سيف الدين عفانة :
استيقظ باكرا، على غير عادته، وقبل كلّ شيء أشعل سيجارته الأولى ولحقتها الثّانية وأخذ يطارد في الدّخان المتصاعد صورا تشكّلت بذهنه من أحداث الأمس ويفكّر فيها، كما يفكّر في هذا اليوم وما قد يحصل فيه..
لم يستطع الأكل. حتّى قارورة الماء التّي بجانبه كانت فارغة..
أخذ ينظر إلى غرفته : صورة غاندي المعلّقة على الجدران القديمة المتشقّقة، ومقولات تستهويه، لعديد الكتاب الذي تعوّد على جعلهم قبس نوره الوحيد إذا ما تعثّرت خُطاه أو اتّسمت أفكاره بالتّشتّت أو التّذبذب.. أمّا “هي”، فرغم صِغر صورتها على المرتبة، إلاّ أنّها كانت كالشّمس، تشرق بنورها على كامل الغرفة، كما يشرق نور صاحبتها على حياته.
لم يُغيّر ملابسه، فقد نام ” كي العسكري ” كما كانت تقول له والدته، التي غادرته منذ سنين، و لكنّ أحلامه اختطفته فاتّكأ على النّافذة المُطلّة على محيط أفكاره وأبحر في فلكِ الممكن والمستحيل منتقدا ذاته وتجربته.. منتقدا كعادته كلّ شيء..
لم ينتبه إلى الوقت الذي مرّ مذ استيقظ على نور الفجر الجديد، حتّى رنّ الهاتف الممدّد على مكتبه البنّي القديم، وأخبرته أنّها تريد رؤيته.
-2-
ساد الصّمت مقهى المتوسّط الشّعبي. أمّا عيناهما فقد غاصا في تذكّر سنوات العشق حيث كان هو كلّ ما تملك، وكانت هي أيضا أمّه وأخته وابنته الصّغيرة و كلّ النّاس من حوله.
وفي تلك اللّحظات، ارتفع صوت الآذان يُنادي إلى الصّلاة ثلاثا، وإلى الفلاح. أمّا هما فلا يزالان ثابتان كالتماثيل القديمة، لا حركة فيهما لكن يُرى في ما تجود به العينان من حركات عفويّة، إحساسا يقوده اللّهفة والشّوق.
و كي يقطع هو خيط الصّمت الذي ساد منذ أن جلسا، على تلك الطّاولة بالرّكن الأيسر من المقهى، والتّي شهدت على كلّ كلمات العشق والغضب والغزل واللّوم التّي دارت بينهما منذ حوالي خمس سنوات خلت إلى ذلك اليوم.. نظر إليها بثبات وقال:
– ما هو الفَلاحُ حسب ظنّك، ما هو أفضل العمل الذّي نستطيع اليوم القيام به؟ ما الّذي من واجبنا القيام به الآن؟
فأجابته بصوتها العندليبي الرّقيق الذي لم يُفقده دفئه شجنً بان منه عميق:
– لا أملك في هذه الدّنيا سواكَ.
أرخى الفتى رأسه، وغطّى بكفّيه عيناه المبلّلتان قليلا، وهمس كعابد في حضرة قدس عظيم:
– ربع قرن، ليست بالزّمن الطّويل، لكنّي تعبتُ و ضحيّت كثيرا من أجل بناء ما أُسمّيها اليوم قناعاتي. أأمتنع عن فرصة كهذه لأثبت فيها لنفسي أنّني قادر على إرساء هذه المبادئ و تكريسها ثمّ أتخاذل؟ إذن فما فائدة تعبي، وقراءاتي، وكتاباتي؟
فأجابته بنفس اللّهجة الأولى:
– لا أملك في هذه الدّنيا سواكَ.
وساد الصّمت مرّة أخرى، فقطعه الفتى ثانية ولكن بعجالة وبجفاء لم يقصده:
– يجب أن أذهب الآن.
