رحمة بن مدربل :
هوس آني … خرَّب عقلي الآن في هذه الثانية
“اليوم رأيتُه ، ذلك الضوء المتلصص، خفيةً عبر هالاتٍ كبيرةٍ من الظلام ، يَعبرني ويعبرُ العالم كله من دون أن يحدثَ ضجيجًا … هو غارقٌ في التحديق بي … ما الذي يجعله ينظرُ إلي ذلك الخيط الصغير الخارجُ من كنزتي الصوفية ؟ ما الشيء المميز بحزني … حتى يستجلبَ كل الكائناتِ إليه فتزوره في الخفاء وتستسلم لضحكاته البهلوانية التي تقولُ : أنا أبكي … أنا أصرخُ … أنا أبتسم بقهرٍ ؟
بينما نسير جنباً لجنبٍ مع خيباتنا ، و أطرافِ ذلك الوطن المبتورة … نحد أنفسنا في عمق ذلك البلد …
متسولةٌ جزائريةٌ تتعلم السورية … وتسيرُ في القطار، تطلبُ الصدقة بكلماتٍ شاميةٍ تُشبه الأغنية ،
قطٌ مقطوع ذيله … يجوبُ المدينة باحثًا عن شيءٍ يأكله ، طفلٌ يجري حافِ القدمين ، يلعبُ بخرقةٍ سوداء يلفها على شكل كرةٍ بكيسٍ حليبٍ فارغ … إسمه “ميلكو” ، الطفلُ الصغيرُعيناه تنزفان تعباً … يجري ويصارعُ رفاقه المتعبين مثله ، متسولٌ آخر يجلسُ على القارعة ، يتأمل صحنه الصغير القصديري الفارغ عمدًا، فكلما إمتلأ يُفرِّغه … ليحصلُ على نقودٍ رخيصةٍ جديدة ، معدنية …
فتياتٌ تترجلن على الكورنيش … تتسكعن وتضحكن نخبَ سنواتهن الضائعة في اللاشيء … والتفكير المتوقف …
سماءٌ غائمةٌ من دون مطر ، بحرٌ هائجٌ من دون زوار حقيقيين ، سوى المتسكعين، العابثين، الباحثين عن رقم فتاةٍ ساذجة أو حضن عاهرةٍ متخفية تحت ثيابِ الطهر …
عاصمة ٌ أو مدينة أو قرية … كلها تحمل العبوس ذاته ، والمعالم نفسها …
كيف رأيتُه ذلك النور الذي لا يُشبه شيئا ً وكيف تسللَ الى نفسي ، ؟ لا أعرفْ
ماهو … ربما هو دعوةُ عجوزٍ طاعنةٍ في السن ، عمياء لا ترى بعينيها ما تراهُ بقلبها .. بصيرتها ثاقبة النظر…
تدعو بورعٍ أن يُنير الله قلوب المؤمنين … هل نحن مؤمنون حقاً … هذا السؤال الذي يخطرُ ببال حيرتي لكنَّها لا تطرحه عليَّ مطلقاً …
الان فقط كنتُ أتحدثُ مع الحائط ، بصمتٍ … طلبتُ منه أن يفسرَ لي حالة اللاشعور التي تنتابني الآن
قال أنني لستُ صادقةً مع نفسي … ككلِّ الشعب الذي أنتمي اليه ..
حسناً حاولتُ أن أكون صادقةً …
سأقول بأنني غاضبة جداً بسبب كل شيء … أولاً بسبب اللون المتورم الذي يجلس تحتَ عيني ، التعب الشديد الذي يعتلي ظهري … حلمي المُختنق بدخان اليأس ، أريد قليلاً من الفرحة على طريقتي ، وتلك الفرحة لا تتحقق … لأنها مستحيلة … هل نُجبر شيئًا على الحدوث وهو نوعٌ من الأمور التي لا تُختلق … لا تُطلب ولا تُستجدى …
أنا كذلك متعبة جدًا من كل ماهو واضحٌ وكل ما هو خفي … أكثر من اللازم !
من الشوارع الطويلة العريضة التي تُشعرني بالوحشة ، أليس هذا وطني لمَ أنا غريبةٌ فيه اذاً؟
لمَ أُعاملُ كالغرباء ، لما لا يُقبل طلبي في أن أكون ذات إعتبار هنا ؟
طرق بابي الآن الملل فتحتُ له …
… نعم أدخل …
فتحتُ أبواب العبث على نوافذ التيه … أدخلتُه ذلك الملل الذي لا يمل من المجيء
ــ ماذا تشرب ؟ قلتُ له
قال : إكتفيتُ … لقد شربتُ كل دمكِ … حتى صرتِ غير قادرة على التنفس !
يتبع ….
—