النص السردي..استنطاق الواقع بمعطياته وتناقضاته المتصارعة التي تشكل بنيته عناصر الرؤية المكثفة سياقيا وتركيبيا..باعتباره مجموعة من البنيات التي تنتظمها وحدة موضوعية متميزة بطاقتها المعرفية ومكوناتها البنائية.. عبر لغة تعبيرية ايحائية رامزة..خالقة لتراكيب تمازج بين الواقعي والتخييلي بنسج فني يعكس الواقع الاجتماعي والنفسي للوجود الانساني مع استدراج الاحداث والشخوص والبيئة المكانية والظرفية الزمانية لتحقيق انجاز ابداعي زئبقي اللغة يعتمد التكثيف الجملي والتركيز اللفظي مع ايحائية تستفز الذاكرة نتيجة احتدام متناقضاته التكوينية..
و(اصابع جدي) المجموعة القصصية التي نسجت عوالمها انامل الشاعرة والقاصة نجاة عبدالله واسهمت دار الحضارة في نشرها وانتشارها/2015..كونها تعتمد التنوع في البناء الحكائي(القص القصير والقصير جدا)مع تنوع مضامينها اجتماعيا ونفسيا وعاطفيا وصبها بقوالب تتجاوز المألوف بجرأة مشهدية تستفز الوعي بما تحمله من بلاغة الجملة وعمق الفكرة.. فتقدم تجربة جمالية يعكس متنها التحولات الانسانية مع تعدد الاحداث الناتجة عن الصراعات والانكسارات التي تتعرض لها النفس الانسانية وهي تحكي بضمير المتكلم..مع اعتماد اشتغالاتها على العمق التصويري من خلال التمازج بين الحسي والذهني بتشكيل بصري يتحرك وحركة الذات وتحولاتها الشعورية لتشكل نصا(محملا بقدر من الحساسية) على حد تعبير هربرت ريد..
(كم سبت يمر من دون ان يعرف..هو الذي يتردد عليها بشكل منتظم وصامت..ان هناك جسـدا يصغي حين تمتليء
ارجاء المسكن بلحن وحشي يشبه هذا الصوت الذي يندمل في اذهاننا في ساعات الليل المتأخرة..
مر سبت آخر حلقت روحها مع هذا اللحن الذي ظل يتسلل ببطء طوال الليل ثم يغادر اذنيها ليذهب اليه..
في آخر سبت..كما ورد في مذكراتها وجدته جالسا في البيت يدخن لفافته منتشيا دون ان يكترث لايام الاسبوع التي فقدها في حادث عرضي في سني طفولته الاولى..
وبينما كانت تواصل انتظاره فقدت ساعة الحائط رقاصها.. لان الفضاء اصبح ساخنا تملؤه الرطوبة وكان الضباب قد غطى كل شيء.. /ص47..
فالنص ينطلق من لحظة وعي معبرة عن رؤية انسانية تقوم على التركيز الدلالي بالفاظ موحية تثير التأويلات بتجاوزها المعنى الدلالي ابتداء من العنوان العلامة السيميائية الدالة على استقطابها لمعاني النص ومضمونه بلغة ايحائية رامزة تشير الى انه(يؤسس غواية النص)على حد تعبير كونغور..فكان بوابة الدخول لاستنطاق المتن النصي والكشف عن ابعاده التي تشع من بين ثناياها العاطفة..فضلا عن انه تقنية فنية متفردة بدورها الوظيفي ومكتنزة بابعادها ودلالاتها التي شكلت عقد بين المؤلف والسرد من جهة واتفاق روحي بينه وجمهوره من جهة اخرى لتحقيق التجاوب وتبادل المنفعة بفونيميه المشكلان جملة اسمية وعنصر بنائي منح النص هويته السايكولوجية والجمالية ووظيفته التشويقية..والذي اعتلى عوالم لوحة تشكيلية تجريدية رامزة وزعت خطوطها والوانها انامل الفنانة التشكيلية رنا جعفر ياسين وهي تتوسد اسم المنتج الابداعي..بينما احتل اسم الجنس الادبي الجانب الايسر على شريط محمر باللون الابيض دلالة النقاء والصفاء..
