يفتل خيوط قصيدته بنول من أفكار ممزقة ، لا وزن ولا صنعة فيها ، يكدسها ككرة ثم يلقيها خبط عشواء فتستقر في زاوية باردة هناك ضربت فيها عنكبوت بنسجها تغزل هي الأخرى من أفكارها بيتا في أعلى الزاوية ، يخرج من كوخه المعزول في ربوة على هامش من القرية ، يضع يديه في جيب سترته الزرقاء ،يستنجد بدفئها من برد ذلك المساء الشتوي ،باردة يداه كبرودة الموت الذي أحسه في كف أمه وجبينها وهو في السادسة من عمره ، طفلا لم يستدفئ بعد بدفء الأمومة ..، جسد ممدد فوق السرير لا حركة فيه ، لا صوت منه ينبع يناديه ليكتب فوق اللوح كلمات باردة ، لا نبض منه ينعتق ليسمعه حكاية جديدة على إيقاع الساقية المجاورة للكوخ ، فالآن قد سافر الغصن الغض في البعيد ، يد رقيقة ناعمة تهزه من خلف ، عينان فاترتان دامعتان تأمره بالإشارة إلى الخروج ،منعتاه أن يشتم رائحة القرنفل والورد .. كانت يداه منداة كورقة خريف ذابلة تيبَّسَتْ عروقها كما تيبست عروق والده بعدها بعامين فقط ، نفس البرودة ، نفس مذاقها كان في كفَّيْ والده وجبينه ..، حمله عمه “مُوحَى” برفق من فوق الجسد المسجى وأصابع يديه تعضان على الغطاء الصوفي الذي يخفي داخله كفنا لا زال يعبق برائحة الورد وماء الزهر ،لم يكن حضن الجدة ولا إعالة العم ” موحى ” الذي كان يعمل نهارا يدفع عربة الخضر المجرورة كي يسد أفواه أربعة من الأطفال وزوجة كانت من قبل تعمل في بيوت الأسياد ولا فم الجدة الذي كان يأتي على كل شيء رغم أنه كان يحوي بضع أضراس لا تزال تعمل بكفاءة عالية كافيا ليمسح دمعاته التي كان يكتب بها أحزانه كل يوم ، كان يحب أن يبقى وحيدا بعدما فقد والديه تباعا ، يسير وحده بين الفجاج ينصت للصمت في الوديان ويلتقط ذبذبات الحياة الناعسة في الأرجاء ، كثيرا ما كان يحب الخروج عند هطول المطر أو تساقط الثلج يستغل فرصة اختفاء الأحياء ليخرج وحده ليناجي دموعه خلسة بعيدا عن فضول الأنظار نهارا ، وكلما جن الليل وبسط الصمت الرهيب في الربوة الساكنة ، أطبق الظلام على قلبه ولفه بخيوط من أكفان القصيدة بلا وزن ولا قافية ولا معنى، ، كان يكتب لا لأجل الإبداع ذاته، لكن ليمحو أثرا لا يمحى ، يكتب لأجل دفء لم يتحسسه طويلا ، لأجل أُم ترجع من وراء ظلمات البحار طيفا جميلا ينسج حكاياته في هدأة الكوخ غير بعيد عن تلك الزاوية حيث العنكبوت تنسج بيتها ، يكتب لأجل أب يعود من وراء الأفق البعيد شبحا لا يُهاب ، يحمله فوق كتفيه يجري به إلى أسفل الربوة ثم يعود به إلى الكوخ.
يسير وحيدا في الفج العميق ، ينصت لدمدمة الرياح في ذلك المساء وهي تنقل أصداء الحنين وجعا..، يجلس على صخرة يرقب شمس الغروب دامية كقلبه الدامي ، منكسرة إلى قطع صغيرة كجمرات يحسها مشتعلة في صدره ، ولا يلبث أن ينشد مع السياب : أماه ليتك لم تغيبي خلف سور من حجار / لا باب فيه لكي أدق ولا نوافذ في الجدار أماه! كيف انطلقت على طريق لا يعود السائرون / من ظلمة صفراء فيه كأنها غسق البحار / ..،وقف منتصبا وهو ينظر إلى الأفق البعيد يبتلع شمس المغيب كأنه يريد استعادة شيء لا يستعاد ، أطرق رأسه في التراب المندى ، حمل حفنة بكفه ، فركها ، لم يعر برودتها بالا وقال : من هنا ابتدأنا جميعنا ، من هذا الشيء اللازب ، نحن هنا ،صرنا ، كنا ، متنا ، نمضي ،نتحرك ، نفكر ، نحس ،نتآلف ،نتقاتل ونتناسل ،نبني ونهدم، نلتقي زمرا ، نتكون ، نتشكل ،نــ…، آه! أيها الإنسان إنك تفعل كل شيء..، كل شيء..!.
