تقابل الشاعر عبد الرحمن الأبنودي مع الشاعر والصحفي والرسام صلاح جاهين فسأله : مافيش حاجة فى جيبك أنشرها عشان مش قادر أرسم ؟ فرد عليه عبد الرحمن الأبنودي : كاتب عن دودة القطن .. تلزمك ؟
قرأ الشاعر متعدد المواهب صلاح جاهين قصيدة الشاعر عبد الرحمن الأبنودي ونشرَها في صحيفة الأهرام وحدث ما لم يتوقعه أحد فبمجرد نشرها سمعها عبد الرحمن الأبنودي بعد أيام فى الإذاعة فقد كان عبد الرحمن الأبنودى يسير بصحبة صديقيه صلاح عيسى وسيد خميس فسمع أغنية فى الراديو فقال لهما : مش دى شبه الكلام اللى أنا كنت كاتبه فى الجورنال .. ثم سمعوا المذيع فى الراديو يقول : أغنية أنقذ قطنك غناء فاطمة على وتأليف عبد الرحمن الأبنودى
كانت هذه المرة الأولى التى يسمع فيها عبد الرحمن الأبنودى كلماته مُغنَّاة واندهش كيف وصلت إلى الإذاعة ؟ ومَن الذى اختارها ؟ وكيف تحولت لأغنية متكاملة بهذه السرعة ؟ الجواب كان عند صلاح جاهين فعندما حكى له عبد الرحمن الأبنودى ما حدث قال له : الأستاذ محمد حسن الشجاعى طلبها وهو المسئول عن تحويل الأشعار إلى أغانٍ للإذاعة ويريد أن يقابلك وبالفعل قرر عبد الرحمن الأبنودى أن يذهب لمقابلته ولكنه لم يجد ملابس مناسبة ليذهب بها إلى الإذاعة لأول مرة فى حياته واقترح عليه صديقه الملحن إبراهيم رجب أن يعطيه قميصا جديدا ومعه بدلة جديدة اشتراها أخوه لكن البدلة كانت مثيرة للسخرية بلونها الفسفورى فبمجرد أن وصل عبد الرحمن الأبنودى إلى مبنى الإذاعة والتقى الإذاعي الموسيقار محمد حسن الشجاعى سأله : أنت مين ؟! فأجابه : أنا عبد الرحمن الأبنودى فعلّق قائلًا : إيه اللى أنت عامله فى نفسك دا ؟ أنت طاووس ؟ فردّ عليه عبد الرحمن الأبنودى : أنا لبستها علشان أقابلك فضحك وقال : يا راجل كنت جيتلى بهلاهيلك كان أحسن لى .. المهم تعرف تكتب أغانى ؟ فقال عبد الرحمن الأبنودى : أيوه .. قال محمد حسن الشجاعى : بس تبطل اللغة اليمنى اللى بتكتب بيها .. قال الأبنودى : حاضر .. وتركه عبد الرحمن الأبنودي ومضى وحكى لصديق كفاحه سيد خميس ما جرى فأصر سيد خميس على أن يحتفلا بمناسبة أن عبد الرحمن الأبنودى صار كاتبا للإذاعة بأكلة كباب وبعدها عادا إلى البيت الذى كان عبارة عن عوامة فى منطقة الكيت كات وأغلق عبد الرحمن الأبنودي الباب على نفسه ليتفرغ للكتابة وكتب ثلاث أغانٍ دفعة واحدة الأولى عن السد العالي والثانية بالسلامة يا حبيبى بالسلامة والثالثة تحت الشجر يا وهيبة وذهب إلى الإذاعي محمد حسن الشجاعى وعرض عليه ما كتبه فوافق على الأغنيتين الأولى والثانية وعلّق على أغنية تحت الشجر يا وهيبة قائلًا : أنا مش قلت لك تبطل الكتابة اليمنى دى.. مين اللى هيغنّيها ؟! فردّ عليه عبد الرحمن الأبنودى : محمد رشدى اللى غنّى قولوا لمأذون البلد لكن الإذاعي محمد حسن الشجاعى فاجأه قائلًا : يا ابنى دا حصلت له حادثة فى طريق السويس واتكسر وقاعد فى بيتهم فرد عبد الرحمن الأبنودى : هو اتكسر ولا صوته اللى اتكسر بس سيبنى أروح له وفى أثناء المناقشة دخل عليهما بليغ حمدى فقال له الإذاعي محمد حسن الشجاعى : سلم عليه كويس ده هيكون له شأن كبير – يقصد الأبنودى – فلما عرف بليغ جمدي أنه عبد الرحمن الأبنودى احتضنه وخرجا صديقين
