
حين نتقصى البحث في عمق المدونة الثقافية العربية فإننا نجد أن الشعر حظي بمنزلة عظمى في المفكرة العربية فهو ديوانها وسجلها وناقل أخبارها وأيامها والمعبر عن أفكارها ووجدانها ، غير أن مادة الشعر وهي تتشكل في داخل الأخيلة والتصاوير ويقيم معمارها الإيقاع والوزن لم تكن إلا مجرد قصص وسرود تتخفى داخل عباءة الشعر دون أن تسقط هوية الشعر، لذا لم يجد المتلقي العربي أي نشاز حينما كان السرد قائما إلى جانب الشعر ينتج خطابه بأنساق مختلفة وبمحتويات متباينة ،بل إنه احتفى احتفاء غير مسبوق بالمنتج السردي حينما فتحت كليلة ودمنة الباب على مصراعيه للسردية العربية لتتشكل سرود جديدة مثل ألف ليلة وليلة أو مائة ليلة وليلة والسير سواء سير التراجم أو السير الذاتية والموضوعية أو السير الشعبية كسيرة عنترة والسيرة الهلالية وسيرة سيف بن ذي يزن وسيرة الظاهر بيبرس وغيرها وظهرت مقامات بديع الزمان في القرن الرابع مؤسسة لمشروع سردي جديد غير مسبوق في الثقافة العربية لتفتح هي الأخرى الباب لظهور مقامات محاكية لنهجها السردي كما عند الحريري وابن الجوزي والجزري و امتدت بتأثيرها إلى العصر الحديث إلى مقامات اليازجي ؛ ولعل الناظر في هذه المتون السردية سيجد أن كل واحدة منها انفردت بثيماتها وأنساقها السردية والجمالية والفنية وإن اشتركت في مناح تفرضها لعبة السرد نفسه كارتكازها على ثنائية النطق والاستماع وتعدد الرواة غير ان بعضها انفرد بوجود حكاية إطارية كما في كليلة ودمنة وفي ألف ليلة وليلة تحديدا.
الحكاية الإطارية في النص السردي
تعتبر “مايجير هاردت” الحكاية الإطارية ” ذلك السرد المركب من قسمين بارزين لكنهما مترابطان ، أولهما : حكاية أو مجموع الحكايات التي ترويها شخصية واحدة ، أو أكثر وثانيهما تلك المتون وقد رويت ضمن حكاية أقل طولا وإثارة بما يجعلها تؤطر تلك المتون كما يحيط الإطار بالصورة ” وهو ما جعل الإسناد أمرا لافتا في بنية السرد، كما لو أن التركيز في الحكي يكون على عرض الرواة أكثر من عرض الحكاية نفسها ، ولعل هذا السرد المركب هو ما سمح لنموذج مثل كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة بتفريخ عدد كبير من الحكايات التي تتوالى وتتولد داخل المتن بشكل متواصل دون أن تفقد لحمة الحكاية أو تهتكها أو تصيبها بشرخ صغير يدفع بها نحو التشظي ، فالخطاب في كليلة ودمنة يتولد حكائيا منذ البداية عبر طرح السؤال النمطي وكيف كان ذلك ؟ لتشرع الحكاية بعبارة نمطية تتردد على رأس غالب الحكي هي” زعموا أن” من أجل ضرب المثل واستنباط الحكمة واستخلاص الموعظة لتهذيب النفس التي تعد الغاية العظمى لهذا الكتاب كما أخبر بذلك صاحبه في نهايته ، وفي ألف ليلة وليلة تتولد الحكايات على لسان شهرزاد لضرورة ملحة تنقل فيها الموت إلى الحياة لإنقاد بني جلدتها من الفتك بهن على يد الملك شهريار؛ وتمضي الحكايات بسلاسة وبساطة رخوة لينة في كتاب ابن المقفع وفي ألف ليلة وليلة لتسمح باستدعاء وتوليد الحكايات التي تتغذى من الحكاية الإطارية / الأم التي استطاعت أن تفرخ حكايات ثانوية أسهمت في بناء العالم السردي وتأدية وظائفها الأخلاقية والقيمية في كليلة ودمنة وتأدية دورها في الإنقاذ في ألف ليلة وليلة وتحقيق الإمتاع عبر ثنائية الإلقاء والاستماع ، حيث استطاعت شهرزاد عبر فنية الإلقاء أن تشد سمع شهريار إلى متنها الحكائي المشوق وقد أعانها في ذلك زمن السرد الذي مكنها من توليد حكايات جديدة سواء من الحكاية الأم أو إدخال متن جديد حينما تسمح لراو آخر بالحكي من أجل مد نفس الحكاية لتحقيق هدفها وهو إبدال الموت بالحياة، كما استطاعت كليلة ودمنة ان تشد القارئ إلى عالمها السردي المتخيل عبر هذا التوليد المستمر الحكايات التي تتفرخ ايضا من داخل الحكاية الأم .
