كُلّفنا، نحن الأربعة، بالتسلل الى المخيم وجمع بعض المعلومات عنه، دون أن يشعروا بأننا غرباء بينهم.
دخلنا خلسةً تحت ستارالليل، لم ينتبه أحدٌ الى وجودنا. كانوا منشغلين بأعداد العشاء. كان المخيم مكتظ على غير العادة، والوجوه متحفزة كأنها تنتظر شيئاً ما. تجولنا بين الخيام بخفة، حريصين ألّا نثير شكوكهم أو يريبهم أمرنا.
قلت لنفسي: يجب أن أسرع، قبل أن يُطلق الرصاص عليهم أو يرتفع دخان الغاز المسيل للدموع وسط المخيم. كانوا يتوقعون كل شيء، ومع ذلك يعملون كخلية نحل.
أخيراً وجدتُ ضالتي المنشودة. كان شابًا حسن الطلعة، تتقد في عينيه الحماسة وتفيض منه الطيبة. أدركتُ أن الطريق إليه أقصر مما توقّعت. اقتربتُ منه بحذر، وكلمته بطريقةٍ لم تُثر شكوكه، بل على العكس، رأيته متفاعلاً معي. وبعد أن صار يتكلم معي بأريحية، سألته…
– هل تعرفه؟
– كلنا نعرفه، بسيطاً رغم ما يملكه من حضورٍ وتأثيرٍ فينا. طيبٌ رغم آثار الجراح المرسومة على جسده كوطنٍ جريح. شهمٌ، رغم الذلّ الذي عاشه كلّ تلك السنين الطويلة التي أمضاها متنقلاً بين السجون الضيقة والمعتقلات المقيتة. مرحٌ، رغَم الحزن المتغلغل بين ضربات قلبه الحنون. وحيدٌ، رغم وجوده بيننا.
يتقدّمنا دائماً، يواجه الرّياح العاتية، ويَصدّ عنا سِهام المجهول. نجده فينا، يشدُ أزرنا ويَزرع في دواخلنا الأمل، كي نواجهَ الظّلم الذي ابتُلينا به منذ سقوط الطاغية الأول، قبل أكثر من عشرين عاماً.
ربما يكون أنا، وربما أنت، وربما أيّاً من هؤلاء المنتشرين هنا وهناك، وربما لا أحد.
قبل أسبوع، اخترقت رصاصةٌ غادرة صدرَ شابٍّ في الخامسة عشرة من عمره. شيّعناه الى المقبرة. وقبل أن نواريه الثرى، نادانا أن نتريّث. انتظرناه حتى وصل. وكانت معه امرأةٌ ثكلى، عرفنا أنها أمّ الشاب. قرّبها من النعش، وكشف الكفن عن وجهه. ثم قال لها: ودّعي ابنك.
بكينا جميعًا لبكائها، ولم نستطع احتمال نظراتها ولا كلماتها التي كانت تهمس بها في أذن ابنها المسجّى. أما هو فلم يبكِ، غير أن نظراته كانت تعكس حزنًا أعمق من البكاء.
– واين هو الآن؟
– حملنا نعشه البارحة الى أمّه. كان على جيدهِ دمُ جرحِ سكينٍ حادّ، لكنه لم يكن مذبوحاً.