إنها عابرة كجميع العابرين الذين يمرون من هنا وهناك، ما بين الفينة والأخرى. نتوهم أننا داخل السرب، ولكن الواقع يفرض نفسه ولا يكاد إلا أن يؤكد لنا أننا خارجون عن السيطرة. هناك رجال أعياهم القدر والزمان الغدار، ذلك الخائن.
في حقيقة الأمر، الزمن إلا مخلوق ضعيف، يفعل ما يملى عليه. إنه مثل دولة فرضت عليها قوانين من طرف بنك دولي من أجل قضاء مصلحة. كذلك الزمن يسيرك وفق هواه، وليست له سيادة على نفسه، إلا أننا نحن نهجو ذواتنا ونحاسبها من دون الاكتراث لحقيقة الأشياء، فماذا نحن فاعلون؟ هل نحن على السكة الصحيحة؟ أم مجرد سائرين من دون النظر إلى الخلف؟ فلم نألف شيئا سوى أن هناك جهة ما تتحكم، فمن المتحكم ومن المتحكم فيه؟ هذه سوسيولوجيا الجماهير التي تقودنا لما قد لا يحمد عقباه، فنتخذ من ذواتنا أكباش فداء. فشكرا لنفسي التي جعلتني أسائل نفسي: هل هذا أمر بالسوء؟
إنها النفس لأمارة بالسوء، ولا يريدون إصلاحها من الداخل. فالمنظومة الداخلية لهذه النفس، قال سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه:
أَتَزعُمُ أَنَّكَ جُرمٌ صَغير
وَفيكَ اِنطَوى العالَمُ الأَكبَرُ
فَأَنتَ الكِتابُ المُبينُ الَّذي
بِأَحرُفِهِ يَظهَرُ المُضَمَرُ
فالنفس البشرية لا تكاد لتكون إلا زرا من الأزرار التي تجعلنا نشتهي العودة إليها ونقوم بمحاسبتها بدعوى أنها لوامة، وفي هذا الصدد يبرز ما جاء به القرآن الكريم:
“ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى” النازعات: 40-41.
“بل تحبون العاجلة، وتذرون الآخرة” القيامة: 20-21.
“من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها” فصلت: 46.
إن القرآن الكريم جاء صريحا في مجمل المواضيع التي أتت لتناول النفس البشرية، إذن يبقى السؤال المطروح دائما: لماذا نكلف النفس أكثر من وسعها؟ وجاء في القرآن الكريم أيضا في سورة البقرة: “لا تكلف نفسا إلا وسعها”.
عند حديثنا عن النفس البشرية، فإن أشرف الخلق وخير البرية كان أحد أولئك الذين أصابهم الخوف والاضطراب، ثم أحس بالأمان بعدها عند نزول الوحي، وعند وفاة أمنا خديجة، وحادثة الإفك، والاعتكاف في الغار، وحتى عند صلح الحديبية، وحتى عند وفاة ابنه إبراهيم، حيث بكى الرسول الأعظم. فمن نكون نحن لنحبس شعورنا؟ فالمعصوم من الخطأ، هل كان معصوما من المشاعر؟ بالطبع لا، وإلا كان البكاء مرضا ولم يكن له علاج.
من الدين الإسلامي نمر إلى المسيحية التي تقودنا إلى عوالم أخرى في عالم النفس البشرية، حيث يذكر في إنجيل متى 6:25: “لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا لأجسادكم بما تلبسون. أليست الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس؟”
وفي إنجيل مرقس 7:21-23: “لأن من الداخل، من قلوب الناس، تخرج الأفكار الشريرة…” ودائما في متى 6:34: “فلا تهتموا للغد، لأن الغد يهتم بما لنفسه.”
إن المسيحية أيضا، باعتبارها إحدى الأديان أو الشرائع، إن صح القول، هي الأخرى اهتمت بالنفس البشرية وأعطت قيمة فضلى لها، فلا يمكننا أن نتهم الآخرين أو الشيطان بكل شيء. فهل الشيطان يوجد بيننا في كل حين؟ وهل الشيطان يتشكل على هيئة النفس؟ وماذا عن القرين وملاك اليسار؟ فلماذا نحن فقط نتقن فن رمي الأصابع والإشارة بالسبابة؟
حتى اليهودية، بحيث يشار للتلمود في أشهر نص Berakhot 61a، يوصف فيه أن القلب له نزعتان: نزعة خير وشر، وهو الذي يحيلنا لفكرة النفس الأمارة بالسوء في القرآن الكريم. وفي Kiddushin 30b ترد فكرة أن الله خلق النزوع إلى الشر، لكنه أعطى الإنسان التوراة كوسيلة لمقاومته.
فمن هنا نكون قد جلبنا أمثلة من الديانات السماوية الثلاثة، وهنا يبقى دائما السؤال مطروحا: هل نحن مخيرون أم مسيرون؟ وإن كنا مخيرين، فهل بنزعة دينية لاهوتية أم بنزعة لها علاقة بالأعراف والتقاليد والثقافة؟
لم تكن النفس البشرية محط اهتمام الأديان فقط، بل حتى الفلاسفة والمفكرين والكتاب والشعراء والصحابة والحواريين والخلفاء والسلف والعلماء، كلهم بثوا في هذا المفهوم. وإذا خضنا في هذا المفهوم البسيط، والذي هو عبارة عن كلمة غير محسوسة ولا مرئية، كلمة من ثلاث كلمات صنعت لنا أجيالا وأميالا وملايير من الأفكار، فما هي النفس البشرية؟ ولماذا نطاوعها على كل ما تريده؟ فهل يحق لنا أن نقول لا متى أردنا؟ وعند قولنا لا، فهل ستسمع وتفعل ما تريد وتوسوس؟ وما هو الوسواس؟ وما القلق والاكتئاب والرهاب الاجتماعي؟ كل هذا يجعلنا نطرح أسئلة: ما غاية المرض الذي يعترينا؟ هل نحن أسرى عند المرض أم أسرى المرض؟ فهل يحق لنا الإيمان به؟ كآلهة جاءت بعد الإله، والعياذ بالله.
إذ قال نيتشه: “كثيرا ما يرفض الإنسان أن يعرف نفسه، لأنه يخشى أن يكتشف أنه ليس كما يظن”، فنحن نخاف معرفة ذواتنا، كما قال سقراط: “اعرف نفسك بنفسك”. فإذا عرفنا نفوسنا، قد نعاني ألم الصدمة جراء هذه المعرفة، التي من الممكن أن تتحقق، إلا أننا نؤجل هذه المعرفة، فنتعرف على الآخرين الذين قد يحاولون التعريف بنا عبر مواقف وأجوبة وظروف تآكل الزمان.
في النهاية، ليست هنالك نهاية حتى ننتهي، وتخرج هذه النفس التي تقودنا للمجهول، ولا نعرف إلى أين نسير بنفسنا…





