كأس الأضاحي دار الكا ط1 2024
الزمان قبل 2017 ديسمبر وربما من نوفمبر 2003/
المكان خمسة ميل/ تل الورود
إن قيمة النصّ الفنّية تعود إلى جماليّاته الخاصّة – كما يرى هارولد بلوم – لا إلى رسالته الاجتماعيّة.
وهو رأي صحيح في شطره الأول، لكن جمال النصّ لن يكون كافياً من دون المعنى الجمالي والأخلاقي لرسالة النصّ، أي أن القيمة الفنّية لأيّ نصّ أدبيّ لا تكتمل من دون رسالة اجتماعيّة تُدين القباحة وتنتصر للجمال، وبالمقابل فإن الرسالة الاجتماعيّة مهما سمى هدفها ومضمونها لن تحقق جمال النصّ لوحدها من دون جمال البناء الفنّي.
ولكنّني سأقتصرُ في قراءتي ل ( كأس الأضاحي) على الجانب الفنّي والشكلي للنصّ، فقد ركّزت العديد من المقالات التي تناولت الرواية على المحتوى والشخصيّات والمضامين بزخم أثرى هذه الجوانب، والرواية تستحق كل هذا التركيز والإثراء، فهي تنحاز للنساء، للشريحة الأهم الهشّة والمضطهدة غالباً في المجتمعات البشريّة جمعاء ومن دون استثناء، وليس مجتمعاتنا فقط كما يحاول الإعلام الموجّه أن يوهمنا بذلك، وخاصةً من قبل مجتمعات الغرب وسياسات السوق الرأسمالية الخانقة لروح الإنسان عموماً والمستهينة بالكينونة الرقيقة للمرأة مع استباحتها جسديا والتعامل معها كآلة منتجة أو سلعة رخيصة، وعلى الرغم من الإيحاء بعكس ذلك والتخفّي تحت أقنعة متعددة من التغنّي بمظاهر الحريّة وحقوق المرأة، لكن جوهر ثقافتهم تجاه المرأة أشد بشاعة وأسوأ مما يحدث عندنا !
إذن لنكتفي بما كتبه الزملاء أدباء ونقاداً عن المحتوى السردي، ونبقى مع جماليات البناء الفنّي لكأس الأضاحي التي تضع صلاح عيّال مع الصف الأول المتميّز لروائيي البصرة والعراق.
إنّ البناء الفنّي للنصّ يمثل هويّته ويمثل بشكّل أدق بصمة الكاتب/ المؤلّف، واتساقاً مع هذا التوصيف يرى بلوم أن البناء الفنّي هو صراع يخوضه الكاتب ضد أسلافه الأقويّاء! ويعني بهذا أن الكاتب المبدع يسعى للتحرر من بصمات أساتذته ليطبع بصمته هو. فالموضوعات نادراً ما تكونُ جديدة، لكن طريقة تناولها وأسلوب المعالجة للأحداث والشخصيّات وتراتبيّة السرد هي التي تجعل من هذا النصّ أو ذاك نصّاً جديداً ومختلفاً.
لقد تناول موضوع المرأة وقضايا القتل والاضطهاد الذي تتعرض له عددٌ ليس قليلاً من الروائيين وكتّاب القصّة، لكن أغلبهم تناوله بطريقة تقليديّة مستنسخة لا فنّ فيها ولا متعة قراءة، وهو ما انتبه له الروائي صلاح عيّال عن وعيٍ عال بأهميّة التجدّد والابتكار في فنون السرد والتحرّر ممن سبقوه من المبدعين، فقد مزج بين اضطهاد المرأة بشكل خاص وبين عموم الاضطهاد للإنسانيّة كما قامت به عصابات داعش ضد الشباب الأبرياء في مذبحة سبايكر، حيث نجد أن جريمة قتل الفتاة ورود قد تزامنت تماماً مع ارتكاب مذبحة سبايكر، فقد ارتكبت جريمة قتل ورود في اليوم نفسه ( 11-12/ 6/ 2014 ) الذي قتل فيه رعد مناحي مع الشباب الأبرياء في سبايكر.