ألف ليلة وليلة وفضاء الحكاية الإطارية
تمثل ألف ليلة وليلة نموذجا أدق من غيرها من السرود القريبة ككليلة ودمنة للحكاية الإطارية ، لما تتيحه لغتها الرخوة من قدرة على تفريخ متون حكائية جديدة وفي لحظات زمنية مختلفة سمح بها زمن السرد ، فتركيبة النص المشكل من ست وتسعين حكاية تحتوي على مئات الحكايات وثلاث وعشرين حكاية كاملة لا تتضمن أي متن خارج إطارها كلها سيتلقاها الملك على لسان شهرزاد ، اتسمت بليونتها السردية ما جعلها قابلة لاحتواء حكايات دخيلة من رواة جدد يظهرون بين الفينة والاخرى في الحكاية خاصة لحظة التخريف التي تمارسها شهرزاد ما يصيب الفعل الحكائي بنوع من الارتباك الذي منحه الراوي الجديد ثباته السردي ، لتستمر الحكاية ويظل الملك مصغيا للجديد الحكائي أسيرا للعبة السرد أمام حاكية ماهرة تمتلك خيوط اللعبة وتستطيع أن تتلاعب بمخيلة المروي له كما عبر عن ذلك جيرالد برنس ” فليس أمام شهرزاد سوى توظيف موهبتها بوصفها راوية حكايات وإلا فمصيرها الموت ” ، هذه الموهبة والمهارة في الحكي هي التي مكنتها من صرف انتباه شهريار عن قتل بني جنسها ورميه في شباك الحكاية لليال متواليات حتى يتم اللقاء بينهما وتتحقق الغاية الكبرى من الحكي .
إن ألف ليلة وليلة وهي تشيد عالمها الحكائي شيدته وفق ثنائية النطق والاستماع التي شكلت موجها للبنية السردية ، فالراوي شهرزاد يضطلع بمهمة التسريد عبر مفارقة المروي نظرا لتأسس الحكاية على سلاسل من الرواة الذين يأخذون نصيبهم من الحكي أحيانا ، ويظل المروي له في ألف ليلة وليلة أكثر أهمية لما يمارسه من إصغاء ممعن وشديد لكل حكاية تلقى ما أسهم في وصول الحكايات إلى ذلك العدد الكبير، ويظل المروي له ثابتا بينما يتعدد الرواة سواء ذلك الراوي الظاهر أو الخفي المعبر عنه بعبارات من قبيل ” قال صاحب الحديث و زعموا أو بلغني أوما شابه هذه العبارات التي تأتي على رأس الحكاية الجديدة ، وهو السبب الكافي لخلق التعدد الحكائي في ألف ليلة وليلة.
سمات البنية السردية في ألف ليلة وليلة
صحيح أن ألف ليلة وليلة تتوجه من راو أساسي هو شهرزاد في عدد من الحكايا إلى مروي له ثابت هو الملك لكنها وبفضل زمن السرد وتحقيقا لغاية الانقاد تتخلى عن هذه الثنائية حينما تستدعي رواة آخرين يضطلعون بمهمة السرد في متون أخرى ، ما يمنح الحكاية الإطارية قوتها التوليدية التي تتفرخ منها حكايات ثانوية جديدة كما تظهر ذلك حكاية السندباد حيث تبدأ برواية شهرزاد ليدخل السندباد على الخط ويشرع في سرد حكاياه المتوالية فيتعدد المتلقون ، فهو يحكي للسائس حكايته الأولى ثم يكون الملك المهرجان متلقيه الثاني ثم صاحب المركب متلقيا ثالثا وبعدها تبدأ حكايته الثانية التي يسرد فغيها حكايتي طير الرخ و تجار الألماس للسندباد البري ثم يحكي لتجار الألماس قصة أخرى وبعدها يحكي للتجار حكايته مع الأسود والحية ثم يحكي حكايته لصاحب المركب من جديد وهكذا تتعدد الحكايات ويتعدد المروي له ، وفي حكاية حاسب يظهر هذا التعدد بشكل أكبر حيث شهرزاد تضطلع في البدء بالحكي للملك شهريار كعادتها فيأخذ حاسب دور الراوي ليحكي لملكة الحيات ثم للتجار وتشرع ملكة الحيات هي نفسها بالحكي لحاسب كريم الدين و”بلوقيا” فتسرد حكايتين هما حكاية بلوقيا وحكاية جانشاه الذي يتحول هو الآخر إلى راو جديد يسرد حكايات لبلوقيا وللشيخ نصر ولشمسة ول “طيغموس ” ولملك الوحوش وللملك شماخ وللراهب “يغموس” ويظهر راو آخر من جنس غير آدمي هو الطير الذي يروي حكاية القلعة ليغموس الراهب وجانشاه الذي يروي من جديد للمارد ولشمسة زوجته ويتم إسناد السرد لشمسة لتحكي لأبيها وأمها ويقوم الأب بالحكي لمردة الجن ، أما بلوقيا فيتولى الحكي لعفان وللخضر ولأهله ، فيكون مجموع الحكايا واحد وعشرون توزعت في أربع مستويات تعدد فيها الرواة ، ويتخفف هذا التعدد شيئا ما في حكاية العفريت والتاجر التي ضمت تسع حكايات يظهر فيها ثلاثة شيوخ يوجهون حكاياتهم للعفريت حيث يسرد الشيخ الأول حكاية ابنه وامرأته المسحورين ثم حكاية زوجته المسحورة ويبدأ الشيخ الثاني لافي سرد حكايته مع أخويه ثم مع زوجته ثم حكاية زوجتهه مع أخويه ، أما الشيخ الثالث فيسرد حكاية زوجته البغلة وحكاية زوجته مع العبد الاسود ثممع الجزار ثم يختم بحكاية مع ابنه الجزار.
