اسلام عادل
اسلام عادل :
حينما تسير على الطرقات, تتأمل تراقص الاشياء من حولها.. الناس التائه في زحام افكارهم, اوهامهم و ماربهم. تنصت للهاث انفاسهم و تنهداتهم المتلاحقة. تستشعر قراسة الجو الغائم.. تستمتع برؤيتهم تائهين خائفين و متررددين. تحدق اليهم و كأنها تعرف عنهم ما لا يريدون معرفته. تدعوهم لتقرأ لهم فناجينهم و تقلب في صحيفة مصيرهم. لا.. كانت تحدثهم عن الذي تمحيه و ذلك الذي تكتبه… كانت تستهزئ بنهاياتهم جميعا.. فلا تبدو حياتهم لها اي معني..
سيعيشون و يموتون.. سيرقصون و يمرحون و سيموتون و ستكتب عن حياتهم المتشابهه.. و ستضحك.. ستضحك على امنياتهم التي لن تتحقق و رغباتهم التي لن تشبع.. و ستبكي على مصيرهم المجهول و مشاعرهم العقيمة.. و ستضل بعيدة عن هذا و ذاك..
احدهم يضحكها و الاخر يبكيها.. و ستبقى الى الابد بعيدة عنهم لانها غريبة عنهم و لا تريد ان تتقرب اليهم.. لقد استهوتها اقنعتهم الطينية التي تزول بغيث افكارها و تنمحي برذاذ خواطرها. تنظر اليهم من خلف زجاج النافذة فقط لترى ان كان احدهم سيغير قواعد اللعبة!
و عواقب الامور.. صراخ من في القبور.. كلها امامها تستلذ بتكرارها.
في مثل هذا اليوم من العام الفائت, كان فستانها الذي يكشف عن ساقيها النحيليين يتطاير بروح مبتهجة.. و تزعزع الريح قبعتها التي تستقر على خصلات شعرها.. تعزف بانفاسها الحان.. وبين تجعيدات جبينها ترسم احاسيس فنان.. سيق الى النار من بعد الجنان.
في محطة القطار, كانت تودع عام و تستقبل عاما اخر. كانت تقف في المنتصف بين الناس.. بين شتاتهم و تخبطاتهم.. لم يصدف ان التقت بوجه مرت عليه نوائب الحياة من دون ان تدنسهه بالامها.. او تجعيدات وجه رسمتها الابتسامات.. كان بعضهم يترجل الى القطار تاركا وراءه حكاية مثلت النصف الماضي من حياته.. يحيط نفسه بافكار البدايات الجديدة و مشاعر المستقبل الذي يعد نفسه بان يشعرها..
كم هم مثيرون للشفقة لانهم مازالوا معلقين بين حكاية الماضي التي لم يكتبوا لها النهايه و الحكاية القادمة التي مازالت بلا عنوان. واخرون.. ينتضرون القادمون ليسحبوهم الى الحياة التي اعايهم التخطيط لها.. يحاولون.. مجرد محاولات ليختبروا ان كانوا ستناسبهم المقاييس.. يمكن ان تستمر التجربة لفترة قصيرة و تفشل و لكن الخوف هو حين تبقى معهم مدى الحياة من دون ان تنتهي.. و ما زالت في المنتصف.. بين البداية الخاطيئة و النهاية المتعثرة.
و حين قررت ان تنأى بنفسها عن المنتصف.. اصطدمت برجل.. و هي تسير باستعجال و حنق.. لقد سأمت من المنتصف.. من اهاتهم و شكواهم.. لا تريد ان تبقى في المكان ذاته.. لقد اوقعت قبعتها في ذلك المكان. القبعة التي تعزف الالحان بخصلات شعرها التي تتناغم على جبينها المزخرف بكل التعابير التي لم يرسمها البشر على وجوههم بعد.. لم تتحسس سقوط القبعة من بين اصابعها النحيلة.. و لا حين استقرت على قدميها المتشبثتين بالارض.. لم تنتبه لملامحه او هيئته.. كان يبدوا ككل المارة.. يسير بخطوات كبيرة.. و لم يكن يهمه بحضور باقي البشر..
لمحته بطرف عينيها ينحني ليلتقط قبعتها..
حدق بحذاءها الاسود ذا الكعب العالي.. لقد عرف انها كانت تسير سيرا مثقلا متسارعا لفترة قصيرة من الزمن. نظراته المعمقة المتمعنة بحذائها اثارت استغرابها.. كانه كان قد وجد شيئا لطالما بحث عنه. رفع نظره اليها.. و كأنه يقول “اين كنت؟” ارتسمت ابتسامة مثقلة بالوجل بين خطوط وجهه.. بدت تعابيره قد رسمت بريشة التجارب القاسية و برماح الملاحم و لكن ابتسامته اوصلت الوجد و الوجل..
خشت ان يكون هو الاخر مقبرة التناقضات و التشتت..
كانت عيناه تحتضن اوجاعها و تجمع هواجسها المتناثرة.. كانت سيجارته المتقدة تبعث بالكثير عن شخصيته.. كان يحرق الامها كما كان يفعل بسيجارته مع كل نفس.. كان السكوت سيد الموقف.. قبعة.. سيجاره.. خوف و دخان.
لقد فقهت كل شي رغم الاجواء الغريبة.. و النظرات المتسائلة و الهواجس و الضنون.. لقد انتهت فكرة المنتصف مع سقوط القبعة و تصاعدت مع الدخان..
و صيرت الى العدم.. .
—