
يطرق بابي الصمت من جديد،
يسحب أذني كالمسامير
بذاك الثقل الشديد
يُقبلُ في عدوٍ بطيء،
ونادى أبتِ الردى
وا حسرتاه لمن نترك الأفراس
أغنيات الحب ومراثي الكلام
غداة كل سنة،
يرثي أبي فرسه
بصمتٍ، آه، ذاك الصمت،
في خصلات الليل،
ودندنة الخريف.
كلما قلّ الكلام،
تعوي البحار بحضرتها،
وتلعن أبي والصمت.
ويصطفّ الردى منتظرًا دوره
لاقتناص أبي
وتسديدي بيُتم شديد
لا هواك مخلصي،
ولا الأزقة تحويني،
يهاب الظل وجعي
كما يهاب النور
ظلمة الهزيع
لا السماء تكفيني
لفرار نحو البعيد
ما أضيقني بالأرض،
وما أوسع أراضين القلاع
أنفاسي مرهقة، ضعيفة،
تئنّ وتزحف نحو الكرى.
يا أبت
لمَ سمّيتني سيدة الحديد؟
ودمي ينطّ كرجفة وليد.
ثلاثًا طلّقني الليل،
وأسقط جوهري البلاء.
عاد العرّابون يلوّحون
لعازفي الألم وطاردي السلام،
لا الصمت يقرع سمعي
بغير مزيد ومزيد
من الآلام العنان،
وطوق الحمام.
أعتقوا رقاب الحمام!
واشطبوا بيوت الأسنّة،
وحبال الزمام.
أنا يا أبتِ،
سيدة الحمام.
من حلمات القطيع عشت،
وبين لفّات الرحى حضت.
طوّقتني حبال الرقعة
حينما شيّدتني حرمة.
ولا الليل أخذي، ولا النوم صاحبي
هنا كرات الرفيسة 1 خنقت
ومن قنّ سجنك هربت،
آه، بعيدًا سرت،
ولوّحت بعيدًا للعرّاب
علّمني كيف أحب الحمام،
وامتطاء الفرس
علّمني يا أبتِ،
وانحر حربتي
أمام دماء الفرس، ولمعة السرج
علّمني حمل المرود،
وشدّ القنص
علّمني موت المقاومين،
وتخليد الأنس.
فلأجعل سنيك يا أبي
سبيكة عرس
أبي، يا أبتي،
قلتنا الشمس
وغابت عن مضاجعنا،
كأننا سقينا جذوتها
بمزاريب الطلح
إلينا من ذي الشمس،
إلينا من ذا الردى،
وأنا يا أبت
ما زلت أجمع من أديمك الأرض
أساور للغياب، وقسوة الصمت
وأغزل من شخير الريح
عباءة للخراب، عودة
كلما هدهدت جرحي
استفاقت في دمي
مراثي العتاب
وأرى خطاك على المدى
مسامير نور صدئ
في جدار السراب
فإذا دعوتك
أورقت في فمي
أسماء الذئاب
وإذا بكيت
تدلت من جفوني
أجنحة الضباب
علّمني، يا أبتِ،
كما علّمتني حب الشعر
دفن آخر الحروب
في مهد السرج
وكيف أطوي فوق قبري
راية السلم
تلقفها هفوة الضباب
وعباءة البرد
وأنا يا أبتِ،
كلما نقرتُ عظام الليل
تساقطت من أكمامه
رجفة نواقيس
ومئذنة بصمت.
آه، ذاك الصمت
ورأيتُ كفك،
بين دفاف الريح
تلقم الغربان
حبوب الرمان،
وتستغفر للسكين
حفاوة الصمت.
يا أبتِ،
من علّق في عنقي
جرس الفرس
وأطلقتني
في مراعي الإنس؟
من يا أبتِ؟
كلما داعبتُ طوق الحمام
استفاقت في دمي
خيول وفرس
تجرّ وراءها
سرجًا من رماد
ورأيتُ العرّابين
يقتسمون ظلّك،
ويخبّئون في عمائمهم
بقايا الشمس
وأسنان المواسم
علّمني، يا أبتِ،
كيف أخلع عن ضلوعي
حدوة الحرب
وأدخل إلى بيتك
عاريةً
إلا من طوق الحمام
فإن متُّ
فادفن فرسي
إلى جوار فرسك
لعلّ القيامة
تفديني بعرس
——
1- الرفيسة طبق مغربي تقليدي معروف في مناطق غرب المغرب