وبالإضافة إلى هذا قدم شكلاً فنيّاً وإن كان متداولاً لكنّه غير مستهلك بعد، واشتغل ببراعة ليطوّر تقنيّة المخطوطة المألوفة ويطبع بصمته الإبداعيّة الخاصّة به على البناء الفنّي لروايته ( كأس الأضاحي).
ثنائيّة البياض والحمرة
تصميم الغلاف الواجهة، باللون الرمادي السائد وكأنّه مزيج من دم وغموض ورماد وحزن وسواد طاغ، وبوجه الفتاة الجميل المسلّح بملامح القسوة والرفض، وتوزع اللونين الأحمر والأبيض بين اسم الكاتب وعنوان الرواية، كل هذا مناسب لمحتوى الرواية ومنسجم مع أحداثها ودلالاتها النفسيّة والاجتماعيّة. ولكننا نقف هنا مع ثنائيّة الحمرة ( الدم) والبياض ( النقاء وبراءة الطفولة) والتي تمثل روح النصّ الروائي في كأس الأضاحي.
بل أن هذين اللونين على غلاف الرواية يعلن عنهما أيضاً عنوان الرواية ( كأس الأضاحي) فالكأس بشفافيّته ووضوحه ورقته معادل للبياض، والأضاحي وما تستدعيه من ذبح ودم هي المعادل للأحمر الدموي، وما بينهما من مسافة ضؤلت أم اتسعت تبقى رماديّة غامضة كغموض ألغاز الجريمة التي يسعى المحقّقون للكشف عنها. وكأس الأضاحي فيها من ملامح الروايات البوليسيّة وغموضها، لكنها ليست بالتوصيف الدقيق للرواية البوليسيّة.
مخطوطات الرواية أو مصفوفاتها.
تحت العنوان الرئيس للرواية وفي صدر الكتاب ثبّتت الملاحظة التفسيريّة التاليّة ( رواية وصلت إلى صندوق البريد) وسيعرف القارئ أن صندوق البريد المقصود عائد لصلاح عيّال مؤلف الرواية ذاته؛ ومعنى هذا أن صلاح عيّال لا يتبنّى تأليف الرواية، وهي لعبة لجأ إليها الكتّاب منذ زمن بعيد، ولعل أوّلهم عبد الله بن المقفع الذي نسب كتابه كليلة ودمنة إلى حكيم هندي سمّاه بيدبا، وفعل هذا ببساطة ليتفادى غضب العباسيين المتوقع من مضمون الكتاب وحكاياته، خاصّة وأنه كان من كتّاب الدولة الأمويّة، ومثل هذا فعل الكاتب الفرنسي مونتسكيو حين نشر كتابه (رسائل فارسيّة) الذي انتقد فيه الأوضاع في فرنسا في عهد الملك لويس الخامس عشر، ولتفادي ردود فعل السلطات ضدّه نسبه إلى تاجرين فارسيين هما ( أوزبك و رضا ) وكان محظوظاً إذا لم يقتل ببشاعة كما قتل ابن المقفع على يد المنصور العباسي؛ وشخصيّاً لجأت إلى هذا أيضاً في روايتي (مخيم المواركة) وكذلك في روايتي الأخرى (نور خضر خان ) وحتى في طريدون، وفي كل ذلك كنت أنطلق من نظريتي التي تقول باختصار: إن من نسميه المؤلّف أو المبدع ما هو إلا ساعي بريد مؤهل تأهيلاً عالياً لنقل النصّ من ( القوة المبدعة الغامضة) إلى القارئ. وتفصيلها موجود في مقدمة كتابي هذا.
وبشكل عام فإن لجوء الروائيين إلى تقنيّة المخطوطة يتضمّن ولو بشكل غير مباشر تنصّل الكاتب عن تأليف كتابه لأسباب مختلفة، منها ما ذكرته في مثالي ابن المقفع ومونتسكيو، ومنها لأسباب أخرى، لكنها في عصرنا الحالي غالباً ما تكون أسباباً شكليّة يتخذها الكتّاب لتعزيز جماليات البناء الفنّي للرواية، وهذا ما نجده في كأس الأضاحي بوضوح.
