في زمنٍ تتناقص فيه حدود الانتماء وتتسع فيه رقعة الاغتراب، تأتي القصة القصيرة بوصفها الشكل الأدبي القادر على التقاط لحظة الانكسار في أقصى تجلياتها، وتمثيل الذاكرة لا بوصفها استعادة، بل كوجعٍ دائم. ومن هذا الأفق الموجوع تكتب الكاتبة ليلى مهيدرة قصتها “العائد”، لترسم بمهارة سردية عالية خريطة خرابٍ مزدوجة: خراب المكان وخراب الذات.
إنها قصة يتحوّل فيها فعل العودة إلى سؤال وجودي مفتوح، ويمسي الوطن — الذي كان مأوى الذاكرة — حائطًا صلدًا يُعيد النازف إلى غربته الأولى. ففي سردٍ محكم ومشحون بالإيحاء، تتسائل مهيدرة عن العلاقة المتصدعة بين الإنسان والمكان، بين الذاكرة والواقع، بين الحلم وصدمة الانكشاف، فتمنحنا نصًا يستحق التأمل، لا بما يقوله ، بل بما يتركه من صمتٍ ثقيل بعد انتهاء كلماته.
ففي هذه المقال، سنحاول الغوص في عوالم هذا النص، لرصد تمثلات الغربة، وتحليل التشكيل الفني والدلالي للعودة المستحيلة، حيث ينهض الحنين لا كممر إلى الطمأنينة، بل كمرآة تُواجه الذات بحقيقتها الأكثر وجعًا
وتقدم القاصة ليلى مهيدرة في نصها القصير “العائد” تجربة سردية مشحونة بالحنين، ومثقلة بمرارة الاغتراب، حيث تتقاطع الذات المنفية مع المكان الذي صار غريبًا عنها. فهي قصة العودة الموءودة، والحنين الذي يُقابَل بالخراب، في نَصٍّ يُغلفه الأسى، ويكشف قسوة التحوّلات التي تطال الجغرافيا والذاكرة والهوية.
لقد تمكنت الكاتبة من تصوير المدينة بصفتها جسدًا هُتكت ملامحه. فالفندق يبدو كبؤرة متداعية: زليج أسود، صباغة حمراء، جدار آيل للسقوط، غرفة خانقة، سرير متهالك، وزربية بلا لون… هذا الانهيار العمراني يرمز إلى الانهيار العام الذي أصاب المدينة. فهي لم تعد مأوى، بل قوقعة عفنة لا تحمل من الذكرى سوى رائحتها الفاسدة. حتى عندما يحاول البطل استحضار زمن أمه من خلال شمّ وسادة الصوف، لا يجد سوى “الزفارة”. وهنا تنكسر الصورة الشعورية: الأم، الدفء، الذاكرة… وتُستبدل بالعفن، بالغربة، بالخذلان.
فتحولت المدينة القديمة إلى سلعة معروضة للبيع. كل شيء قد بيع أو هدم أو أُحيل إلى مشروع سياحي، من الكوميسارية إلى المقيم العام، ومن المدارس إلى الحارات. ولعل مشهد الخراب هذا يذكرنا بمقولة إدوارد سعيد عن المنفى بوصفه “مكانًا من اللا-انتماء”. حتى حين يحاول الدخول إلى فضاء الشعر، يُمنع لأنه لا يملك تصريحًا. وكأن الماضي نفسه أصبح حكرًا على النخب الجديدة.
اما شخصية “العائد” فقد رسم بخطوط تراجيدية. لا اسم له، ولا تعريف. فهو عابر، متخَفٍّ، يحمل ملامح الهيبي، ثائر سابق أو منفي، يحاول ألا يتعرف عليه أحد، وهذا يعكس عمق اغترابه حتى عن ذاته. لقد نزعت عنه الحياة كل انتماء، وصار لا يملك من نفسه إلا ذكريات باهتة.
واللافت أن الشخصية لا تتكلم كثيرًا، بل تتلقى، تُشاهد، تُصدم، حتى ينفجر الصديق في النهاية: “كلهم يقولون ذلك: عائدون عائدون… فلم يعد هنالك مكان تعود إليه”. وهنا تتجلى الذروة الدرامية للنص: الوعي القاسي بأن العودة إلى مكان مهدم ليست عودة، بل اغتراب من نوع آخر. والصدمة الكبرى أن كل الأماكن أصبحت متشابهة، كلها تحت الحصار، مباعة، مقموعة.
وقدم الزمن في القصة بلغة مفككة، تنقلب فيه الصور الزمنية إلى نقائضها. الماضي لا يُستعاد، والحاضر مشوَّه، والمستقبل غائم. التلفاز يعرض صور الدمار: غزة تحت القصف، شعوب مقموعة، تظاهرات تُقمع بالهراوات، ثم تعليق ساخر للمذيع ينسف كل قيمة للمقاومة… هذا التزامن بين المأساة العامة والخسارة الشخصية يخلق مشهدًا كابوسيًّا، تتداخل فيه السياسة مع الوجدان.
