عثمان وعراب :
لم يدر متى وكيف وصل إلى ذلك المكان البئيس ذو الظلام الشديد والحر اللهيب. كانت ألسنة اللهب تتطاير من حوله وقريبا سوف تلتهمه كليا. أراد أن يفك قيده ليبتعد عنها قبل أن تبتلعه فلم يستطع. حاول الإلتفات يمنة ويسرة فلم يستطع؛ كان المكان ضيقا جيدا وزاد على ضيقه سود الليل. حاول الوقوف فسقط مرارا وتكرارا. قرر أن لا يستسلم. وقف أخيرا، فوجد الحريق قد أدركه، ثم حاول الجري بأقصى ما يمكنه، إلا أن رجليه خانتاه. لم يدر ما بهما؛ بدا له وكأن الأرض متواطئة هي أيضا، فما أن يرفع قدما حتى تلتصق الأخرى بالأرض. سقط أخيرا منكبا على وجهه، فما أن أدار وجهه إلى الوراء حتى غمرته النيران الشريرة وكأنها بركان؛ صرخ صرخة شديدة أيقظه صوتها الصامت من نومه وأطلق سراحه من كابوسه المزعج.
فتح عينيه وظل ممددا على السرير لوهلة قبل أن ينظر كم الساعة. مد كلتا يديه في اتجاه معاكس وبتثاؤب خمولي. تنفس الصعداء وأزال عنه الغطاء الحريري الدافئ. توجه صوب النافذة التي تطل على مسبح كبير تطغى زرقته على المكان، في تناغم تام مع أشعة الشمس الذهبية. تابع تأملاته في الحمام والماء الساخن يدغدغ مسمات جسمه. ارتدى كسوته الإيطالية الفاخرة، وحذاءه الأمريكي اللامع، ثم وقف أمام المرآة يضع ربطة عنقه بكل ترو وأناقة. حيى أصدقاءه بمطعم الفندق وجلس يتناول فطوره ويناقش معهم برنامج اليوم، وفجأة تغيرت ملامح وجهه عندما روى عليهم أحدهم الكابوس الذي راوده الليلة الماضية؛ أنصتوا إليه باهتمام، فقال أحدهم باستغراب إنه رأى نفس الكابوس، وبدأوا يعترفون الواحد تلو الآخر، إلا أنه لم ينبس بكلمة، ولكن علامات الغضب والحسرة بدت على قسمات وجهه. اكتفى ببلع ما في فمه بصعوبة بالغة وقام من مكانه يمشي بسرعة حتى وصل إلى ردهة الفندق فجلس وأنفاسه تتسارع. لم يعد يقوى على الوقوف؛ لكنه تابع مسيره حتى بلغ باب الإستقبال، ثم جلس في مقعد قريب من الباب يحاول تصفح بعض المجلات.
وقعت عينه على جريدة تحمل عناوين جذابة فأسرع إليها وبدأ يقرأ وهو يتمتم بشكل سريع وغامض كمن يتكلم مع نفسه ويخشى أن يسمعه أحد ما. توقف عن التمتمة وبقي جاحظ العينين، فاتحا فاه، ممسكا بالجريدة بأطراف الأصابع. لم يوقظه من غفلته إلا سقوط سيدة بجانبه بسبب التواء رجلها في طرف السجادة. توجه بخطى تابثة نحو الباب إلى موقف السيارات. أدار محرك السيارة وشغل المذياع وفتح النافذة قليلا. أوقفه الشرطي عند نهاية الشارع لعدم احترامه لإشارة المرور، لكنه وبكليمات قليلة أفسح المجال أمامه ليمر. وصل إلى المكان المقصود، ووجد في استقباله حشدا من الصحافيين ألقى عليهم كلمات معدودات وتابع المسير: “إننا ماضون في الدفاع عن حقوق المواطنين الأبرياء، ولن نتوقف أبدا مهما بلغت التهديدات والإعتداأت”. وكلما اقترب من جموع الناس الذين تصدح حناجرهم بالشعارات ولا تكل أيديهم من التصفيقات.
شق طريقه إلى وسط الدائرة الجماهيرية، وأمسك الميكروفون؛ حيى الجماهير الوفية المناضلة باسم المنظمة العتيدة، واستنكر وشجب وندد وأدان وتوعد بالتصعيد والصمود ووعد بالنصر والفرج. “ناضل يا مناضل … ناضل”، هكذا صاح بصوته الجهوري، مشيرا إلى الجماهير المتحمسة بترديد الشعار… وسلم الميكروفون إلى مؤطري التظاهرة وسار من حيث أتى مخلفا صدى الشعارات المدوية. وبالكاد توقف هاتفه الخلوي عن الرنين مستقبلا كل أنواع التهاني والمباركات. جلس في المقهى المعهود يدخن بنشوة سيجارة النصر، ويشارك زملاءه فرحة الإنتشاء بقهقهات تهز أركان المقهى أحيانا، بعدها استجاب للدعوة إلى الغذاء، حيث كل ما لذ وطاب، وكل ما تجمد وذاب؛ حيث ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
انتهت وجبة الغذاء أخيرا وتم التخطيط لبرنامج الغد كما اتفق عليه، فأقبل المساء، وصادف المساء مساء يوم السبت. عاد إلى غرفته في الفندق متأخرا، فاقد الوعي تقريبا. لا زالت أذناه تسمعان كل ذلك المرح والصخب والهرج والمرج، ولا زالت عيناه تريان بريق الأضواء والألوان، ولا زالت شفتاه تتذوقان طعم النبيذ وأحمر الشفاه، ولا زال أنفه يشم رائحته ويحاول أن يميز بين الروائح.
وقع على السرير مستلقيا يطلب مساعدتها في خلع ملابسه؛ خرج من الحمام متعطشا، وأخذ كأسا من النبيذ الفاخر يروي به ظمأه، والفاتنة الحسناء تساعده على الإسترخاء بتدليك جسدي لطيف، اختلطت فيه الأنفاس، والتقت العين بالعين، والأنف بالأنف، والسن بالسن، والتفت الساق بالساق…