تحتل الرواية مساحة تقارب 240 صفحة، وقد وردت عبر أربع رسائل أو ثلاث إذ وصل القسمان الثاني والثالث منها في رسالة واحدة. ووفقاً لهذه الرسائل تكوّنت الرواية من أربعة أقسام، متفاوتة المساحة، وعدد عناوينها الفرعيّة أو المقاطع لكل قسم مختلفة.
هذه هي المخطوطة التي وصلت لصلاح عيال على صندوق بريده من شخص استطاع معرفته، شخص حقيقي اشترى البيت السابق لصلاح! ولا أريد التوسع في الحديث عن شخصيّة سامي داود مرسل المخطوطة، فقد تناوله الزميل د. محمد عطوان باستفاضة، لكنني أتوقف عند إشارة مهمة تكاد تُخفي نفسها عن القارئ المتسرّع أو الذي لا يستخدم الأشعة تحت الحمراء في قراءته! ففي (ص 7) ثمّة جملة مهمة يوردها المؤلّف (أمّا البيت المثبّت في الرواية، فهو بيتي، الذي اشتراه سامي ذو العينين العسليتين الجاحظتين، وليس سامي مفقوء العين، كما في الرواية). فما هذا الاختلاف؟ هل عينه سليمة أم مفقوءة؟ في القسم الثالث ومنذ بدايّة الرواية نعرف أن سامي كان مفقوء العين. وقد فقد عينه تلك عند تعذيبه في سجن الأمن كما ورد القسم الثالث من الرواية. بينما يؤكد المؤلّف أنه في الواقع كان سليم العينين! لقد التقى المؤلّف بسامي قبل عشر سنوات من ورود الرسائل التي تتضمّن مخطوطة الرواية إليه، ففي (ص 5) يقول المؤلّف أنه لم ينتقل من بيته الذي ولد فيه إلا بعد أن تجاوز خمسا وأربعين سنة. وهو من مواليد 1962 كما تذكر الصفحة التعريفيّة ذلك (ص240). إذن لقد باع صلاح عيّال داره ل سامي سنة 2007 أو بعدها، بينما سقط النظام الذي فقد سامي بسببه عينه سنة 2003. يعني هذا أن هناك من غير شكل شخصيّة سامي في المخطوطة أو الرواية، وقد يكون هو سامي نفسه. هذه الملاحظة الصغيرة والمهمة قد تنعكس لتشمل وقائع وأحداثاً وشخصيّات أخرى في الرواية. ويعزّز هذا الرأي أن كل أسماء النساء أو أغلبها في الرواية من أسماء الأزهار (ورود، نرجس، جوري، زهور) فهل حدث هذا صدفةً أو أن هناك من تدخّل لتكون الأسماء النسويّة من مرادفات اسم الضحيّة ورود؟ وثمّة أمثلة أخرى أدعها لأن موضوع قراءتنا هذه هو البناء الفنّي وليس المضامين والمحتوى ودلالاته، والذي أرى – المضمون – أنّه تعرّض لطغيان مقص الرقيب، والرقيب ليس شرطاً أمن الدولة أو أجهزتها القمعيّة كما كان الحال قبل 2003، بل قد يكون الإرهاب الفكري للنخب الأدبية المتنوّعة المشارب والتوجّهات هو المقص الأقسى، أو دور النشر واشتراطاتها، وقد يؤدي الرأي العام الغالب الذي تشكّله منظمات (NJO) المموّلة دور المقص، أو الإعلام الموجّه، وربما كان المقص سايكولوجياً حين يخشى الكاتب الملتزم من أن يتهم بأنه مؤدلجٌ، أو مهووس بنظريّة المؤامرة، أو معاد للحريّات وحقوق الإنسان، وما أكثر مقصّات هذا العصر ورقبائه !
