(عربة تحرسها الأجنحة) لا مفاجأة في هذا الإصدار القصصي للشاعر فرات صالح.. هذه القصص قرأت ُ بعضاً منها في الصحف العراقية في تسعينات القرن الماضي، و كان الشاعر كريما ً معي كنت أقرأ قصصه بخطه الجميل قبل نشرها، كما ترى قراءتي المتكررة للمجموعة التي قرأتها قبل الطبع وبعد الطبع أن القاص فرات صالح يكتب بلغة بِلا عكازات ولا تجاعيد.. لغة القص لديه بنعومة الحرير، وحين نتمعن فيه نراه حريراً صخابا بمواجع الشخوص.
(*)
هذه العربة التي تحرسها الأجنحة، تتمحور على محنة الفرد الأعزل العاري من الجماعة التي تنصرهُ وفي هذه العربة يوجد نسق قصصي خماسي تعلن عنه العناوين التالية:
(1) التمثال
(2) رجل في مكعب
(3) العودة إلى المنزل
(4) السكين الأخيرة
(5) أعوام الأب السعيدة
(*)
(1) قصة التمثال: عن جندي مجاز، لم يتخلص من أجواء الحرب لأن سماء المدينة بشهادته.. (مسرح ضيق للانفجارات المدوية).. السرد هنا يمكث في تلك الحرب الطويلة التي حصدت كل طموحاتنا، وأثثت لنا دربا واحدا لا فكاك منه..
(2) أين يقضي الجندي إجازته؟ حبيبته غادرت مع عائلتها نحو مدينة أخرى. الجندي يحاول أن يستعيد حضورها، لكن القنابل تتشظى في فعل التذكر.. وحين يتأمل جدته يرى أبناءها الذين ودعتهم إلى الحرب.. واحداً فواحد.. لا يمكن أن يقضي إجازته في البيت.. يقرر الذهاب إلى تمثال السياب وحين يصل يصعد قاعدة التمثال يخبر الجندي المجاز وهو السارد (أحطته بذراعي فعانقني وانخرطنا في البكاء..) ويتواصلان في بث همومهما تمثال السياب والجندي المجاز وينقطع البث بسيل من الانفجارات.. ويرى الجندي حبيبته تعبث بالماء براحتيها
فيتبعها وتنتهي القصة بهذه الوحدة السردية الصغرى (ابتدأ الماء يعلو جسدينا شيئا فشيئا، وأحسستُ بقدمي تثقلان، لكنني استطعت اللحاق بها. عانقتها ونزلنا نحو القاع ولم نخرج لحد الآن)
قصة (رجل داخل مكعب)
في هذه القصة تدهن الدعابة أوجاع القارئ والسارد، فهناك من يرغمك على اليقظة وأنت في مسيس الحاجة إلى النوم (يجبرني صوت المؤذن في الجامع الملاصق لبيتي على الاستيقاظ فجر كل يوم رغم أنني لم أكن قد اكتفيت من النوم، أكون غير راغب في الاستيقاظ تماما… لكن صوت هذا المؤذن المليء بالأخطاء النحوية ينهال على رأسي مثل حذاء متهرئ).. ثم يخبرنا السارد (لعنت جدي لأنه اختار منزلاً ملاصقاً للجامع، ولعنت المؤذن الذي يستيقظ كل يوم في مثل هذا الإصرار على إعادة نفس الأخطاء النحوية الخرقاء..).. ثم يهبط السارد نحو إحباطه (فأنا منذ شهور فاقد الرغبة في كل شيء لم يعد يثيرني حتى أني لم أحاول الخروج من هذه الغرفة إلاّ نادراً، لا أفعل شيئا سوى الاستلقاء في السرير مفتوح العينين محدقاً في السقف ببلاهة مثل مومياء مندهشه) هذا البوح يعيدني إلى الجندي في قصة (التمثال) وهو يقول (إنني غريب حتى عن جسدي والعناكب تبني شراكها فوق روحي).. نعود إلى (رجل داخل مكعب) وهو يبوح (قبل أن تطبق عليّ بيضة