والزمن هنا لا يدور، بل ينهار. لا شيء يتغير، سوى في اتجاه الخراب
اذن تمكنت الكاتبة ليلى مهيدرة في قصتها “العائد” أن تقدم مشهدًا سرديًّا محمّلًا بدلالات الغياب والانهيار، حيث أصبح المكان، الذي كان يومًا ما مألوفًا، غريبًا ومشوَّهًا في نظر العائد. اذ تبدأ القصة بمشهد الوصول، ذلك الذي يُفترض أن يكون لحظة التئام، غير أنّه يتكشّف منذ اللحظة الأولى كصورة مُربكة، يعبّر عنها السارد بدهشة من رقم الغرفة 618، في فندق صغير لا يحتمل هذا العدد، في تلميح ساخر إلى اختلال المعايير والواقع. فهذه المفارقة الرمزية الأولى تُؤسّس لبنية النص، التي تقوم على تصدّع العلاقة بين الإنسان والمكان، بين الذات والذاكرة.
وتتجلّى المدينة من خلال تفاصيل دقيقة مرسومة بريشة حزينة: زليج أسود، صباغة حمراء، نافذة تفتح على جدار آيل للسقوط، غطاء سرير مزركش عتيق، زربية فقدت لونها، كرسي من الدوم، وسادة لا تحمل عطر الأم بل رائحة الزفارة. كل هذه العلامات المكانية تشكّل سيمفونية الخراب، حيث لم يعد في المدينة ما يستدعي الحنين، بل باتت تحمل وجع الفقد والانفصال، حتى الرائحة، تلك الوسيلة الأقرب إلى الذاكرة، خانته. وهو عائد بلا انتماء، يتقصّد أن يبدو غريبًا، بشعره المنكوش ولباسه المهلهل، كي لا يتعرّف عليه أحد، وكأن الماضي نفسه بات يشكّل تهديدًا.
ولعل الفضاء العام لا يقل قسوة عن الداخل؛ شاشة التلفاز تصبّ سيلًا من صور الدمار، غزة تحت القصف، احتجاجات تُقمع، سخرية المذيع من العزّل، عالم يبدو فيه كل صوت حرّ مُحاصرًا. هذا التداخل بين الكوني والشخصي، بين الانهيار السياسي والخذلان الوجداني، قد منح النص بعدًا عميقًا، وحوّل العودة إلى فعل عبثي، إذ لا عودة ممكنة إلى مكان لم يعد موجودًا.
وحين يقرر العائد التوغّل في المدينة، تتحوّل خطاه إلى نداء حائر في زقاق لا يجيبه أحد. ساحة الساعة، فضاء الجمعيات، مدرسته القديمة، الكوميسارية، مبنى المقيم العام، الملاح… كلها رموز لمكان كان يحمل الذاكرة الجمعية، ثم أُفرغ من معناه، إما بالبيع أو الهدم أو الخصخصة. المدينة، التي كانت ذات يوم مكانًا للتربية والثقافة والسيادة، تُختزل الآن في لافتة تشير إلى مشروع سياحي. تتكرّر كلمة “بيع” بوقع موجع، كأنها مطرقة تهوي على الرأس: بيع.. بيع.. هدم.. حواجز في كل مكان. اللغة تنكمش، تتقشف، ثم تتهشم في وجه القارئ كما في وجه العائد.
اما الصديق القديم، الذي يظهر كظلّ مرافق في النهاية، يتحوّل إلى صوت الحقيقة المُرّة.اذ لا يخاطبه بل يهذي، ثم يلتفت إليه ليقول بمرارة: “قلت لي أنك عائد، كلهم يقولون ذلك… لم يعد هناك مكان تعود إليه، فكل الأماكن واحدة”. هذا التصريح الصادم يختزل كل أوجاع المنفى والخذلان. العودة، بوصفها حلمًا، تتحوّل إلى كذبة جماعية، إلى أسطورة تُردّد بلا معنى، إذ لم يعد هناك مكان يمكن التعرّف عليه أو استعادته. الذاكرة نفسها لم تعد كافية، لأنها صارت تواجه جدرانًا مهدّمة، وأبوابًا مغلقة، وحراسًا على بوابات الشعر.