أذن هناك اشتغال فنّي على الواقع تضمّنته المخطوطة أو النصّ الذي وصل للمؤلف. ويبدو أن الفاعل هنا هو سامي نفسه، سامي داود الموجود بحضور قوي في كل الأقسام الأربعة للرواية. لكن هل كانت تلك الرسائل هي المخطوطة الوحيدة التي سبقت اشتغال صلاح عليها وتحويلها للرواية؟
إن الجديد نسبيّاً في تقنيّة المخطوطة في هذه الرواية هو أنها لم تأت دفعة واحدة كما هو الحال في التناول التقليدي لموضوع المخطوطة في العمل السردي روائيّاً، إذ تكشف القراءة عن عدة رزم من المعلومات أو عدة مستويّات سردية سنعبر عنها بالمخطوطات سبقت الرسائل الثلاث أو الأقسام الأربعة المرسلة إلى صلاح عيّال والتي تمثل المخطوطة الجامعة لما سبقها:
1- المخطوطة الأولى: أو المستوى السردي الأوّل والأساس هو ما رسمته الوقائع الحقيقيّة، أو لنقل مادة الواقع الخام التي تحوّلت إلى رواية.
وتفاصيلها في الصفحات ( 7-10) وغيرها، فقد جرت عملية قتل لفتاة اسمها ورود في مكان قريب من البيت الأول للمؤلف لكن ليس كما ورد في مخطوطات الرواية، وإن المرسل للمخطوطات اسمه سامي في الواقع لكنه غير اسم أبيه وجده، كما أن عينه حين اشترى بيت المؤلّف كانت سليمة عدا خدش أو أثر جرح مندمل قريبا منها، بينما هي في الرواية مفقوءة ومقتلعة من محجرها. وهذه التفاصيل الصغيرة تدل على أن الأحداث الخام الواقعية لا تتماثل مع ما ورد فيما أرسله سامي عبر صندوق البريد إلى المؤلّف. من المتوقّع أو المعتاد أن يلتزم المحقّقون أو الناس العاديون غير الأدباء بنقل الأحداث كما هي فلماذا غير سامي الوقائع؟ تقدم لنا الرواية تبريراً فنيّاً لذلك حين تقول إن لسامي بعض المحاولات وقد استهوته الكتابة القصصيّة (ص60- 62+ ص190)، وهذا يؤهّله أو يدفعه لرسم الأحداث كما يريد هو لا كما كانت هي عليه. ولعل سامي بهذه التغييرات الطفيفة أراد تحاشي ردود أفعال اجتماعيّة أو عشائريّة محتملة، وقد يكون ردة فعل أو إجراء قانوني، وربما كان التغيير متعمّداً من سامي الحقيقي أو صلاح لأسباب إنسانيّة لتجنّب التشهير وما إلى ذلك. وربما وهذا منطقي ووارد أن المؤلّف ذاته أي صلاح عيال هو من أجرى هذه التغييرات على رسائل سامي ليتفادى الوقوع في المحظور؛ وحكاية ابن مدينته القاص كارنيك جورج الذي اضطر في خمسينات القرن العشرين لمغادرة البصرة والسكن في البحرين ماثلة أمامه.
2- المخطوطة الثانية: هي ما تضمّنه كشكول أو دفتر النقيب عباس الذي سلّّمه للمتهم سامي داود. ففيه تحقيقات واستنتاجات توصل لها النقيب عباس ويقينه ببراءة سامي داود من تهمة قتل ورود وشكوكه بأن الفاعل هو زوجها وطليقها سعد الدين، تاجر ومتعاطي المخدرات الذي استغل فوضى سقوط النظام في 2003 ليتقنّع بقناع الدين ويرتدي ملابس الورع الكاذب ويوهم السذج والبسطاء. وأمثال هذا كثيرون، فالسلطة كإناء مليء بمستحلب سكّري ( الدبق بالعراقي) قد يحطّ عليه بعض النحل ليحوله إلى عسل، ولكن ما سيتزاحم عليه من الذباب كثير، وهذا يحدث مع كل سلطة اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية ومن كل الآيديولوجيات المتنوعة وليس الدينية فقط كما قد يُفهم من مضمون الرواية! وقد قام النقيب عباس بتسليم دفتره بما يحتويه من معلومات عن جريمة قتل ورود إلى سامي في محاولة أخيرة منه للدفاع عن العدالة والحقيقة.