العزلة هذه والتي تبدو أزلية الآن، حاولت أن أمنع تكون قشرتها فوق رأسي).. محاولته في الحصول على عمل لم تنجح. ومثلها فشلت تجربته في التسلية مع الفتيات.. والفشل يتكرر ثالثة حين يبحث عن الآخرين الذين كان يكتمل بهم…هنا يكتمل التمهيد السردي لتوظيف لوحة كاظم حيدر في فضاء القصة. وهنا تبدأ القصة ثانية من خلال تجسيدها بهذه اللوحة التي تصبح إحالة تكرارية تزيد من فيوض المعنى، فالقص والتشكيل تقنيتان مختلفتان في ظاهرهما، متكافئتان في جوهرهما. هنا يبدأ فعل التذكر (تذكرت اللوحة التي أعجبتني: رجل داخل مكعب) ثم ينتقل من التذكر إلى التخيل (تخيلت نفسي داخل زجاجتي معلقا في معرض فني والناس ينظرون إلينا).. الإنسان في حيز مرئي، وصالح فقط للفرجة عليها، وبفعل التراسل المرآوي سيحسم الأمر تماما (رفعت رأسي قليلاً ونظرت في المرآة الكبيرة على الجدار المقابل كنا: أنا والمكعب، نكبر، نكبر.. حتى أصبحنا نملأ الغرفة كلها) وهنا الرد بصيغة الرمز على الآخرين الذين يصنعون جحيما للفرد..
(العودة إلى المنزل)
نعرف من السارد أنه يسافر سفرات إجبارية منتظمة، وفي الحاشية الموجودة أسفل الصفحة (كل سفرة من هذه السفرات تدوم شهراً كاملاً قابلاً للزيادة، لكنه لا ينقص إلاّ نادراً) ويخبرنا السارد في الحاشية الثانية أن إجازته (خمسة أيام في الشهر.. أنني لم أقض في منزلي سوى (100) يوم طيلة عشر سنوات).. المجاز عائد إلى بيته إلى الأبد كما يخبرنا. والبيت عريق وله مديات تاريخية (فنحن ومنذ نزلت عائلتنا هذا المنزل ربما قبل قرون).. يبث لنا السارد هذه العتبة التمهيدية وهو يحاول أن يرفع مزلاج الباب
(تجمعت كل أحاسيسي في أصابع يدي، التصقت شبكات حريرية لعناكب مجهولة بها فسحبتها بسرعة الملدوغ) تومض هذه العلامة في سيرورة قراءتي التي تخبرني أن البيت غير مأهول الآن. ويعينني السارد، حين يسأل نفسه (من أين جاءت هذه العناكب؟ وكيف لها أن تبني بيوتها هكذا على مزلاج بيت مليء بالأطفال والنساء يخرجون منه ويعودون إليه عشرات المرات يوميا).. ثم يستدرك السارد وهو يستعيد لهفة العائد يخبرنا (شممت رائحة غريبة تغلف الجو) (ثم أني لم ألتق أحداً طوال الطريق حتى وصولي إلى منزلي).. (كنت أجد باعة الخضار وهم يستعدون ليوم عمل جديد).. (الحراس الليليون أين هم؟).. (الكلاب الشرسة التي كنت أخشاها، لم أرَ أياً منها هذه المرة بل اسمع نباحها) هذه الوحدة السردية الصغرى تشحن القارئ بالتأهب
والوحدة السردية الأخيرة تجعل السارد يستهين بنفسه (نظرت إلى السماء فلم أر أثراً لنجمة واحدة فالسماء ممتلئة بالدخان اللزج. يا لغباوتي كيف لم انتبه لكل هذا) هنا يكتمل ألبوم الصورة السردية التي جعلناها بين قوسين. هنا يخطو السرد خطوة للأمام (لا بد أن أمراً جللاً قد حدث لقريتي الوادعة).. لدينا الآن صورة جماعية لقرية واحدة مغتصبة بكل المعاني. لكن السارد لماذا يتصور أن منزل العائلة هو: الفرقة الناجية!!