مضى بخطوات متئدة نحو كوخه القابع في هدأة الليل الذي ينتظره بجلد ، أشعل قنديلا صغيرا ، توجه نحو الزاوية ، نظر إلى الكرة التي كومها ، ورفع البصر إلى الأعلى ، كانت العنكبوت قد أنهت عملها بإتقان ، وغابت داخل غارها في انتظار فرائس تستقر في الخيوط ، جلس على كرسي خشبي ، فرش الورقة باعتناء فوق طاولة مستطيلة ، أخذ قلمه وبدأ ينسج خيطا وراء خيط بنول أفكار تدفقت كالنبع ، تتزاحم في داخله ، خيط يربط فيه بين الموت البارد في ذلك الجو الشتوي، بين طفل كان يرسم أبويه في لحظات كثيرة حتى في الدرس ، ورجل يبحث عن دفء حياة، انفرج وجهه الشاحب عن بسمة اختلطت بدمعات اغرورقت بها عيناه الناعستان ، تأمل القلم قليلا ..، كانت لحظة جميلة يرسم فيها ملامح أمه ضاحكة فيضحك لضحكتها أو غاضبة عليه لأنه تأخر في إنجاز واجب بعدما أطال في لعب الكريات أو الخذروف مع الأولاد أسفل الربوة فيبتسم لغضبها الجميل ، كانت مشرقة كضياء الشمس ،كزهرة نيلوفر في حقل عابس ، ثم لا يلبث أن يرسم وجها بملامح عربية صارمة دون أن ينسى أثر السجود الوضاء على جبينه ذي الخطوط المتوازية فوق حاجبين كثين ..، يأخذ المعلم الجديد الورقة من أمامه ، كان قلمه على وشك أن يكمل ملمح والده في النصف الثاني من الورقة، صرخ في وجهه صرخة مدوية : ” لماذا لا تنتبه إلى الدرس ؟ آه ! ، منهمك في الرسم أيها المشاغب ، ستنال عقابك إذن !
طوى المعلم الورقة وأراد ان يمزقها فالتمس الطفل منه باكيا : أمي ، إنه أبي ، أمي ،وأمّْـ…
نظر إليه المعلم بخزر وقال: تريد أن توهمني ؟
شهق الطفل وانتحب ، ولحظتها قالت تلميذة بنبرة حزينة ـ كانت البنت الوحيدة التي تدرس في قسم من الذكورـ : إنه يتيم الأبوين يا معلمي .
تسمر المعلم مكانه ، واستدار نحو الطفل واستدارت معه سترته الزرقاء ونظر في الورقة جيدا ،تأمل الملامح المشرقة والوجه العربي غير المكتمل ، اقترب من الطفل وجثا على ركبتيه ، وضع الورقة أمامه وحضنه حضنة استشعر فيها دفئا جميلا بدأت تتلاشى معه تلك البرودة المنداة ، أمسكه من ذراعيه ونظر في عينيه ، كانتا مغرورقين بالدموع ، وقال : لا تبتئس ، ولا تحزن أبدا ، ارسم وجه أبيك ، وارسم أمك أيها الرسام البارع .
بيت وراء بيت تنتظم القصيدة باكية ، تسوي يدا جديدة ، يدا تنسى برودة الموت وتستدفئ بذبالة القنديل الذي ازداد توقدا كتوقد قلب الشاعر المختبئ في كوخه الصغير..،انتصبت القصيدة شامخة بوزنها وصنعتها ومعانيها ترسم ملامح وجه مشرق وآخر بملامح عربية صارمة وتمسكها يد لا تزال باردة منداة كالموت يفوح منها شيء مما تبقى من عطر القرنفل والورد وماء الزهر.