(يوماً ما
سننام بأردية ٍ بيضاء
وستنهض ُ أنت
لتغطينا) صادق الصائغ، نشيد الكركدن
(*)
في سنوات الخير والرفاهية والإبداع العراقي الأصيل، صدر كتاب (نشيد الكركدن) نسختي اشتريتها في 21/ أيار/ 1978ها أنا الآن أكتب ُ عن الصادق الصائغ الوسيم في شهر أيار.
التقينا مرتين، الأولى في مؤتمر المثقفين حين كان الرفيق مفيد الجزائري وزيراً للثقافة، صافحتهُ، وحدثتهُ عن (نشيد الكركدن)
فأزداد وجهه جمالا، وانشغلنا قليلا في الكركدن ونشيدهُ وثبتتْ جملة في ذاكرتي (زين… لحد اليوم تذكرون كتابي نشيد الكركدن). في المربد الأخير ألتقيتُه أعني التقيتهما معاً، (أبو نصير) الصديق الحميم الروائي زهير الجزائري والشاعر صادق الصائغ، وتحدثنا عن الأدب ومشتقاتهُ وكان الصائغ مبهوراً بزيارته للأهوار، وكانت الزيارة ضمن برنامج مهرجان المربد، وحاولتُ إجراء حوار معه فوعدني أن يكون ذلك غداً.
(نشيد الكركدن)
الصفحة الأول عنوانها (ملاحظة إلى القارئ) يفكك فيها الشاعر صادق الصائغ ثريا ديوانه (ترمز القصائد (نشيد الكركدن) واغلب قصائد هذا الديوان إلى الإنسان الذي حاصرته البنادق في غابة الرأسمال، أنه، وقد حول إلى كركدن يبحث عن مخرج، يهجم ويهاجم، ينزف ويستنزف، وأثناء ذلك يدلي بشهادته. هي في آخر الأمر نشيده الإنساني المرير) هذه الملاحظة مسهبة على قصرها كمعنى. ومن يقرأ يتصور أن القصائد تهاجم الرأسمال العالمي
لكن حين يُقرأ الكتاب، سيجد القارئ لغتها وأسلوبها من نتاج وجع الستينات كلمات الشاعر مفخخة ضد تلك اللحظة الستينية التي فتكت بالبلاد والعباد، رغم أن الكتاب مطبوع في 1978 في مطبعة الأديب البغدادية.
(*)
يلي ذلك صفحتان باللون الأسود، صفحة في ثلثها الثالث وجه الشاعر الصادق مضيء مثل بدر التمام، في الصفحة المقابلة
كتابة بالحبر الأبيض :
يا رياح السنين ْ
لا مسيني
لا مسي حطب َ الجسد المستكينْ
لا مسي قلبه ُ
فهو لم ينسَ شيئا
وهو لن ينس َ شيئا
أنه زهرة ُ الاتقاد الحزينْ
(*)
يلي ذلك المقدمة بقلم المثقف البصري العراقي نجيب المانع سعة المقدمة تمتد من ص5 إلى ص10
(*)
(نشيد الكركدن) قراءتي الأولى كانت في شرائي لنسخة من الديوان 21/ أيار/ 78 كان عمري على مشارف ربع قرن. كنتُ منبهراً بلغتهِ الصادمة التي تستفز القارئ، تتجاور يومها عندي مع غرائبيات الشاعر والروائي فاضل العزاوي.
(*)
جماليات المطبوع تمتلك موجهات في تلقي القارئ لم يكن الشاعر صادق الصائغ وحدهُ، كان معه المثقف الكبير نجيب المانع الذي كتب المقدمة لنشيد الكركدن، وهناك التشكيلي الكبير كاظم حيدر بتخطيطاتهِ الخيطية التي رافقت قصائد الشاعر. وربما أحيانا نافست قصائد الصائغ، وبصمة المبدع التشكيلي رافع الناصري. الذي قام بتصميم الكتاب، وكيف ننسى لون الكتاب البيج وحجمه المربع الشكل تقريبا. بالمختصر الماتع أن التقنية الطباعية، جعلت الكتاب كأنه (ما كنتوش)
(*)
المتغير الجديد الحاصل لديّ كقارئ دؤوب، تجسد فيه تكرار قراءتي لهذا الديوان بين الحين والآخر. فادركتُ أن المسافة بين 1978 و2026 مسافة أطول من السنوات وأعمق أدراكا ً
وأن ما أصاب القصة القصيرة بل حتى الرواية العراقية في ستينات
القرن الماضي قد أصاب القصيدة العراقية بالأمراض نفسها فقد تعرض الأديب العراقي للسجن والتعذيب والخذلان والانكسار
مما جعل الرؤيا والرؤية مضببتين والشاعر الصائغ شخص ذلك في قصيدته ِ (مرثية برجوازي صغير) حيث يقول:
(سقطت َ على الماء ورْقة َ تينٍ
وكنتَ الحقيقة ْ
مُشّرعة َ الاذرعِ
ولما سقطت َ على الماءِ لم تلتفتْ
تركتَ لنا في العراقِ
روائح َ يودٍ
ومستشفيات ٍ
وألسنة ً من حشيش
ترنحتَ تحت النوافذ ْ
ولم تلتفتْ
سمعت َ الخطى والرصاصَ
ولم تلتفت
رأيتهمُ بعيون حواشي المساء حفاة ً
ولم تلتف ْ
قُتِلتَ، قُتِلت َ
(( تعالوا،
ولم تلتفت
تقوست فازنوا بصمتي
فلستُ سوى منظر ٍ
وقوادتي الشمسُ شاخت كثيراً
تعالوا.. ولم تلتفتْ
أيها الرجلُ المستعير لثامَك لا تلتفتْ
لم تعد صالحاً للمجيء
لم تعد مشحذاً بالبروق
لم تعد جسداً مشبعاً بالبكاء
لم تعد منهدة ً
سقطت َ على الماءِ منّي
ودرت بعيني
وردة ً يائسه ْ)
في الصفحة المقابلة، لوحة كاظم حيدر: سلالم على الأرض، رجلُ عار ٍ بين السلام، طير، ينقر رأس الرجل، طائران
يوكران على زنديه، على الأرض ثلاث نسخة من طائر البوم
(*)
في قصائدهِ يدس سطوراً نثرية ويقوّسها وتكون الحروف أعمق سواداً وهذه النصوص السردية تنافس قصائد الديوان في توهجها الشعري في الغالب.