وحين يدخل منزل العائلة تخنقه عفونة الرائحة ويخيط جفنيه ظلام دامس. الزجاج الذي تدوسه قدماه، يوقظ عود ثقاب لدى السارد، ضوء العود يصدمه بفجيعة كبرى (كانت صورة أخي الأصغر مبتسماً بملابس لم أره فيها من قبل وكانت الصورة موشحة بوشاح أسود.. صرخت: لا، ها أنا أفقد آخر أخواني) هنا نلمس معلومتين: مقتل الأخ الأصغر، يجعل السارد وحيدا ً وهذا يعني أن لدى السارد أخوة قتلى.. سينتقل الضوء من عود ثقاب إلى شعلة فانوس، من جراء عثرة ثانية ستتحول إلى صدمة كبرى (أشعلت فانوساً اصطدمت به قدمي.. يا للفظاعة: كانت زوجتي عارية على الأرض وثدياها قد اقتلعا من مكانهما والدماء المتيبسة تكون بركة حولها..).. وسؤال قراءتي هل يعقل أن الجريمة ارتكبها (كلب هائل الحجم..) ؟ وصار منزل العائلة منزله…؟ وصارت القرية الوادعة مستعمرة كلاب…؟ والرائحة العفنة تزداد عفونة. والسارد يفر من بيته ويركض في قريته التي لم تعد قريته وبشهادته (كانت مئات العيون المشتعلة تحملق بي باشتهاء مخيف والأنياب الملتمعة تؤطر نهايتي) لكن الأهم هو قوله التالي (لكنني لم أحس بالخوف).. هذا الغموض الذي يسري في سرد هذه القصة زاد في تماسكها الجمالي. وبث المتغيرات التي اجتاحت القرية تفنن القاص فرات صالح في تقطيرها قطرة ً فقطرة.. مما يجعل القارئ متشوقا لمعرفة ما يجري. فالسارد يتقدم متسلحا ً بالتذكر وبمصباح يدوي يكشف له المتغيرات..
(مذيع)
(بأناقته المعهودة وابتسامته المصطنعة كان يبدو متأكداً، من تأثيره في المشاهدين ومتأكدا من عدم قدرتهم على مقاومة نفوذه غير المبرر، لذا أطفأت التلفاز وارتميتُ في السرير)..
السارد يركز على الشخص المصنّع إعلاميا:
(1) أناقة معهودة
(2) ابتسامة مصطنعة
(3) تأثيره
(4) التأكيد المزدوج
وظيفة السارد هنا مزدوجة: تفنيد مواصفات المذيع، ورفض التواصل معه.
والرفض ليس للمذيع فقط، بل لمن صنعّه واستعمله لتجميل وجه السلطة
(المقعد الفارغ)
(متلفعا بغطاء الرأس السميك، ممسكا ببندقيته التي استحالت أنبوبا ثلجيا بين يديه العاريتين، راح يمعن النظر في المقعد الفارغ قبالته، ولتزجية الوقت أخذ يملؤه بالأحبة والأصدقاء الذين كانوا بعيدين جداً عنه تلك اللحظة واحدا فواحداً أجلسهم في المقعد الفارغ، حاورهم، مازحهم لكن عند نهاية واجبه كان المقعد فارغاً مثل قلبه تلك الليلة.)
