
في زمن تتهاوى فيه المعالم، وتختلط الأصوات، ويُصارَع فيه الشعر العربي على حدود وجوده بين مطرقة التغريب وسندان التفكيك؛ يتحوَّل السؤال الشعري من قضية إيقاع أو قافية إلى استفتاء مصيري يتعلق بهويَّة الأمة وذاكرتها الجمعية؛ فالقصيدة اليوم لم تعد مجرد ديوان للعرب؛ بل صارت ساحة معركة ضارية بين من يريدون لها أن تبقى مرآةً للضمير العربي الأصيل، ومن يسعون لتذويبها في بحر من النصوص السائلة التي لا تحمل وزنًا ولا تثبت على قافية.
وفي خضم هذه العاصفة التي تعصف بالذائقة والمنهج، يقف الشاعر والأكاديمي المصري حسن عبد الفتاح الحضري كقلعة منيعة، لم تهن له قناة، ولم تلن له عزيمة؛ جعل من الدفاع عن القصيدة العمودية مشروعَ حياة، ومن اللغة العربية قضية وجودية لا تقبل المساومة؛ هو الذي ارتوى من ماء الصعيد العذب، وتشبَّع بجماليات التراث؛ ليحوِّل معركته الأدبية إلى ملحمة دفاع عن الجوهر ضد الشكل الزائف.. وكان لنا معه هذا الحوار:
· إلى أي حد أسهمت نشأتك في صعيد مصر، بما تختزنه من تراث وذاكرة شفوية، في تشكيل وعيك الشعري والنقدي؟
الحضري: تهتم محافظات صعيد مصر بالحفاظ على العادات والتقاليد والموروث الثقافي والتاريخي واللغوي، كما أن جذور عائلتي عربية الأصل، وكان العرب الذين يفِدون إلى مصر؛ يقيمون في مناطق متقاربة تمثِّل بؤرة للتمركز العربي، ومنها محافظة المنيا التي تقيم بها عائلتي منذ مئات السنين، ولذلك ظلت ثقافتنا وهويَّتنا العربية متواجدة لم يعبث بها الزمن، وأذكر أن أحد أساتذتي في أثناء دراستي بكلية الآداب في جامعة المنيا، وهو الأستاذ الدكتور أحمد السعدني رحمه الله؛ قال لي مرَّة: إنَّ سرَّ فحولتك الشعرية يرجع إلى أصلك العربي.
· هل كانت اللغة العربية بالنسبة إليك اختيارًا معرفيًّا أم قدرًا وجدانيًّا تحوَّل مع الوقت إلى مشروع فكري وثقافي؟
الحضري: أذكر أنني حين كنت تلميذًا صغيرًا في الصف الثاني الابتدائي؛ كان معلم اللغة العربية يتعجب من درجة تفوُّقي وسرعة حفظي وحُسن فهمي وعدم وقوعي في الأخطاء التي كان يقع فيها زملائي، فتكلَّم في هذا الأمر مع ناظر المدرسة، الذي جاء إلى الفصل في حصة اللغة العربية، وسألني أسئلة في المنهج وطلب مني الكتابة على السبورة، ثم قال للمعلم: (إن هذا الطفل سيكون عالمًا في اللغة العربية)، وكنت أقول في نفسي وقتها: (لماذا يقولون هذا الكلام؟ إنه من الطبيعي أن نكون كلنا متفوقين في اللغة العربية).
· متى أدركت أنك لا تكتب القصيدة بوصفها نصًّا أدبيًّا فحسب؛ بل بوصفها موقفًا حضاريًّا ودفاعًا عن الهويَّة؟
الحضري: حين وجدت كثيرًا من الناس يكتبون الخواطر النثرية ويسمُّونها شعرًا، مع أن الشعر له قواعد يجب الالتزام بها، لكن بعض الناس يعتقدون أن الشعر ثقافة ترفيهية، وأن كل إنسان يمكنه أن يعبِّر عن هذه الثقافة بطريقته؛ وهذا هو الذي جعلني أطالب الدولة، في بعض لقاءاتي بالبرامج الإذاعية والتليفزيونية؛ بالتدخل لحماية قواعد الشعر العربي من العبث، وقد اعترض على كلامي وقتها بعض المثقفين، زاعمين أن الشعر يجب أن يتطور في شكله ليناسب العصر؛ وقد تيقنت من خلال هذه المواقف أن الدفاع عن الشعر هو دفاع عن الهويَّة ضد الثقافات الدخيلة التي تهدف إلى تمزيق هويَّتنا وتغيِيب معالم حضارتنا.
· تُعرف بدفاعك عن القصيدة العمودية؛ فهل تخوض معركة دفاع عن شكل شعري أم عن الذائقة العربية والهوية الثقافية؟
الحضري: دفاعي عن القصيدة العمودية هو دفاع عن الثوابت التي لا تقبل التغيير ولا التبديل ولا يمكن العبث بها؛ فالشعر يجمع بين العلم والفن، والقواعد تتعلق بالعلم، وقد تم تأصيلها على أيدي العرب الأقدمين ولا مجال للعبث بها؛ أما الجانب الفني في الشعر فيتعلق بالأغراض الشعرية وطرق التعبير عنها.