لقد ابدعت ليلى مهيدرة في الإمساك بنبض التحوّل والخذلان. اذ لم تسرف في الحكي، بل اكتفت باللازم، وكتبت بلغة مكثفة مشحونة، لتمنح للصمت معنى يعلو على الكلمات. فهي لا تبكي على الأطلال، بل تكتب خرابها بلغة الجمال المجروح، حيث يصبح الحنين لعنة، والذاكرة عبئًا، والمكان كابوسًا متكرّرًا. إن “العائد” ليس شخصًا بعينه، بل هو نحن جميعًا، في بحثنا الدائم عن أوطان تتسع لأحلامنا وذاكرتنا، فلا نجد سوى فنادق باردة وجدران تسقط، وبلدان بيعت قطعة قطعة. النص بقدر ما هو بسيط في الظاهر، عميق في بنيته الدلالية، مُحمّل برمزية الغياب والفراغ والانكسار، ويؤسس لصوت أنثوي قادر على النفاذ إلى لبّ الكينونة دون صراخ، دون انفعال، بل عبر السرد الهادئ الذي ينهش من الداخل.
لقد نسجت الكاتبة سردًا محكمًا مشبعًا بالإيحاءات، معبّرا عن تجربة العودة لا بوصفها فعلًا للقاء، بل باعتبارها انكشافًا لجروح أعمق، وصدامًا مريرًا مع الواقع .
وتنتقل الكاتبة بسلاسة إلى تصوير شعور الاغتراب المتجذّر في شخصية البطل، الذي يبدو متخفّيًا وراء مظهر متداعٍ، يحرص على ألا يتعرّف عليه أحد، وكأن المدينة التي وُلد فيها باتت تشكّل خطرًا عليه، أو كأن ماضيه نفسه قد أضحى عبئًا يتوجّب إخفاؤه. هذه الشخصية الغامضة، التي لا تحمل اسمًا، لا تنطق كثيرًا، بل تكتفي بالملاحظة والانفعال الداخلي، مما يزيد من عمق العزلة، ويجعل القارئ شريكًا في الصمت، في الحيرة، في خيبة التوقّعات.
وحين يغادر البطل غرفته ويخترق شوارع المدينة، تتحوّل خطواته إلى سرد داخلي حزين، يسجّل اندثار كل ما عرفه. فالمدرسة قد تهدمت، والإدارة قد محيت، والأمكنة التي كانت رمزًا للذاكرة الثقافية والاجتماعية لم تعد موجودة، بل جُرّدت من معناها، وبيعت، أو أُلحقت بمشاريع استثمارية، حتى الأزقة ضُربت بالحواجز. فلم يجد أحدًا ليسأله عن كل هذا الخراب، وكأن البشر أنفسهم انسحبوا من المشهد، أو صاروا جزءًا من العدم.
ولعل المشهد الأقسى في القصة حين يصل إلى فضاء الشعر، المكان الذي طالما صدح فيه صوته، فيُمنع من الدخول لأنه لا يملك تصريحًا. وهنا تتكثف المفارقة، ويتجلى بوضوح أن الوطن قد لفظ كل أبنائه، حتى صوته الذي كان في يوم ما رمزًا للمقاومة والثقافة بات ممنوعًا من العودة، محاصرًا مثل كل شيء آخر. والثقافة نفسها أصبحت مؤسسة مغلقة، لا يدخلها من يعرفونها، بل من يملكون الإذن.
وتتراكم المفارقات دون ضجيج، بل بلغة سردية مشحونة بالتقشف، لا تزخرف، بل تقطع كالسكاكين في الذاكرة. حتى الصديق الوحيد الذي يرافقه لا يقدّم له العزاء، بل يفتح جرحًا جديدًا حين يقول له: “كلهم يقولون ذلك، عائدون… لم يعد هناك مكان تعود إليه، فكل الأماكن واحدة”. هذا التصريح الصادم ليس فقط ردًّا على البطل، بل هو صوت شامل لكل المشرّدين والمنفيين والغرباء الذين يبحثون عن أوطانهم في الخرائط فلا يجدونها، أو يجدونها مشوّهة.
تنتهي القصة بلا نهاية، أو لنقل، بنهاية مفتوحة على العجز. لا خلاص، لا لقاء، لا مكان حقيقي للعودة، بل إدراك صارخ بأن الحنين نفسه صار عبثًا، وأن الأرض تغيّرت أكثر مما يحتمل الحنين أن يُرمم. فالكاتبة نسجت سردًا عالي اللغة، شديد التوتر، غنيًّا بالدلالة، دون أن تقع في المباشرة أو الميلودراما. واكتفت بالإيماء، بالتفاصيل الصغيرة، بإيقاع محكم يُؤسس لهدوء ظاهري يخفي تحته عاصفة شعورية.
قصة”العائد” ليست قصة قصيرة، بل مرآة لمأساة جيل، وصرخة مكتومة في وجه زمن فقد إنسانيته، حيث يتحوّل الوطن من حضن إلى جدار، ومن ملاذ إلى مِتراس. ونجحت ليلى مهيدرة في خلق نص سردي مُشحَن بالتأمل والرمزية، وتتداخل فيه الذاكرة بالمكان، والخذلان بالأمل المنكسر، في تجربة أدبية رفيعة تُعيد للسرد مهمته الأصيلة: أن يُلامس الحقيقة من عمق الألم، لا من سطح الحكاية