الذي أطفأ التلفاز، لم ينم، قراءتي رأته واقفا (ممسكا ببندقيته التي استحالت أنبوباً ثلجياً بين يديه العاريتين) ما بين القوسين هو رصد السارد للجندي أثناء حراسته في أقاصي شمال العراق. الجندي هنا في حالة سكون، لكن عينيه تجعلان المقعد الفارغ شاشة ً تبث وجوه أحبته، يظهرون واحدا واحداً.. يحاورهم ويضاحكهم وبالطريقة هذه استدفأ بحضورهم.. وحركة السرد كالتالي: الفراغ—- الملء —— الفراغ
خلافا للمخيلة في قصة (المقعد الفارغ) ستكون قصة (مصطبة) بسرد ساطع كشمس الظهيرة، كأن القارئ يشاهد فيلما تسجيليا قصيرا شخصيا أراني أقرأ قصة ً شيئية حداثية تماما، فأستعيد (انفعالات) ناتالي ساروت.. والاختلاف الثاني يخص الحيز فالمقعد الفارغ يسع شخصاً واحدا ً أما المصطبة فتسع ثلاثة شخوص. ثالثا المصطبة تنتظر حالة ملء كما تخبرنا هي (بانتظار الذين لا يأتون) الاتصالية بين المقعد والمصطبة: الغياب. في (المصطبة) الأشياء كلها مشغولة بالحضور.. إلاّ المصطبة فقد ازاحت السارد وصارت سارداً عن وحشتها
(1) استقرت النوارس الكسولة على سلك حديدي
(2) إلى اليمين كانت فتاة تبيع نفسها مع الشاي الذي تصبه لعابرين
(3) مراس ٍ مهملة يتخذها صبيان منصات يقفزون منها إلى الماء
(4) أو يتسلقون الأشجار بحثا عن أعشاش العصافير
(*)
قصة (شارع الجثث الأليفة) عودة إلى السارد المشارك والوحيد، كما جرى في (المقعد الفارغ) والقصتان تشتغلان على نسق المتعدد في الواحد. في (المقعد الفارغ) الحرس يستقوي على عزلته في تشغيل مخيلته فتجلب له الغائبين الذين يكتمل بهم. في (شارع الجثث الأليفة) يذهب السارد بقدميه إلى المكان العام المفتوح يضغط السارد على جرس التنبيه قائلاً لنا (للمرة الأولى أسير في الشارع المظلم) وهنا فقط اختلافها عن (المقعد الفارغ).. سؤال قراءتي بما أنها المرة الأولى: لماذا السارد يعرّف المكان (الشارع المظلم) ولم يقل (شارعا مظلما)؟ يبدو أن هذا الشارع متعارف عليه. لكن قراءتي الثانية رأت الشارع نفقا ولا شمعة في نهايته، كأن الشارع هو تلك الأنا القابعة في قعر الذات. وقراءتي الثالثة للقصة أعادتني إلى جون ستاينبيك وروايته الجميلة (شارع السردين المعلّب).. السارد في قصة فرات صالح يجذبه الفضول إلى هذا الشارع (كنت متوقعا بعض المفاجآت) وهنا صدمة الرؤية.. (لكن أن أرى هذا العدد الهائل من الجثث الممددة إلى جانبيه فلم يخطر ببالي).. هنا يكابد السارد مِن وحدة وصراع الأضداد في داخله (كاد قلبي يخذلني. فكرت بالتراجع لكن شيئا ما كان يجذبني إلى الأمام) وبعد الرؤية تختلف مشاعر السارد (أحسست أن شيئا غريباً كان يجمع الجثث كلها ويشدني إليها كانت جثثا أليفة كأني أعرفها جميعاً).. وحتى يتأكد السارد.. حاول تدليك ذاكرته بهذه الطريقة (قلّبت بعضها.. دققت في وجوهها.. نعم.. نعم كانت تلك الجثث: رغباتي)
(شارع الجثث الأليفة)
للمرة الأولى أسير في الشارع المظلم ولهذا كنت متوقعا بعض المفاجآت، لكن أن أرى هذا العدد الهائل من الجثث الممددة إلى جانبيه فلم يخطر ببالي وكاد قلبي يخذلني. فكرت بالتراجع لكن شيئا ما كان يجذبني إلى الأمام.. جثث طرية دافئة وأخرى متورمة عفنة.. جثث جميلة الوجوه مبتسمة وادعة، وأخرى شيطانية عابسة مدماة. أحسست ُ أن شيئا غريباً كان يجمع الجثث كلها ويشدني إليها كانت جثثا أليفة كأني أعرفها جميعا.. قلّبت ُ بعضها.. دققت في وجوهها.. نعم.. نعم.. كانت تلك الجثث: رغباتي
(*)
(سارق حياة العائلة / أعوام الأب السعيدة)
موضوعة الأب في القصص القصيرة: نضدّتها في ملف نقدي خاص بالقصاصين البصريين: محمد عبد حسن. هاشم تايه. رمزي حسن. فرات صالح…
(*)