(*)
يُهدي قصيدتهُ (سيناريو الروح) إلى إبراهيم الفدائي الذي انتحر، وهو إبراهيم زاير، هناك من يرى أن إبراهيم نُحِر ولم ينتحر
والقصيدة من سبعة مقاطع تبدأ بيوم السبت وختامها الجمعة
في مقطع (الأربعاء) الصائغ يخاطب إبراهيم زاير
(كنتُ افكرُ فيك كثيراً
أدخرُ البحرَ المرعوبَ ولا أدري
كنت ُ أسير البحرِ، يخاطبني البحرُ ولا أفهمْ
صوتٌ يجري.. يجري.. يجري :
هل هذي جثتُك الملقاة ُ أمامي ؟
هل تخرجُ من فمِها الحدأه ْ؟
كنتُ أفكرُ أن البرد َ شديدُ الوقع عليكْ
وبأن البحرَ رماديٌ بلا ريب
هل كان البحرُ رماديا حقاً؟
هل كان رمادياً يوم دفنتُ رداءَك في عري الصحراء
لا شك بأني كنتُ أسير بجثتك العريانةِ صوب َ البحرِ
وأفكر بالرايات المكسورهْ
كنت أسير البحر الدامي
يتبعني البرُ ولا أفهم)
(هدأة المشنوقين)
من هذه الهدأة الموجعة نتوقف عند (المشنوق الثاني)
(قيل لي: ما الذي تشتهي في الجنون؟
فقلتُ حزينا
اشتهي وطني
فهو مستوحدٌ في البراري
يعيشُ كجدول
ويقتات في مرتقاه الحشائش
(تصليحات في خارطة الجسد)
من هذه القصيدة اقتطف هذا المقطع
(في غابة العالمْ
هناك من ينام قربَ الوطن المضروب بالعصي
هناك مَن يبكيهْ
يسمعُ في الصمتِ تنفسَه ْ
(الغرق تحت الماء)
من هذه القصيدة نختار مقطعين والقصيدة مهداة إلى (إبراهيم):
(نائما في جسد الحربون
استلقي على دفء التراب
ربما مرّضني الليلُ
فأنا أحلمُ في الليل كثيراً
ويقول الناسُ عني :
أنه يسمع ُ في أسفلهِ لغطاً
وأصواتاً
ولا يفتح للآتين باب ْ)
-4-
أيها الناشرُ في الماء غصونه ْ
أيها الميتُ ولم يطبقْ جفونه ْ
أيها الغارق مثلي
أنني أغرقُ مثلك ْ
أنني أهبط ُ للقاع وأكتافي سفينه ْ
أنني أهدأ جنبك ْ
عاريا
تلمس أثدائي المياه
(الاعتراف الأخير)
في هذه القصيدة يدور الصائغ حول كوكب التدوير الشعري الذي تألق فيه الشاعر الكبير حسب الشيخ جعفر، ومَن لم يتأثر مِن الشعراء العراقيين الكبار بالقصيدة المدورة لحسب؟
(حسناً، فأنا الرجل المقتول الغول الخطأ المنقول أقولُ وخفاش الليل عباءة شعبي، هذا الليلُ توسلتُ له، قلتُ ستخرج من جسدي العرباتُ مع الأشباح وترحلُ عبر الصحراء إلى سيناء، ستخرج منه الأقطار وترقص شارلستون، توسلت ُ له : ما أنت سوى أنت وما جسدي المقتول سوى ردهة ِ موتٍ ومؤسسةٍ تجتمع الأيام به، تشرب قهوتها، تتعارفُ، تعرفُ مرسوم َ الاتكيتِ.)
(الممالك المائية)
هي القصيدة الأخير في(نشيد الكركدن) قصيدة هادئة، خارج السرب، ولا يختلف بمحبتها القارئ النوعي أو القارئ العادي:
(كان كغيم الصبح
يتبع آثارَ طيور الماءِ في الساحلْ
أو يقتفي في القاع طيور القاعْ
كوكبة ُ الأسماك في إثرِهْ
وكان لا يدري هو الذاهلْ
بأن ريحاً هبطت سفحا
واختبأت خلف الشجيرات وكانت تسبق القاتل)
يقطع الصائغ التدفق الشعري الجميل، ويسرد ثلاثة سطور بديعة
مشعرنة ثم يعود لإكمال قصيدتهُ:
(عرائس كانت تُرى في حلمه ِ الناحلْ
شرائط ٌ ضوئية، حورٌ، دهور غرقت في الماء
وكانت الأجراس والأصداء
قد سكتت
واستيقظت ممالك بيضاءْ)
(ديوان آخر)
(*)
بعد سقوط الطاغية، صدر للشاعر صادق الصائغ ديوان آخر ضمن منشورات دار الشؤون الثقافية في بغداد. كانت قصائد الديوان للأسف عاقلة ومهذبة جداً، تناسب سن الحكمة التي بلغها. للأسف
عنوان الديوان تغيّب عن طرف لساني، والنسخة منه في غابة مكتبة البيت