إن النظر في هذه الأمثلة المساقة يكشف بجلاء على أن الحكاية الإطارية سيجتها ثنائية الراوي والمروي له متخذة أنساقا بنيوية مختلفة التركيب ، فبين إطار عام تسيجه شهرزاد لتنتظم داخله الحكايا الثانوية سواء عبر تعدد الرواة أو عبر تعدد المروي له ذلك أن بعض الحكايا في ألف ليلة وليلة اعتمدت على الراوي الوحيد في مقابل تعدد المروي له كما في حكاية السندباد البحري الذي يتولى عملية الحكي لوحده فيظل ثابتا بينما يتعدد متلقوه ، فتتفرخ الحكايا وتنتظم في إطار الحكاية الأم المؤسسة للحكي ، وقد يتعدد الرواة عبر سلاسل إسنادية ويكون المروي له ثابتا كما في التاجر والعفريت حيث يظل العفريت هو المروي له الذي يتلقى الحكايات التسعة وقد يشمل التعدد الرواة والمروي له كما أكدت على ذلك بنية السرد في حكاية حاسب ، وأمام هذا التعدد الجمالي والفني فإن المروي هو الآخر يخضع لنفس النهج وهو التعدد ، فالمتون الخرافية وهي تتوالد من رحم الحكاية الإطارية تحاول أن تكتسب نوعا من الاستقلالية الظاهرية لكنها لا تستطيع ذلك إلا في إطار يحكمها وهو الحكاية الإطارالتي تخضع لبرمجة سردية متفق عليها ضمنيا بين شهرزاد وشهريار، وإن خضعت لفعل التكرار عند الراوي المتماهي بمرويه عبرفعل الإضمار كما بين ذلك الدكتور عبد الله إبراهيم يقول:” نصطلح على صيغة تكرار رواية الفعل هذه الإضمار إذ يضمر الفعل الحكائي ويستعان بالتعبير عنه بجملة ، تجنبا لروايته بالتفصيل الذي حدث فيه ” ، إذ إن هذا التعدد وإسناد الأدوار لرواة جدد يتقارب فيها بعضهم من بعض سيؤدي إلى تكرار الحكي الذي يستعاض عن تفاصيله بعبارات تحيل على الحكاية خاصة عندما لا يكون المتلقي خالي الذهن لعلمه بالحكاية مسبقا فلا يضطر الراوي لإعادة الحكي .
إن السمة الواسمة للبنية السردية في ألف ليلة وليلة هي التعدد الذي ظهر أنه يشمل مثلث الرواية من راو ومروي ومروي له ، ولابد أن هذه السمة أدت إلى خلق جماليات حكائية فريدة منحت ألف لبلة وليلة تفردها السردي في المدونة السردية العربية وجعلتها تتعالى بأنساقها عن غيرها ، فالعلاقة بين الراوي والمتن تبدو في كثير من الحكايات متباعدة تجعل الراوي مفارقا لمرويه فشهرزاد تنقل الحكاية كما أخبرت بها من قبل الرواة عبر سلاسل الإسناد كما حصل تماما في نقل الخبر والحديث ، ويكون الراوي أحيانا في حكايات أخرى مشاركا في الحدث ما يجعلها راويا متماهيا مع مرويه كما في السندباد البحري وهو يحكي ما وقع له ، أما المروي له فيظل في موقع التلقي لكن بدرجات تتباين بين المتلقين لاختلاف مواقعهم من الحدث ، فثنائية النطق والاستماع ظلت تشتغل على امتداد الحكي من ألفه إلى يائه ، وشهرزاد كانت على وعي تام بهذه الثنائية لأن داخلها تتشكل ثنائية الموت والحياة ، إذ سيكون نجاحها إنقادا لبني جنسها من الموت لذا لابد أن تغزل خيوط الحكايات غزلا جميلا وأنيقا ومشوقا ومثيرا ليسمح شهريار للحكي بالاسترسال والتقدم .