يبدأ السارد باستعادة ما جرى بينه وبين أبيه بوحدة سردية ذكية جداً (وكان أن سلمني مظروفاً وعيناه دامعتان) بعدها يقدم صورة سردية مكثفة عن الأب (كان يبدو غريبا بلحيته الشوهاء ومثيراً للشفقة برثاثة ملابسه).. الأب يضع في عهدة ولده أمانة.. (مظروفا ورقيا محتوياته تصدر صوتا كالصليل) كيف يكون ذلك والعلاقة بين الاثنين في تضاد حاد بشهادة الابن (لم اختارني أنا بالذات وأنا كنت دوماً أثير شكوكه واحترازه؟).. لا يخبرنا الابن ما الذي دعاه إلى ملاقاة الأب؟ أو مَن كلفه الأب باستدعاء ولده؟ هل جاء الأبن بقدميه لسبب واحد (لأشفي غليلي برؤية الرجل الذي سرق من بين أصابعي عمري كله مستخدما بطشه وجبروته وذلتي وخوفي).. تتوقف قراءتي عند هذه التوصيفات:
البطش / الجبروت ————- الذل/ الخوف
بهذه التوصيفات ينزاح الأب من المعنى العائلي ويستقر بدلالة سلطة مطلقة استبدادية أو سلطة ميتافيزيقية موهومة، ويتجسد كنموذج أسطوري..
لنعد إلى السطور الأولى من القص ونصغي لقول الابن (كدتُ أضحك حين خاطبني بتعاظم شديد وهو يسلمني المظروف (إن عليك جمعه وقرآنه) ما بين القوسين: الآية 17 من سورة القيامة.. أي علينا أن نجمعه في صدرك فإذا أنزلناه فاستمع. ثم (علينا بيانه) أي علينا أن نبينه بلسانك… (ورأوه محمد بن إسماعيل عن الرسول (ص): (كان يحرك شفتيه إذا نزل عليه، يخشى أن ينفلت منه، فقيل له (لا تحرك به لسانك، (إن علينا جمعه) أن نجمعه في صدرك.. / الطبري/ ج17.. لكن ما علاقة الأب الباطش المتجبر بهذه الآية الكريمة!! تبدو الشفرة عصيّة.. وهنا يعقب الابن على كلام الأب (أتكون نوبة جديدة من نوبات جنونه؟) أب أسطوري (بِلا أبوة يطمر أرواح أبنائه وينثرها في الريح؟) يقتل زوجته وهي أمهم على مرأى ومسمع من أولادها!!
الشطر الثاني من القصة يبدأ حين يخبرنا الابن (في غرفتي المتهالكة فتحت المظروف وسكبت بعض محتوياته) ماهي محتويات المظروف؟ هل كما توقع الأبن (أشياء ثمينة أو ميراث ما قرر في صحوة ضمير أن يهبني إياه)؟! كأن الأب لم يكتف بما فعله بولده.. فقد تناثرت من المظروف..(مئات الحروف المنفصلة) نحن أمام تلك التسلية التي يستسيغها بعض قراء المجلات في تنضيد حروف الكلمات المتقاطعة لتكوين كلمة. لكن الأمر هنا يختلف لا توجد تلك الترسيمة وليس هناك مساعدة يقدمها معد الكلمات المتقاطعة للقارئ. الابن أصبح سجينا في مثلث متساوٍ
(1) (كيف سيتسنى لي جمع الحروف إلى بعضها)
(2) (كم أمامي من الاحتمالات اللامنتهية لإنتاج كلمة ذات معنى)
(3) (ومن ثم جملة مفيدة واحدة؟)
هنا يستدرك الابن ويسأل نفسه (هل ينوي هذا الرجل أن يسرق مني ما تبقى من حياتي بعد رحيله؟) سؤال الأبن يفقد تفعيله ويتحول إلى ما يشبه الأموال المجمدّة يتغلب دهاء الأب على انفعالات الابن فيتحول الابن ذبابة والأب بيت عنكبوت نسيج العنكبوت يتكون من حروف ٍ ملونة تتراقص وتلمع تغوي الابن وتوسوس له فيرى بعين رغباته أن ثمة كنزاً ينتظره ولا يشعر أنه فريسة مشلولة لاحول ولا قوة مجرد طاقة بشرية تعمل صاغرة بموجهات الطاغية الهالك/ الأب.. ينقطع الابن عن العالم ويهاجر في لحيته قرابة عامين وكانت النتيجة أن الابن توصل إلى عنوان هذه المذكرات من خلال ترتيب بعض الحروف، وكان العنوان من العناوين الصادمة (- كما علمنا أستاذنا محمود عبد الوهاب – طيّب الله ثراه-) الذي توصل إليه الابن هو (أعوام الأب السعيدة).. هنا ينتفض الابن، فعنوان النص نلمس فيه الكمون النصي مرمّزا ومتشابكا/ مقداد مسعود/ العنوان ليس وصيف النص/ ويجمع الحروف في مظروفها ويلقيها من النافذة تتهشم تحت عجلات عربة مسرعة.. هكذا يستعيد الابن حياته ويتحرر من سطوة الأب الأسطوري..