3- المخطوطة الثالثة: بالإضافة إلى دفتر النقيب عباس كان سامي متهماً رئيساً بقتل ورود، كما أنه أول من شاهد جثة الضحيّة على التل المسمّى فيما بعد باسمها، وأطلع بمسعى منه ومحاولات تحرٍّ حثيثة على العديد من الحقائق، فكانت معلوماته ومشاهداته ومسموعاته من العجوز حسنة وغيرها عن ورود وطليقها سعد الدين وأمور أخرى، بالإضافة إلى دفتر النقيب عباس هي المستوى السردي الثالث، أو المخطوطة الثالثة المكوّنة لرواية كأس الأضاحي.
4- المخطوطة الرابعة هي ما حاول صفاء شقيق المحقّق حسام أن يدوّنه عن أسرار وملابسات جريمة تل الورود، ومن الطبيعي أن سامي قد أفاد من ذلك وضمّنه في رسائله التي أرسلها للمؤلف صلاح عيّال.
5- المخطوطة الخامسة: ما دوّنه ضابط الأمن سامي داود عن شقيقه طيف وحبيبته زهور، وما حدث لهما وكيف تعرضا لبطش النظام قبل 2003، كما سجن سامي نفسه مع أنه ضابط أمن بسبب ذلك، ويمكن أن نقول إن حكاية طيف وزهور ومعهما سامي رواية أخرى داخل الرواية الكبيرة، ويختصّ القسم الثالث من الرواية بعرض أحداثها الجهنميّة المرعبة، ولو عدنا إلى ص 11 والإضاءة الموجودة فيها (لا أفترض أن التلّ مكان للقتل… أخالهُ الزمن، ما قبل … وما بعد 2003 بل أشدد على ما بعد) هنا نجد شقّين، ما قبل 2003 وما بعدها، في عهد النظام السابق وفي عهد النظام الحالي. ومن الواضح أن مأساة زهور وطيف تنتمي لما قبل 2003، ثمّة إشارات عن نهاية زهور قتيلة تحت يد سجانيها، لكن من دون تصريح واضح (ص189-190). إن سكوت النصّ عن مصير زهور يريد أن يقول لنا أنها قتلت ضحية بريئة كما قتلت ورود عند ذاك التل بدلالته الزمانية وليست المكانيّة، اليد المجرمة التي قتلت زهور وحبيبها طيف داود قبل 2003، هي ذاتها اليد المجرمة التي قتلت ورود وحبيبها الشاب رعد مناحي المذبوح المغيّب مع ضحايا مجزرة سبايكر ال (1700) شاب كلهم أبرياء كبراءة طيف داود. هذه المخطوطة المستقلّة الشاهد الوحيد عليها هو سامي داود شقيق الضحيّة طيف. فهل يمكن أن يكون ضابط الأمن السابق المعروف بقسوته في تعذيب ضحاياة ثقة فيما قاله هنا؟ لعل المؤلّف أدرك هذا الإشكال، فلجأ لمنح سامي بعض الخبرة في الكتابة القصصيّة، والقص والسرد الفنّي عموماً غير معني بذكر الحقيقة كما هي، بل بالتعبير عن جوهرها وهو الأهم، وما رواه سامي في المخطوطة الرابعة وذكر في القسم الثالث من الرواية منطقي ومعروف عن أجهزة الأمن قبل 2003. وعزّز المؤلّف هذا بإيراده العديد من الصفات الإيجابية لسامي بعد أن سكن في البصرة فهو ينظف السواقي ويجمع أكياس القمامة ويسلك المجاري وينظف عتبات البيوت من دون مقابل، ولم يحدّق يوماً بعتبة بيت. وهذا قد يبدو طبيعياً في محاولة من سامي لرسم صورة تحببه عند الناس وهو الغريب اللاجئ إلى البصرة هرباً من ماضيه القذر والمأساوي في وقت واحد.