الرواية والفعل القصصي في ألف ليلة وليلة
إن تعدد مستويات الرواية سمة ظاهرة في هذا المنتج السردي نظرا للغنى الحكائي الذي مازه تحت إشراف الحكاية الإطارية ، ما يصيب الفعل القصصي بنوع من الارتباك والانفصام ويضعه في خانة الإرجاء ، ما يجعل الرواية ذات أهمية في السرد لأنها تضطلع بعمل تنظيم خيوط السرد في الزمن وإنعاش الفعل القصصي عبر تغذيته بحكايات جديدة تعمل على إرجاء وتأخير النهاية دوما بشكل عمدي لتحقيق هدف شهرزاد من الحكي ، ولعل هذا التوجه السردي هو ما جعل ألف ليلة وليلة سردية مؤلفة من نسيج روايات وليس بناء أفعال بفضل بنيتها الرخوة ، إذ إن فعل المناقلة بين الرواة وتبادل المواقع بينهم خصّب الحكاية عبر تنظيم سلسلة متوالية من الحكايات التي أجلت النهاية ، فكان للفعل القصصي دوره الأكبر في مد الحكي والسير به مطولا لليال عديدة تحقيقا للهدف الأسمى وهو إبدال الموت بالحياة ؛ ولعل هذا الوسم هو ما جعل ألف ليلة وليلة رواية أفعال تتكرربفعل المناقلة والإضمار،وهذا التكرار حقيقة يظل واحدا من أهم الوسوم الفنية والجمالية التي أثتت فضاء الحكاية الخرافية في ألف ليلة وليلة ما سيؤدي إلى تغير في المهام حينما يتم تناقل الأدوار بين الرواة فيتحول الراوي إلى مروي له والمروي له إلى راو ينقل الحكاية إلى متلق جديد ، وهو ما يجعل الرواة يمتلكون زاويا جديدة يتموقعون فيها لبدء عملية التسريد لتغتني ألف ليلة وليلة وتمنحنا هذا الزخم الكبير من الحكايات التي نعتها الدكتور عبد الله إبراهيم بالفروع والأغصان المنبثقة من الشجرة فقال : ” وكشفت لنا ترسيمات بعضها عن تعدد الحكايات ومستويات الرواية فيها مما يدل دلالة واضحة على أن شجرة الحكاية الخرافية كثيرة الفروع وأن فروعها عديدة الأغصان”، هذا التفرع الجمالي الذي خلقه فعل التسريد هو ما أسهم إيجابا في تشكيل بلاغات متعددة للتلقي سواء داخل البنية السردية أو خارجها.
إن بنية السرد في ألف ليلة وليلة يحكمها فعل المناقلة وتبادل الأدوار التي تسيجها الشفهية التي مازت المحضن العربي دون أن يعمد فيها الرواة خلق تنام متواصل للحكاية في إطار متعاقب تحكمه الكرنولوجية بشكل دائم بسبب التقطعات والإرجاءات والاستباقات التي تلحق السرد في كثير من المواضع ، ما يجعل فعل الرواية هو المتحكم في عملية التسريد خاصة وأن الراوي مفارق لمرويه لا تربطه به صلة سوى نقل الحكاية والإخبار بمتنها ما يسمح باختراق حكايات جديدة تتخصَّب داخل ألف ليلة وليلة ، يتناقلها رواة كثر عبر سلاسل إسنادية تجعل الراوي غير مرتبط وجداني بما يجري في الحكاية بقدر ما يرتبط به إخباريا وهو الأمر الذي انعكس على التلقي الذي جعل من الحكاية الخرافية موضوعا للأسمار والاستمتاع في النوادي والمجالس ولذلك لم يكن غريبا أن يتنافس الحكواتيون في عرض الحكاية السيرية في النوادي والاجتهاد في إبداع الإلقاء وطرائقه لاستقطاب الجمهور رغم الاشتراك بينهم في المتن فقد كان المتلقي يؤثر هذا الحكاء على غيره لبراعته في النقل وقدرته اللافتة على جذب الأسماع إليه ، لذا ظلت ثنائية النطق والاستماع مهيمنة في السردية العربية وموجهة لها ومؤسسة لوجودها الفعلي في المدونة السردية العربية تسيجها بلاغة التلقي كقطب جمالي لعب دورا كبيرا في تشكلها في صور مختلفة داخل محضن عربي كان الشعر ديوانه الأول.