(دولا جدي الذي صنعه من جلد حوتة كبيرة كان قد اصطادها ساعة بحثه عن خاتم سليمان..وحده من لم يشهد قصفا مماثلا كالذي اطاح بسقف الغرفة الوحيدة وادوات المطبخ التي تبذر حليبها بين الحين والاخر..
حين هدأ القصف ظل يقص علينا نحن الصغار ما اصاب اصابعه النحيلة من انحناءات اودت بكفه وظلت ملتصقة بقليه..كنا نضحك جميعا ونحن ننظر قلب جدي وقد نبتت منه اصابع طويلة..ساهم زيت الحوت بالتصاقها على هذه الصورة المضحكة..قصف آخر اشد رعبا من الاول واكثر هولا مما شهدناه في السنوات الماضية اودى بالقرية كلها..حتى تفسخت اصابع جدي وكل ما تبقى في البلدة هذه المرة هو واحد من اصابع جدي الكبيرة التي لفت بردائه الداخلي لتصبح يافطة كتب عليها(نحذر من التدخل السافر في شؤوننا الداخلية)../ص55
فالقاصة في نصها تعتمد على الاخيلة في تعبيرها عن كوامن ذاتية لخلق عالمها المكتظ بالشاعرية المستفزة للذاكرة وحركة الوجود وتقلبات الحالة النفسية والاجتماعية فتقدم نصا متميزا بطاقة متعالية ومتمردة على المعايير المهيمنة ليعلن خصوصيته بوصفه كتلة من المقولات والبنيات التي تنتظمه فتنتج حقائق تاريخية واجتماعية باعتماد تكنيكا سرديا يتمثل في التركيز والايجاز ودقة العبارة للكشف عن رؤية تعبر عن الحياة بمتناقضاتها المكتظة بهواجسها التي انشغلت بتلمسها الواقع وربطها بين الشكل الحداثوي والمضمون الفكري المنبثق من موقف انفعالي يتكيء على حقول دلالية(مكان/زمان/ثنائيات ضدية..)مع تكثيف العبارة وعمق المعنى وهي تجنح الى التركيز والايجاز مع توظيف النزعة البلاغية واعتماد تقنية الانزياح والايحاء واستنطاق الرمز للتعبير عن اللحظة الحدثية..
وبذلك قدمت القاصة نصوصا تضمنت جملة من القيم الفنية والموضوعية والملامح الجمالية بلغة مشبعة بظلالات الرمز والمجاز والدلالة الموحية..الخالقة لمواقفها المحتشدة في نسيج حكائي افاد من اللغة والشعرية الاستعارية..فضلا عن تعدد البنى السردية والاشكال المضمونية (الجدلية/النفسية/الاجتماعية.) مع تنوع معمارها الهندسي الذي يكشف عن مدى قدرتها في توظيف ادواتها الفنية وتقنياتها الحكائية في فضاء يتأرجح بين القص القصير والقصير جدا(الومضي)..المتميز بخصيصة(الايجاز والاقتصاد في اللغة والتكثيف والايحاء وتجاوز المألوف والايماض واقتضاب المعنى والابتعاد عن الاستطراد والعمق الدلالي وسرعة الايقاع الناتج من حركية السرد المستثمر لطاقة الجملة الفعلية الدالة على الحركة والدهشة المباغتة والتعبير اليومي..)..
(امسكت الهاتف النقال وبيد مرتجفة كتبت..ما ان تقرأ تلك الكلمات الا واكون قربك..نحتسي فنجان القهوة سويا ونجلس في الارجوحة نضحك..نضحك حتى تهرب عصافير الصباح من ضجيجنا..سارت الى الشارع تفترس خطواتها..قبل ان تصل اليه سمعت صوتا خجلا يهمس في الحقيبة:المشترك يسير معك الان..يرجى اعادة المحاولة)../ص69..
فنصوص القاصة تتنوع خصائصها وتتوزع ما بين سمات موضوعية وبنيوية وشكلية وفنية وتداولية..وهي تتجاوز الخطاب السردي الواقعي وتخوض في اسلوب السرد الشعري الممتزج بالخيال والخالق لصوره الفنية بمشاهدها المتسمة بالاختزال والتكيف..مع اتكاء على مسارين متضادين: اولهما الواقع وثانيهما الحلم المعبرين عن الحالة النفسية باسترسال ينتهي بضربة ادهاشية مفاجئة..
—