6- المخطوطة السادسة: هي الأقسام الأربعة والمرسلة عبر ثلاث رسائل إلى صندوق بريد المؤلّف. وهي تتضمّن المخطوطات أو المستويات السرديّة السابقة كلها، وكان كل قسم يتكوّن من عشرة مقاطع، والمجموع الكلي أربعين مقطعاً. وصل القسم الأول الى صندوق بريد المؤلّف برسالة مؤرخة في 27-12-2017، ومرسلة من البصرة مدينة المؤلّف ومستقرّه، ومن حي خمسة ميل الذي كان يسكنه ولم يغادره إلا قبل عشر سنوات. لكن المؤلّف لم يتسلّمها إلا بعد أسبوع في 3-1-2018. ثمّ ورد القسمان الثاني والثالث في رسالة واحدة بعد ثلاثة أشهر، وبعد سنة في 1-4-2019 وردت الرسالة الرابعة وبضمنها القسم الرابع والأخير. يمكن القول إن القسم الأول كان عن جريمة قتل ورود ومسار التحقيق وتفاصيله، وهو وحده من بين الفصول الأربعة الذي اكتسى بملامح من الرواية البوليسيّة. أما القسم الثاني فكان عن سيرة ورود وأسرتها وكيف ألقى بها القدر بأحضان سعد الدين. ويكاد القسم الثالث أن يختصّ بزهور وحبيبها طيف وما حدث لهما ولسامي قبل 2003. وعاد القسم الرابع إلى تفاصيل حياة ورود وجريمة قتلها ومجريات التحقيق؛ واللافت أن الشخصيّة الأساسية الموجودة بفاعلية في كل الفصول الأربعة هو سامي داود؛ ضابط الأمن في زمن النظام السابق ثمّ ضحيته، والمتخفّي في زمن ما بعد 2003 والشاهد على جريمة أخرى قتلت فيها الشابة ورود كما كان شاهداً من قبل على جريمة النظام السابق ضد الشابة زهور. ونتساءل هنا: هل كان سامي سامياً فعلاً كما تدفع الرواية قراءها نحو ذلك، حتى أن القرئ ومن دون وعي سيتعاطف معهُ ! أو أنّّ ما فعله لا يبرئ ساحته مما كان يقترفه من أفعال في خدمة النظام الدكتاتوري المرعب؟
7- المستوى السردي السابع أو الشكل الكتابي الأخير للنصّ الروائي هو الذي اشتغل عليه المؤلّف صلاح عيّال وقدمه للنشر، بعد أن حذف وأضاف وهذّب وشذّب وخرج بأربعة أقسام لكنها لا تضمّ 40 مقطعاً فقط بل ضمّت أكثر من 60 مقطعاً، وتضمّنت إضافات مهمة لا غنى عنها لإنجاز البناء الفني للرواية، بدءاً من العنوان ( كأس الأضاحي) وقد تطرقنا له ولإشاراته بين حمرة الدم ونقاء البياض ويمكن أن نقول في دلالة سيميائيّة أن الحمرة والبياض هما من قرائن العرائس والزفاف، ثوب الزفاف الأبيض الدال على النقاء وحمرة الطهارة والخصب، ويشمل هذا العرائس الضحايا، والعرسان الضحايا في سبايكر.
8- أما الشكل الأخير للنصّ/ الرواية، فهذا لا يخص نصوص التقليد والاستنساخ والتكرار، إنما يمتاز به النصّ الإبداعي فهو متعدّد ومتجدّد ومختلف بتعدّد القرّاء وتجدّد القراءات واختلاف أذواقهم وميولهم ومرجعيّاتهم الفكريّة والثقافيّة. فالقارئ هو المؤلّف الحقيقي للنصّ أو المؤلّف المشارك كما تقول نظريّات القراءة، والأرجح برأيي أنّ القارئ هو الركن الرابع الأخير واللانهائي من أركان العملية الإبداعية ( كما بيّنت في مقدمة كتابي هذا ) ولأنها – العمليّة الإبداعيّة – لا تكتمل إلا به ومعه تتكاثر الرواية وأيُّ نصٍّ أدبي بتكاثر عدد القراء وبتعدّد قراءات كل قارئ.
