وأنا عائد من العمل متثاقل الخطوات من فرط التعب الذي ملأ لبنه رجلي فارتخت أعصابهما، وبطؤت استجابتهما. صرت أجرهما من الأرض جرا كأنها تمردتا عن طاعتي، والشمس أمامي تميل ببطء شديد نحو سريرها لتستريح من الاحمرار الذي ضغضغ عظامها، وتعود لنا صفراء ناصعة في ثوب شبابها.
على شفا سريرها وقفت مترددة، لم يسمح لها ضميرها بأن تذهب وتتركنا دون أن تسلم المشعل للقمر وتوصيه بنا ضياء.
ما إن اتكأت حتى أطل القمر خجلا، وثقل المسؤولية يكسو محياه خوفا من عدم تأدية الواجب المناط به كما ينبغي. جاهد نفسه ليتغلب عن خجله ويصل إلينا بهيا مشرقا.
انتشرت خيوطه الواهنة في الأفق الفسيح تبحث عن طريق إلينا. وما إن وصلت حتى أخذت تتدافع والعتمة الشديدة التي بدأت تنسج خيوطها السميكة من الأسود الداكن تأهبا للقتال.
تغولت العتمة وهزمت القمر بعد مقاومة شديدة كلفته ساعتي حرب.
مغموما مهموما توعدها ببزوغ فجر قريب، ثم لم خيوطه الكسيرة، وتراجع إلى تجويفه ليداوي الكدمات التي ترك الظلام على جسد أشعته.
غطت أجنحة الظلام الكون، فأخذت نور العيون، وتركتها كأنها جحور جمجمة محنطة.
تسيد الظلام الكون ظنا منه أنه أحكم زمامه عليه إلى الأبد، ولا أحد سيقدر على أن يزيحه عن عرشه.
قبيل الفجر، وأنا قاصد عملي، أرمي رجلي حذرا. أمشي بطيء الخطوات كأنني أتعلم المشي، أو كأنني أهيم في كوكب غير كوكب الأرض. تتحسس رجلاي الأرض في كل خطوة كأن الوثوق انتزع منها أو مثلما أنها لم تعد تصدق وجود الأرض أسفلها، تطأ الأرض متوقعة السقوط أثناء كل خطوة. ضاع ميزان تقديرها وأصبحت الحجرة الصغيرة صخرة، والغدير نهرا، والطريق قطعة غيهب.
سرت أتخيل الطريق، ألتوي مع منعرجاتها المرسومة في ذهني، ومن حين لآخر، أقف أبحث في أرشيف مخيلتي عن صور لأرشد خطواتي.
رفعت نظري بعيدا، فبدا لي أحد مصابيح المدينة معلقا بين السماء والأرض كأنه سراج وهاج، فازدادت سرعة رجلي، أخذت تهرول تجاهه كأنه مغناطيس يجذبها.
تأكد لي أن الضوء نور للعين، ومنه يستمد طول البصر، والجذوة التي تشعل الروح، والسراج الذي يكسو الألوان بهاء والطبيعة جمالا والكون حياة.
استحضرت الليل وسكونه، فكبر كرهي لسكونه كما كرهت ظلامه، فالسكون موت، والموت سكون؛ والظلام ظلمات. لذلك ازداد حبي للشمس، ومنها إلى الصيف الذي لولاه لما نضجت الغلال. تذكرت الشتاء فقلت هي ماء والماء هو الحياة، تذكرت الخريف الذي يعري الأشجار، مغتالا أوراقها، لكنه لا يستطيع أن يغتال أغصانها التي تظل حية تنتظر إبان الإزهار.
لكن سرعان ما تبادر إلى ذهني أن الشمس هي مصدر التوازن. في الشتاء، تحجب أشعتها وتبقي ضوءها؛ وفي الخريف، تكبح جماحها؛ وفي الربيع، ترسلها كأياد تمسد أجسادنا؛ وفي الصيف، تمنحها كامل حريتها.
ما إن اقتربت من المدينة حتى شرعت الشمس تستعد للنهوض من فراشها، فتسربت الرهبة لنفس الظلام، وامتزج اسوداده اصفرارا.
متسرعا جمع دثاره الذي غم الأرض، وفر إلى حيث لا أعلم.
نهضت الشمس، وانتصبت واقفة. حيت الأرض، فانتهى السكون، وحل النشاط مكان الركود. أحسست بالروح تمشي في الكون، والطمأنينة في نفسي التي تخلصت من الغسق الذي كان جاثما عليها، وكابحا سير خطاها.
سارت رجلاي تركض فرحة بعدما نزعت عنها أغلال الظلام.
أدركت أن في غياب النور يسيطر الغيهبان، وفي غياب القطط تطغى الجردان وكذا الفئران، وعندما يغيب الأسد عن الغابة تحكمها الغربان، وحينما يغيب الشجعان يستقوى الجبان، وإذا غابت الشمس يستأسد الظلام.