منتهى عمران :
نامت مقررة طلب الإنفصال
عند استيقاظها على شخيره فزعة إثر كابوس ، هزتها رعشة برودة من أثر العرق الذي بلل جسدها المنهك ، شفاهها تغرد ببسملةٍ وصلواتٍ تطرد بها شيطانًا من الغضب يحاول العبث بهدوء الفجر ، افترشت سجادتها التي تمزقت من ركوعٍ وسجود ، لسنواتٍ تأبى أن تبدلها..تعلقت بها ..حملت معها كل شكوى ودعاء ودموع توسلٍ للرب كل صباح .
فاحت روائح لاتميز منها نوعا ، إذ تنوعت أطباق الإفطار ﻷمزجةٍ اختلفت..عادة ماتفرغ شحناتها في مكواة البخار تسحق بها ثيابًا لطالما أخذت منها عافيتها ، وخلّفت وراءها أوجاعًا مزمنة .
يخرج الجميع وهي آخرهم ، حاملةً معها شعورًا بالأسى لابنتها النائمة حتى الظهيرة ، تكاد تفقد الأمل في حصولها على وظيفةٍ أو زيجةٍ ، تنقذها من حبسها الاجباري.
غادرت شقتها المؤجرة في الطابق الثالث ، وهي تلعن السلم بدرجاته المتآكلة ، وتتمتم بحلمها بامتلاك دارٍ بلا سلم…تواصل المسير في طرقاتٍ تستفز أقدامها المتعبة ، و صباحها المرتفعة حرارته غيظا..يستقبلها أهالي التلاميذ عند باب المدرسة. .تشعر بالإختناق وسط دائرة من أصواتهم المزعجة بطلباتهم ، يتدللون عليها ، تقاوم كثيرًا حتى تخرج من نطاق الدائرة بسلامٍ دون ان يصب مزاجها غضبه عليهم ، تهادنه حتى يكف عن رعونته…
تدخل صفها ، تتطلع في وجوه تلاميذها وقد غُسل بعضها بالدموع وعلت بعضها الدهشة أو الخوف. ..عليها أن توحد شكل التعبير على وجوههم أولاً. ..توزع الحلوى مع ابتسامة ومسحة كفٍ على الرؤوس. . تحتضن الباكين لتبث الطمأنينة في النفوس ، و يستقر الحال ..تشرع في الإعلان عن الحروف الأبجدية التي سجلت اسمها في ذاكرة أجيال .
بعد خمس وعشرين عامًا حمل أحدهم باقة ورد امتنانًا ، أطفأ بها جذوة يوم ٍ عصيب…تركتها في الصف.. أسرعت علّها تلحق الوقت لسداد قسط السيارة ، ، عادت محملة بأكياس المؤونة والخضار ، صعدت سلمها الكريه بتثاقل، تضطجع أخيرًا على أريكتها الحبيبة مودعةً تعب اليوم ، تأخذها سنةٌ من نوم ..يمر عليها طيفٌ لأمها ، يطبع قبلة على خدها ، تحاول الإمساك به ، تجد نفسها في المطبخ تتابع وضع الوجبات المتتالية لإختلاف مواعيد عودتهم ، و ما إن تنتهي تكون قد أعدت وجبة العشاء بعد مشوار باركت فيه جارتها بمولودها الخامس ، وقراءة الفاتحة على روح أخت جارة أخرى ..
الليل يوشك على الإنتصاف ، تفتح الحاسوب لتلقي نظرة على صفحتها الشخصية ، و تشاغل الأصدقاء بخفة دمها ..مصادفةً نسىّ نافذة صفحته مفتوحة..تقرأ دردشة طويلة..تتمتم.. (لي شخيرك ولها الغزل) ، تمسح المحادثة ، تنقر خانة الحظر ،تغلق الحاسوب. .توقظه من نومه مرتديةً قميص نومها الجديد.
—