ذهب عبد الرحمن الأبنودي ليبحث عن رقم تليفون الفنان محمد رشدى ووصل إليه عن طريق معهد الموسيقى بعد معاناة واتصل بالفنان محمد رشدى كان فى أسوأ حالاته المزاجية ثم أعطاه ميعادا على قهوة التجارة فى شارع محمد على وفى الميعاد حضر الفنان محمد رشدى وسأل عبد الرحمن الأبنودي : عايز إيه ؟! فقال له الأبنودى : أنا جاى لك من عند الأستاذ محمد حسن الشجاعى وهنا بدأ يتكلم وتتغير معاملته وقال له عبد الرحمن الأبنودي أنه كتب أغنية له ويريد أن يغنيها للإذاعة لكن مش دا اللى أنا جاى لك علشانه .. أنا جيت عشان صوتك ومكانتك .. وسيبك بقى من القعدة دى وتعالى نتمشّى .. وسارا معًا حتى وصلا شارع الشريفين فى وسط البلد وطوال سيرهما ظل عبد الرحمن الأبنودى يتحدث عن الفن الشعبى وأهميته للبلد فى هذه المرحلة وأن هذا زمن العمال والفلاحين ثم قال للفنان محمد رشدى : ده زمنك أنت مش زمن عبد الحليم حافظ
كان محمد رشدى صامتا أغلب الوقت لكن بدا عليه أن الطاقة السلبية التى كان مشحونا بها بدأت تغادر جسده وقال لعبد الرحمن الأبنودي : دا أطول مشوار مشيته بعد الحادثة ثم أخذ تاكسى وعاد لبيته ومعنوياته فى السماء
لكن ظل الإذاعي الموسيقار محمد حسن الشجاعى محتفظًا بالأغانى التى كتبها عبد الرحمن الأبنودى وعرضها على الملحنين لتلحينها إلا أغنية وهيبة وعندما جلس عبد العظيم عبد الحق مع محمد حسن الشجاعي وقرأ كلمات أغنية تحت الشجر ياوهيبة قال : يا سلام ! مين كتب دى ؟ فردّ عليه الإذاعي محمد حسن الشجاعى : عبد الرحمن الأبنودى فقال له عبد العظيم عبد الحق : دا نَصّ ما حصلش فقال محمد حسن الشجاعى : ما انتو صعايدة زى بعض
لحن الموسيقار عبد العظيم عبد الحق أغنية تحت الشحر ياوهيبة وغناها الفنان محمد رشدى في حفلة عام 1964 وصارت أكبر نقطة تحول فى حياته ووقف على المسرح ونسى آلام قدمه وأصبح يغنّيها فى كل حفلة وأعادته وهيبة إلى الحياة مرة أخرى وصار أشهر مما كان وأفضل مما تمنى وصار لا يستغنى عن عبد الرحمن الأبنودى أبدًا فقد شعر بأنه أنقذ مستقبله الفنى وتغيرت حياة محمد رشدى وتغيرت أيضًا حياة عبد الرحمن الأبنودى فبعد أغنية تحت الشحر ياوهيبة هيبة طلب الشاعر محمود حسن إسماعيل مقابلة عبد الرحمن الأبنودي وعندما تقابل معه قال له : إيه الجمال اللى أنت بتكتبه دا أنت بتكتب كلام فوق مستوى الناس دى
ارتبط الشاعر عبد الرحمن الأبنودى فى هذه المرحلة ارتباطا وثيقا بالفنان محمد رشدى وكوّنا ثنائيا مهمًّا