وللمرّة الأولى منذ جلسا نظر إلى عينيها، فوجد خدّيها مبلّلين وشفتاها ترتعشان، وكانت تفرك أصابعها النّحيلة بنوع من التّكرار وكأنّها تخطّ دائرة تزداد ضيقا مع كلّ لحظة تمرّ. فاقترب منها أكثر، ولمّا همّ بوضع كفّه على خدّها ومسح قطرات الدّموع، انتهرته واعتدلت في جلوسها و قالت له بلهجة حادّة لم تُخفي دفئها المعتاد:
– مُذ عرفتك، عاهدتكَ أن أبقى لكَ ما حَيِيتُ، لكَ وحدكَ.. فحتّى أنا أملك قناعات لطالما عانيت من أجل تثبيتِها، و لكن كنتُ دائما ما أتجاوزها وأُلغي ذاتي إذا ما شعرتُ أنّها قد تأثّر على حبّنا.. تجاوزتُ أحلامي كفتاة، و طموحاتي كامرأة، و كلّ مَلذّات الشّباب.. أحببتُ المطالعة لمّا ألفيتها مغروسة فيكَ، و عشقت قراءة التّاريخ لمّا رأيتُ غرامكَ الصّادي أبدا إلى المعرفة وأنّه مزروعٌ فيكَ لامحالة.. لقد ضحّيتُ، ضحّيت بالكثير، بالسّفر وأنت تعرف كم يُغريني.. وبلحظات الجنون في نحتِ ما تنجذب له ذائقتي لحظات الفرح..أو الألم .. حتّى أصدقائي وكلّ علاقاتي الجميلة فقد أرداها الفتورُ وسكنت لمّا انكببت على حبّكَ لا يشغلني في هذه الدّنيا سبب إلاّ سعادتك أنتَ وراحتكَ أنت.. وما نكفتُ يوما أو لحظة عن ذلك.. من أجلك نسيتُ ماضيَّ و كرّستُ لك حاضري و أهديتُك ما تبقّى لي من مستقبلي صلصالا تشكّله كيفما تريد.
ولكنّي أرى اليوم أنّي لم أمسك إلاّ بوعود كثيرة.. وُعودِكَ التّي استطعتَ اليوم وبكلّ بساطة تدميرها كليّا.
لماذا؟
ألستَ أنتَ من تُأمن أنّ الحُبّ وحده كفيل بأن يجعل من هذه الدّنيا الرّديئة جنّة الأنسان؟ ألستَ أنت من تقول بأنّ العنف رداء الوحوش وقناع الجبناء والإنتهازيّين؟ ألستَ أنت من جعلتني أؤمن بأنّ السّلم والمحبّة هما أسمى غايات الإنسان؟ ألم تقل لي أنّ صراع الإنسان القديم لا يوجد إلاّ في أذهاننا وبأنّ الحبّ هو المخلّص من مغبّة الحقدِ و الصّراعات؟
فلماذا تقرّر اليوم خوضَ معركة ليست لكَ ولا تُؤمن بقوانينها؟ لماذا تتجاوزُ كلَّ قناعاتكَ، لتُمسكَ العنف – الّذي طالما حاربتَهُ – سلاحكَ الأوّل؟
لِمَ تنحني للواقع الرّديء، ولا تمضي كما عهدتكَ في طريقك الرّائق اللّطالما دعوتَ إليه بقلبكَ وقلمكَ وكلّ ما تملك: طريق المحبّة و السّلام.
فركَتْ عينيها بلُطف، تماما كما كانت تداعبُ له عينيه إذا اشتدّ به الضّيق، و أضافت:
– لو أنّ فراقنا كان لصالح قناعتك الإنسانيّة النّبيلةِ، ما كنتُ قطّ أجرُأ على الكلام، وما كنتٌ واجهتُكَ. و لكنّكَ اليوم تريدُ خيانتي، تريدُ خيانَةَ ذاتك.
أتذكرُ ذلك اليوم الذي أحببتُك فيه؟ كان يوم الجمعة، مثل هذا اليوم الذّي أعلنتَ فيه أنّك لم تعد لي و نقضتَ عهدنا..
لم يعد لكلام معنى، فلم يعد طريقنا واحد..
الوداع يا حبيبي الجميل.
وانتفضت من مجلسها، وانتفض معها سوارٌ كان قد أهداه لها نُقِش عيه حرفان” “، ودون أن تلتفتَ شقّت طريقها إلى حيثُ تَدري.
تركَ هو المقهى، إلى نسيمٍ هادئ جفّف قطرات على خدّيه، وشقّ طريقه إلى حيثُ يدري، وبذهنه تجول ذكريات وتتراقص على أنغام الصّبا الهادئ صورٌ قديمة وأخرى حديثة، تماما كما كان يرقص ذاك السّوار الوحيد على صدرِ حبيبته.
-3-
و بينما هي متكأه تستمع لنشرات الاخبار الاستثنائية التّي اكتسحت شاشات الإعلام العالميّة والمحليّة، إذ بخبر غير عاجل، يُعلن وجود جثّة شاب في العقد الثّاني من عمر، توفّي بعد إصابته بعدّة رصاصات في الرّأس و الصّدر، ولكن لا شيء يُدلي بهويّته.
وعرضوا الصّورة، و لم تكن واضحة كفاية، إلا أنّ قميص الفتى، الملطّخ بالدّماء، كان معروفا لدى الفتاة، فقد قرأت فيه ما لا تستطيع دماء العالم تغطيته، ما لم يستطع غيرها قراءته.. كان مكتوبا، بالخطّ الكوفيّ العربيّ الأصيل حرفان: . م. س
—