اسلام عادل
اسلام عادل :
نلهث و نتصبب عرقا حين نهم الى البيت بعد يوم عمل شاق, قبل العيد بأيام قلائل نقضي معظم الوقت هناك, في مخبز ابي حيث تثقل اعباءنا في مثل هذه الايام. كنا قد غادرنا عند الساعة الثانية صباحا مع ابي. في الغالب, نرجع الى البيت سيرا على الاقدام او على دراجة ابي الهوائية ان كانت صالحة لتقلنا, نتلضى بنيران الشمس و الخبز كي نحصل على بقشيش قدره عشر فلوس.
لم اكن اشعر بالتعاسة وقتها, رغم ان الحرمان كان قاسيا, فكنا بالكاد نقتات على ما تشتريه امي بالفلوس القليلة التي يحصلها ابي في عمله كخباز. مخبزنا في منطقة ريفية كنا نقيم بها قبل ان ننتقل الى هذه المدينة التي لا تتسع لفقرنا. و لم يكن مخبزنا حتى و انما كانوا يسمونه “تمويل” فما كان ابي الا عامل يراعي مقايسس “الشنكة” لئلا تعتقله رقابة الامن الاقتصادي في السبعينات.
قطرات العرق التي تتساقط من جبين ابي القانط تتحول الى فلوس نسد بها رمق العيش. لم نكن الوحيدون الذين نعجن بالقلة و الحرمان, فكنت ارى اوجاع النساء اللواتي يتجمعن في طوابير بانتظار الخبز و هن ملفحات بعباءات سوداء لا تبدي منهن غير عين واحدة و كف صغيرة جعدها برد الصباح.
كنا اثنى عشر طفلا, تسع اولاد و ثلاث بنات, كان ترتيبي رقم سته و كان معي اخي تؤام.
كان ابي بالعادة يستحصل 150 فلسا يوميا, منها 100 فلس لوجباتنا يوميا اي لحوالي اربعة عشرة شخصا, ما يعني بالكاد كانت امي تستطيع تدبير ثلاث وجبات اغلبها من الباقلاء او الخبز و اللبن. أنه لن يتناول وجبته في ذلك اليوم..
كنت اريد دائما ان اذوق زبدا.. او سمك.. و كان علي لاخفف من تفكيري ان اامل الحصول عليه في العيد عند جدتي..
وجبة باقلاء او خبز و لبن نتدافع لتناولها في وقتها, و ان لم يقدر احدنا على الامساك باطراف الخبز, فلن يتناول طعامه ذلك اليوم, الى ان ايضفر بوجبته القادمة ان وجدت!
بيتنا مازال قائما الى الان و هو عبارة عن حوش يتوسط ثلاث غرف صغيرة و حمام. و البيت كله عبارة عن حفرة عميقة و كبيرة في منطقتنا التي لم تكن حال بيوتها احسن منا.
في الشتاء, اطرافنا تتجمد, لم ننعم ببطانية او فراش وثير لندفن به ارواحنا الباردة النعسة. اختي تلف جسدها النحيل بعباءتها, امي كذلك اما نحن فلطالما كنا ننام على فراش خاطته امي من بقايا اقمشة كانت تخطيها لنا في العيد الماضي.
العيد..
نذق طعم العيد بأبسط الثياب التي نبتاعها من اجورنا اليومية الضئيلة. بعضنا يعمل مع ابي كخبازين و البعض الاخر في محلات للنجارة.
نواظب على ادخار بعض النفود بين الحين و الاخر لنسعد انفسنا بالعيد. فرحة العيد لم تكن لتكتمل لولا علمنا بوجبة اللحم التي سنأكلها في بيت جدي. كان جدي رجل مقتدر لدرجة الكفاف ليقدر على ذبح دجاجة او شراء بعض اللحم ايام الجمع و المناسبات. فكننا ننشده في هذه الاوقات لنأكل شيئا محببا يكون اجسادنا التي بحاجة الى ان تنمو بعيدا عن الفاقة.
اثنى عشرة طفلا حول بساط صغير مع بعض الرز و اللحم مما صنعته جدتي. منكبوون نأكل بنهم, فالربما لن نحصل على وجبة مماثلة الى العام المقبل. حين استرجع تلك المشاهد بذهني, يخيل الي اننا كنا نصلح لان نكون ابطال فيلم وثائقي عن اطفال الاحياء الفقيرة في العراق ايام العيد. يخامرني احساس انا سنكون مشهورين, ابطال واقعيين, تضطرم مشاعر طفولتهم بهفوات الحياة, و هزات الواقع.
لا اذكر ان كانت امي تعرف تغير الكثير من اطلالتها في العيد. صبيحة العيد غالبا ما تغير من موقفها من ابي و تسامحه على اخر ضربة تلقتها منه. كانت متسامحة رغم ان صفعاته لم ترحم وهن بدنها و حياتها الشاقة. فتغمغم له بكلمات على مسامعنا لتبدأ حديثا معه.
او لعلها احدى مكائدها ليرافقها الى المقبرة لزيارة قبري والديها..
الا ان اكثر ما يذكرني بالعيد هو حمام ليلة العيد.
تقسمنا اختي الى مجاميع, ثلاث اولاد بكل مجموعة. كان الامر قاسيا علينا لقسوة اجواء الاستحمام ذاتها. فحين يصادف العيد في الشتاء, تقوم بغلي الماء في قدر كبير من الالمنيوم كنا قد ورثناه من جدتي التي استغنت عنه لانها لا تقدر على حمله بعد ان شاخت. يغلي الماء لساعات تحت نار فاترة على موقد نفطي صغير بالكاد يتوازن عليه القدر. كانت صرخات اختي تتعالى في الحمام لتمنعنا من الافراط بالحركة الذي من الممكن ان يؤدي الى ان نحترق بالماء.
انا وفي لهذه الذكريات التي اقصها, الاجواء التي اصفها و الذكريات التي استرجعها. انا وفي بسردي لخشونة ليفة كانت تمر على جسدي الجائع النحيل.
انا وفي للعوز..
و كم افتقد هذه الايام.. لقد شتتنا الحرب, و الموت.. كنا عائلة و اضحينا شتات.. ماتت امي و لحقها ابي بأشهر قليلة.. بعد ان مات ثلاث من اخوتي..
انا وفي للذكريات..
انا وفي للعوز..
انا وفي للفاقة و الالم..
انا وفي لاشخاص لن يعودوا…
يمرق العيد.. لا احس به, رغم اني استطيع ان استطيع ان استح ببانيو.. ان ارتدي اغلى الثياب.. ان ارتدي رباطا و ياقة بيضاء..
و لاني وفي فلن افعل ذلك…
احن للماضي, لذكرياتي, لجوعي و عازتي.. لاني لم اكن احس بها. كنت استمتع بها, لقد كنت سعيدا حقا.
اقدر الان على تناول اي شئ اشتهيه, كما يفعل اطفالي..
انا وفي.
—