وفرّت لي هذه القصة القصيرة، كل أسباب الامتاع والمؤانسة، بمزجها بين الواقعي والميتا واقعي.. وكان القاص ماهراً في صياغة الحدث وتكثيف صفات الشخصين وتقودني تجاربي في القراءة المنتجة، بخصوص موضوعة الحروف وتجميعها
إلى أسطورة يونانية مفادها: أن عرّافة كوماي واسمها السيبلا وهي عراقية مولودة في بابل عاشت قروناً وقروناً في كهف، كانت تكدس في مدخله أوراق الشجر، فإذا جاءها سائل يطلب معرفتها وحكمتها، قذفت إليه حفنة من هذه الأوراق، وقد كتبت حرفاً على كل ورقة، وعلى السائل أن يجمع الأوراق، ويرتبها في شكل ما، يستطيع أن يقرأ في حروفه جوابها.
*مقداد مسعود/ العنوان ليس وصيف النص/ تقديم الطبعة الجديدة لكتاب (ثريا النص/ محمود عبد الوهاب/ دار المكتبة الأهلية/ط2/ 2021
(*)
قصة (عربة تحرسها الأجنحة) تتكون من عشرة مشاهد مكثفة جاهزة لتكون فيلما عراقيا تسجيليا.
(1)
على غير عادته لم يكن يصرخ أو يشتم، كان يتمتم وهو يدفع عربته ذات الإطار الواحد بحمولتها الغريبة، كلما كشفت الريح جزءاً منها توقف لتغطيته. وعلى غير عادتهم تبعه الأطفال
واجمين. أسرع بعضهم إلى بيوتهم ليستدعوا آباءهم العاطلين إلا عن الحكايات، عندما أدرك الآباء العربة حوقلوا واسترجعوا. خمشت النسوة خدودهن وأعولن وأسرعن لجلب عباءاتهن
(*)
المشهد الأول بالنسبة للقارئ شفرة مغلقة يكتنفها غموض موجع ينساب منه أنين ناي ينزف وجعا وسخطا. في المشهد العاشر، العربة بطيئة الحركة مثقلة بتجهم السماء، الصمت أسود، والمكان خالٍ إلاّ من العربة وثقلها الطاهر الذي تم تدنيسه. الشفرة ماتزال مغلقة لكنها تبث وجعا مكتوما في استجابة القارئ وتضيف معلومة وجيزة عن موت فتاة ملائكية السمات
(10)
في العربة ترقد ابنة متورمة الجسد. وجهها الملائكي يحتفظ ببقايا ابتسامة غامضة/ ثمة أجنحة خفية تحيط بالعربة/ كان يحادثها. وكانت السماء تبلل الجميع بمطر ناعم كالدموع.