الإهداء:
أُهديت الرواية إلى ( نادرة عبود) ويشير الإهداء هذا إجمالاً إلى أنّ كتابته لهذه الرواية إنما كان لها ومن أجلها، فنادرة عبود هنا تمثل النساء جميعاً، ضحايا التخلّف والقهر الاجتماعي. كما أضاف فقرة ( التنويه ص5-10 ) المهمة جداً في البناء الفني، وكذلك المفتتح الذي تلاه ص11 ولذي أفاد بأنّ تل الورود هو حضور زماني أكثر منه مكاناً، فكل جرائم الوأد والقتل والظلم أنما حدثت عبر الأزمنة في تل الورود المفترض. ولا يفوت القراءة أن تنتبه لتأخير الرسالة الرابعة إلى نهاية الرواية وكشف فيها عن مصير سعد الدين وأم ورود نرجس وزواج العجوز حسنة من طارش، وكيف ورثت نرجس مهنة حسنة بعد موتها فتولت بيع الباقلاء كما كان تفعل.
أسماء الضحايا صدفةٌ أم صنعة؟
ورود / نرجس/ سوسن / جوري/ رحيق حبيبة رعد مناحي/ زهور .. وحتى الراقصة الغجرية اسمها كاميليا على اسم زهرة الكاميليا، هل ترادفت هذه الأسماء بمحض الصدفة؟ ما تقرّره القراءة: لا، لقد تدخل أحد مؤلفي الرواية في اختيارها، وأقصد بمؤلفي الرواية النقيب عباس وكشكوله الدفتري، أو صفاء شقيق الضابط المحقّق حسام، أو سامي داود ورسائله الأربع، أو صلاح عيّال ذاته. وأيا كان منهم فالنتيجة في النهاية ترسو عند مؤلف الرواية صلاح عيّال، إذ لو لم يكن مقتنعاً لقام بتغيير بعض السماء كسراً لهذا الترادف المصنوع عن عمد. وتدخل الكاتب في اختيار أسماء شخصيّاته لتمرير رأي ما أو رسالة مشفّرة ليس بالجديد على عالم الرواية، بل بالعكس فهو مستهلك ومكرر والسرد الحديث يحاول تجنّبه، لكنّنا يمكن أن نجد إشارة جميلة في الترادف الوردي أو الأزهاري، إشارة تعيدنا إلى الإهداء الذي افتتحت به الرواية، إلى نادرة عبود، وكأنّ صلاح يريد أن يجعل من نادرة خلاصة لكل تلك الورود وعذاباتها في هذا المجتمع القاسي المتشدّد تجاه المرأة.
وإذا كانت الصنعة وتدخل المؤلّف واضحاً في تسمية الفتيات والنسوة بأسماء لطيفة، لكن ما اتصفت به أغلب هاتيك الفتيات أو النسوة الضحايا من القسوة وحدّة الانتقام وبالميل للعنف في مقابل القسوة والعنف الذكوري المتسلّط عليهن، يبدو مبرراً من الناحيتين النفسيّة والفنيّة.
– ففي ص 81 نجد أن نرجس أم ورود تحاول الانتقام لصغيرتها التي دنّسها سعد الدين وتمكّنت من طعنه بسكين، وكادت أن تطعن زوجها لولا أن أغمي عليها، وفي مرة أخرى صفعت زوجها عدّة مرات مما دفعه للانتحار تحت عجلات القطار ص 204، كما أنها عمدت إلى إحراق راجي الهندي لأنه حاول الاعتداء عليها ص119، وفي حادث آخر بترت ذكورة رفيق حزبي احتال عليها بأقراص التنويم واغتصبها ص121.
– وأم جوري تقرّر الانتقام من قاتل ابنتها وحفيدها لولا أن زوجها منعها من ذلك ص93.
– والفتاة زهور صفعت امرأة مختصّة بتهيئة الفتيات الضحايا لعدي ابن الدكتاتور، كما أنها ضربت المحقّق حمزة عندما حاول لمس صدرها ص182.
– وهذه السمسارة السلطويّة أصدرت أوامرها بقتل والد زهور وحبيبها طيف انتقاماً من زهور ص176.