· لماذا ترى أن ما خرج عن القالب العمودي التقليدي يخرج عن مفهوم الشعر؟ وهل يمكن أن يتسع المشهد الأدبي لأشكال تعبيرية أخرى دون المساس بأصالة الشعر؟
الحضري: علماء الأدب واللغة القدماء حسموا مسألة الخروج عن أوزان الشعر؛ ومن ذلك قول ابن دريد [ت: 321هـ]: «لا يُقبَل من الشعر المستقيم الأجزاء إلا ما وافق أبنية العرب، من العروض الذي أُسِّسَ على شعر الجاهلية»، وعلوم الأدب لا تقتصر على الشعر؛ فمن كان له شغف بالأدب ولا يستطيع أن يقول الشعر؛ يمكنه أن يعبِّر من خلال أشكال أدبية أخرى حسب قواعدها.
· هل أزمة الشعر العربي اليوم أزمة شكل وبناء، أم أزمة قارئ وذائقة ومؤسسات ثقافية؟
الحضري: السبب الأول في أزمة الشعر العربي اليوم يرجع إلى المؤسسات الثقافية؛ الرسمية والخاصة على حدٍّ سواء؛ لأنها تتجاهل أهم دور لها وهو التوعية الثقافية، التي يجب أن تتعامل مع الشعر بوصفِهِ عِلمًا له قواعده الثابتة؛ ويرجع ضعف المؤسسات الثقافية إلى اتِّباعها الروتين والبيروقراطية في تعيين القيادات والمسؤولين؛ بينما يجب أن تكون القيادة الحقيقية في هذه المؤسسات للمبدعين المتمكنين، وأن يعمل كلٌّ منهم في مجاله الذي يتقنه ويحيط به إحاطة تامة تجعله قادرًا على اكتشاف المواهب وتنميتها وتوجيهِهَا إلى المسار الصحيح.
· في كتابك «القرآن الكريم يحدد ماهية الأدب»، ما الذي دفعك إلى خوض مواجهة فكرية مع الحداثة الشكلية؟
الحضري: لقد حاول بعض الحداثيِّين التأصيل لمنهجهم من خلال استشهادات مزعومة بالتراث، لم يحسنوا فهمها، وأرادوا توجيهَهَا إلى ما يحقق أهدافهم، لذلك قمت بمواجهتهم من خلال التراث، ومن خلال التأويل الصحيح للمسائل التراثية التي أوَّلوها بما يوافق أهواءهم؛ وقد تناولت في كتابي «القرآن الكريم يحدد ماهية الأدب» مفهوم الشعر بمعناه الحقيقي؛ فقد حسم القرآن الكريم التعريف الصحيح لمفهوم الشعر؛ وذلك في قول الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: 69], فالله تعالى قد ذكر الشعر بصيغة التعريف، وهو ما يفيد العموم؛ أي إن المقصود بـالشعر هو ما كان متعارَفًا عليه بين العرب آنذاك بهذا المسمى؛ وهو الكلام الموزون المقفَّى، الذي لا يقل عن بيتٍ كامل، وقد وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم بأوزان المشطور والمنهوك وأوزان أنصاف الأبيات، ومع ذلك لا يمكن أن نسمِّيها شعرًا؛ لأنها لم ترِد بوزن بيت كامل، وبالتالي فإن ما يكتبه الحداثيون مما يسمَّى بشعر التفعيلة والشعر المنثور؛ لا يمكن أن يسمَّى شعرًا.
· أين تقف بين الأصالة والتجديد؟ وهل يمكن بناء حداثة أدبية تنطلق من التراث دون أن تقطع صلتها به؟
الحضري: فيما يتعلق بالشعر فإنَّ قواعده ثابتة، أما التجديد فيكون في مضمونه وأغراضه وموضوعاته، وفي الجانب البلاغي، وكذلك في لغته ولكن بحيث لا تنحدر إلى لغة العوام؛ لأن أدب اللغة هو حُسن تناوُلِها وانتقاء مفرداتها واستعمالها في موضعِها الصحيح بأسلوب جيد؛ وبذلك تكون الحداثة الطبيعية التي تولد من رحِم التراث وتحافظ عليه.