(*)
المشهد الثاني يحدد زمان ومكان الحدث
(2)
في طريقه مر الموكب بنخيل دون رؤوس وأعمدة انصهرت وساحت على الأرض، واستدار ليتفادى حفراً عملاقة أو هياكل سيارات محترقة توسطت الشوارع، وتوازن بصعوبة على جذوع صفت على عجل لتكون بدائل عن الجسور المحطمة
(*)
المشهد يسلّط عين الكاميرا على مجزرة ارتكبتها حرب كأنها تلك التي تراجعت فيها بقية الجيش العراقي نحو البصرة المفجوعة بين ناريّ السلطة والثلاثين دولة.. لكن المشهد الثالث يبدأ بالاقتراب من فك شفرة القص
(3)
أيام طويلة مرت وهو يهيم بحثا عنها، فقد خرجت مع الفتيات في طلب الماء ولم تعد.. زاده قلقه غموضا. سأل جميع الفتيات، لكن واحدة منهن لم تجب.
(4)
كان يقضي الليل كله يعوي ويصرخ كأنه يحارب شياطين ومردة غير مرئيين. كانت قلوب جيرانه
تتقطع كلما سمعوا اسم أبنته تردده معه السماء
(*)
المشهد الثالث براني.. لكن يضيف معلومة هامة (خرجت مع الفتيات في طلب الماء ولم تعد) وحين يسأل الرجل عن ابنته، تحجم الفتيات عن أي قول!! المشهد الرابع: سرد جواني لما يعتمل فيه الرجل الفاقد، المخذول من الجميع، لم يذكر السارد سوى التضامن السلبي، الرجال حوقلوا والنساء خمشن خدودهن. في المشهد الخامس تنفجر الشفرة، ولم يتحرك أحد ويعين الأب المتمزق روحا وقلبا
(5)
همست إحدى الفتيات في أذن أمها، إنها رأت امرأة متوسطة العمر تتحدث مع البلهاء على الشاطئ،
وأضافت، بمجرد انشغالي قليلا بغسيلي لم أجد البلهاء ولا المرأة، رددت الريح همس الفتاة
(*)
حتى الريح لم تستفز الغيرة والنخوة في هذا التجمع السكاني القروي، تركوا الأب يتمزق بلا ناصر أو معين.. في المشهد السادس يزداد الأب وجعا
(6)
بعد أشهر وجدوها أمام بيت أبيها فجأة وكأنما انشقت الأرض عنها. أو كأنما هبط بها ملك من السماء كانت جميلة وإن بدت في العيون المتحلقة أكثر نضجا. جفل الجميع إذ رأوا بطنها كبيراً ومستديراً
(*)
هنا ينتكس الأب…وفي المشهد (9) يتحرك الضمير الأمومي عند النساء، بكل وسيلة يعرفنها، حاولت النساء إسقاط الجنين المتشبث في بطنها كالخفاش.. في المشهد (7) و(8) تتراجع الكاميرا، إلى ذلك اليوم الذي صارت البنت البلهاء في قبضة المرأة السيئة السمعة، وكيف حولتها منفضة ً
(7)
المرأة تدخلها الحمام تبدل ثيابها، تدخل عليها بالتعاقب قطيعاً من رجال مسعورين
(8)
الأيام تمر والقطيع يزداد واحدا ً، أثنين أو ينقص لكنهم لا يتوقفون/ هل تزيد معاشرة الموت الرجال وحشية وسعاراً
(*)
الجملة الأخيرة (هل تزيد معاشرة الموت الرجال وحشية ً وسعاراً) تحيل هذه الوحدة السردية قضية انتهاك براءة البنت البلهاء، إلى مديات أوسع فيها إدانة للحرب ومن أشعلها ومسخ البشر إلى خنازير وقردة وانتزع منهم التراحم والمخافة وغياب الضمير والتضامن الاجتماعي.. تقطيع القصة إلى مشاهد. جعل وقعها أشد. وكأني أرى بين المشهد والآخر، لحظات مساءلة أخلاقية يوجهها القارئ إلى نفسه. ومن خلال الاقتصاد الأسلوبي أوصلت القصة بث رسائلها رسالة.. رسالة هنا تكمن مهارة القاص في تحويل جريمة إلى نص قصصي باهر..