كان جمهور مدينة القنيطرة، مساء أمس، على موعد مع عرض مسرحي فردي حكواتي للفنان المسرحي والباحث الأكاديمي الحكواتي عادل محمدات، تحت عنوان “حكايات من بلادي”، بالمركز الثقافي القنيطرة.
حضر هذا العرض جمهور نوعي عاشق لفن الحكاية، حيث مزج الفنان عادل محمدات في سرده بين تجربته الكبيرة في هذا المجال ورؤيته الفنية المتراكمة، مقدما لحظات فرجوية تنهل من الذاكرة الجماعية وتعيد بعثها بروح معاصرة. وأشار إلى أن هذا النص كُتب سنة 2006، وقد خضع لمسار طويل من المختبر والتجريب، ما بين المخيمات ودور الشباب والشوارع وغيرها، إلى أن بلغ هذا المستوى من النضج الذي بدا واضحا في تفاعل الجمهور وانخراطه.
استلهم الباحث عادل محمدات نصه من الموروث الشفهي المغربي، خاصة وأن مجال اهتمامه ينصب على التراث، حيث اعتمد على حكاية “هاينة”، وقام بتحويلها إلى عمل مسرحي قائم بذاته، وهو ما يميزه عن باقي الحكواتيين؛ إذ يجعل من الحكاية مجالا خصبا لا يقتصر على الطفل فقط، بل يمتد ليكون عرضا أسريا بامتياز، يشاهده الكبير والصغير، الدارس وغير الدارس، بمختلف المستويات الاجتماعية والخلفيات الفكرية والثقافية، فيجد كل متفرج نفسه معنيا بما يروى على الخشبة.
إن تجربة عادل محمدات، التي تتجاوز خمسة وعشرين عاما من البحث والتنقيب، وحفظه لمئات الحكايات، إضافة إلى إتقانه لفن العيش داخل الحكاية وخارجها، هي ما جعل هذا الجمهور النوعي والمختلف يحضر ويتفاعل مع العرض بعمق. وقد تجلى ذلك، خصوصا، في النقاش الذي فتح بعد العرض، حيث طرحت أسئلة جوهرية من قبيل: لماذا يغيب التراث المغربي عن المشهد المسرحي؟ ولماذا تقدم الأعمال المسرحية المغربية في قوالب غربية؟ وأين تتجلى هويتنا الفنية؟
في هذا السياق، تبرز نصيحة الفرنسي أندري فوازان للراحل الطيب الصديقي، حين قال له: “إن أردت بلوغ النجاح، فعليك أن تبدأ من نفسك، ومن محيطك الصغير”. وهي دعوة صريحة للعودة إلى الجذور، وإعادة الاعتبار لما هو محلي وأصيل، بدل الارتهان لنماذج جاهزة قد لا تعكس خصوصيتنا الثقافية. فلا يمكن بناء هوية مسرحية مغربية واضحة المعالم، ونحن نستنسخ قوالب غربية، سواء على مستوى النص أو شكل العرض.
كما كشف الأستاذ عادل محمدات عن مشروعه الفني، الذي يسعى من خلاله إلى مزج فن الحكاية بالمسرح الفردي، في تجربة واعية تحاول إعادة الاعتبار للحكواتي داخل الفضاء المسرحي المعاصر. وهي فكرة تستحق كل التشجيع والتنويه، لفرادتها من جهة، ولدورها في إحياء التراث اللامادي من جهة أخرى، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية التي يعيشها المغرب، والتي تتطلب تضافر جهود مختلف الفاعلين، وعلى رأسهم النخبة الثقافية والفنية.
ومن الجدير بالذكر أن هذا العرض لا يزال في جولة وطنية، حاملا معه نفس الشغف ونفس الرسالة إلى مدن مغربية أخرى، في محاولة للاقتراب أكثر من الجمهور، وإعادة ربطه بفن الحكاية كجزء أصيل من هويته الثقافية. وهي خطوة تعكس وعيا حقيقيا بأهمية تعميم الفعل الثقافي خارج المراكز الكبرى، وجعل المسرح في متناول الجميع.
ويذكر أن العرض المسرحي الفردي “حكايات من بلادي”، المندرج ضمن فن الحكواتي، حظي بدعم وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، وهو من تأليف وإخراج وتشخيص الفنان والباحث في التراث اللامادي عادل محمدات