· بوصفك ناقدًا، ما الأزمة الأكبر التي يعيشها النقد العربي اليوم: غياب المنهج، أم ضعف القراءة، أم هيمنة المجاملات؟
الحضري: المشكلة الكبرى تتمثل في غياب الوعي، واعتماد المؤسسات الثقافية على المجاملات في تعيين المحكِّمين والنقاد؛ فبعض المؤسسات تأتي بأناسٍ لا علم لهم بالشعر، وتجعلهم محكِّمين ونقادًا في المسابقات الشعرية؛ وبجانب ذلك فإن مواقع التواصل الاجتماعي قد أوجدت أناسًا لا علم لهم بشيء من علوم الأدب، ولا عمل لهم إلا كتابة تعليقات صغيرة بغير علمٍ، تتطور بعد ذلك إلى مقالات، ثم نجدهم من الأسماء اللامعة في النقد ونجدهم محكِّمين في مؤسسات ثقافية رسمية وغير رسمية، ولا نعرف كيف وصلوا إلى ذلك بغير علم؛ كما أن معظم الذين يتولون المناصب في وزارة الثقافة أصبح لهم دور كبير وتأثير واضح في إصدار الأحكام النقدية ولو كانوا غير متخصصين وغير مبدعين، والأعجب من ذلك أننا نجدهم قد حصلوا على جوائز الدولة وتكريماتها باعتبارهم شعراء وأدباء ونقادًا، وحين نبحث عنهم نجد أنهم حصلوا على ذلك كله من مجرد وظيفة كانوا يتولونها دون أهليَّة لهذه الوظيفة ولا استحقاق لِما ترتَّب عليها؛ وحين يكون الناقد جاهلًا فإن أحكامه تتجه إلى المجاملات وتضل عن المنهج العلمي.
· هل ما زالت المؤسسات الثقافية قادرة على صناعة رموز أدبية حقيقية، أم أن المنصات الرقمية والمؤثرين أصبحوا أصحاب النفوذ الثقافي الأكبر؟
الحضري: معظم المؤسسات الثقافية الرسمية وغير الرسمية قد أثبتت التجارب والمواقف فشلها؛ بسبب غياب الوعي، وسوء التنظيم، والإدارة الروتينية؛ أما المنصات فقد اكتظت بالطائفتين: المبدعين الحقيقيين، والمتطفلين؛ وتبقى بعد ذلك مسألة الوعي لدى القرَّاء، ومن القرَّاء من يحتفظ بذائقته السَّويَّة، ومنهم من دمرت المؤسسات الثقافية ذائقته، ومنهم من يبحث عن توعية صحيحة.
· خضت صدامات مع بعض المؤسسات الثقافية؛ فهل كانت تلك التجارب كشفًا لأزمة الثقافة العربية أم لأزمة المثقف العربي نفسه؟
الحضري: الأزمة الحقيقية في التعامل الرسمي مع الثقافة؛ فإن بلادنا لا تتعامل مع الثقافة بوصفِها ممثِّلًا للهويَّة؛ بل باعتبارها عملًا روتينيًّا، ولذلك انتشرت المؤسسات الثقافية الخاصة، التي يعمل معظمها على محاربة المبدعين الحقيقيِّين الذين يتصدون لعبث هذه المؤسسات.
· إلى أي مدى يدفع المثقف المستقل ثمن مواقفه عندما يرفض الخضوع للمصالح والشللية الثقافية؟
الحضري: مع الأسف الشديد كل من يرفض الخضوع للمصالح والشللية الثقافية يتم تهميشه وحرمانه من الجوائز التي يستحقها، وإذا تكلَّم فإنه يضع نفسه في حرب تستنزف وقته وجهده.
· قدَّمت استنباطات جديدة في علم العروض؛ فهل ترى أن الحفاظ على موسيقى الشعر العربي جزء من الحفاظ على هوية اللغة العربية؟
الحضري: استنباطاتي العروضية نابعة من التأصيل العروضي القديم ومتمِّمة له، ولذلك فإني أرى أنها كانت معروفة للعروضيِّين القدماء، لكن عدم وضوحها للمحدثين جعلهم يقعون في كثير من الأخطاء التي تتزايد يومًا بعد يوم، لذلك ذكرتُ هذه الاستنباطات مدعومة بالأدلة؛ فالحفاظ على أوزان الشعر، والانتباه إلى دقائقها الخفيَّة، والتعامل معها بوصفِها علمًا يجب الالتزام بقواعده؛ يُعَد جزءًا أصيلًا من الحفاظ على هويَّتنا ولغتنا العربية.
· بين قصائد الحب والحنين والمديح النبوي، هل تكتب الشعر لفهم الحياة ومقاومة الألم، أم لإعادة صياغة العالم وفق رؤيتك الخاصة؟
الحضري: الشعر يعبِّر عن الحياة، وهذا التعبير يستوجب الفهم الصحيح للحياة، والحياة متنوعة بين الأمل والألم، فيأتي الشعر للتمسك بالأمل ومقاومة الألم، ولا شك في أن ذلك يساهم في إعادة صياغة العالم.
· بعد هذه الرحلة الطويلة في الشعر والنقد والبحث، كيف يريد حسن الحضري أن يخلِّده التاريخ: شاعرًا، أم ناقدًا، أم صاحب مشروع فكري وثقافي؟
الحضري: يحتل الشعر عندي المقام الأول والخطوة الأولى؛ فلولا الشعر ما أصبحت ناقدًا، ولولا ممارسة النقد ما توصلت إلى الفكرة التي أسَّست عليها مشروعي الفكري والثقافي الذي يتعلق باللغة العربية والأدب والتراث.