– أما ورود فقد أرادت قتل الحارس الذي اغتصبها ومعه زوجها بالمسدس ص213، وحين قام الحارس منذر باختطافها ضربته بقطعة حديد حتى أوقعته، مما يدل على درجة من الحدّة والقوّة في الرفض والمقاومة ص229.
– والعجوز حسنة بائعة الباقلاء كانت قاسية أيضاً مع أزواجها.
هذه الحوادث تدلّ على أن الورود لم يكنّ هشّات ورقيقات إلى الحد الذي يمكن معه سحقهن بسهولة، ولهذا ربما كان سامي يسمّي ورود ب أشواك. ومن ناحية التحليل النفسي فإن هذه القسوة التي اتصفت بها الفتيات والنسوة الضحايا منطقيّة كردود أفعال ومبرّرة. خاصة وأن كل الرجال الذين مروا بحياة أولئك الضحايا كانوا قساة حد الوحشيّة والإجرام.
وفي المسافة بين صنعة الأسماء النسويّة وطبيعية ردود أفعالهن القاسية ثمّة مساحة للتأويل ترى نوعاً من التكامل بين الحدّين، فحد الرقّة في الأسماء قد تكون محاولة لاشعوريّة من الكاتب للتغطية على حد القسوة في الأفعال، وهي جزء من الانحياز الكامل الذي تتبناه الرواية ومؤلفها لصالح المرأة المضطهدة، بدءاً من الإهداء ومروراً بكل التعاطف الذي يوجه القراءة لإدانة الوأد والظلم والقسوة التي تبيحه الأعراف المتوارثة بعيداً عن الدين والإنسانيّة في المجتمع الذكوري. وأكرر ملاحظتي أوائل هذه القراءة من أن ذكوريّة وتخلّف المجتمعات لا تنحصر بمجتمعاتنا الشرقيّة بل تشمل المجتمعات الغربيّة وغيرها والفرق هو في درجة التمويه وتعدد الأقنعة التي يتفنّن الغرب في صناعتها.
وأضيف ملاحظة مهمة تلتقطها القراءة وأقرتها الوقائع، وهي أن النظام قبل 2003 كان برأسه ومؤسّساته ومحقّقيه ضد الإنسان، وتؤكّد هذا أفعال عدي وزمرته والمحقّق حمزة والمحقّق سامي والمحقّق ياسر وغيرهم، إذا كانوا على الإطلاق ضد ضحاياهم من دون أدنى رحمة أو تعاطف، بينما نجد أن النظام شبه غائب أو مغيّب بعد 2003، لكننا نتلمّس اختلافه الإيجابي من خلال تصرفات ومواقف المحقّقين مثل النقيب عباس طالب عيّال ( لاحظ تقارب الاسم مع اسم المؤلّف صلاح عيال) وكذلك المحقّق حسام، أما سعد الدين الذي ارتدى قناع رجل الدين فقد كان مروّج ومتعاطي مخدرات وذو سوابق إجرامية والنظام الجديد قضى عليه في النهاية، مما يشير إلى الأمل بالخلاص من كل طفيليات السلطة وتحقيق العدالة الاجتماعية على يد النخب المثقفة الواعية الملتزمة، كما فعل المؤلّف صلاح عيّال حين انتصر لزهور وورود ورعد مناحي وغيرهم من الضحايا.
لقد أراد صلاح الإشارة إلى الفرق الجوهري بين ما قبل 2003 وما بعدها ! والذي قد لا تراه العقول والعيون السليمة وما أكثرها، فنحن نعاني حتى في أوساط النخب من أمراض عقلية أو فكرية تتعلق بالوعي والقدرة على قراءة الأحداث، ويمكن أن نطلق على أمراض الفكر والعقل هذه تسميات مماثلة لتسميات أمراض البصر والعيون؛ فهناك العَور العقلي للذين ينظرون من زاوية واحدة ويبنون مواقفهم على أساسها، وهناك قُصر النظر الفكري، والعشو العقلي، وعمى الألوان وما إلى ذلك. فهل يستطيع مفقوء العين كسامي داود وهو ابن النظام السابق والمثقف أو المحقّق القاسي أن يرى الواقع بعد 2003 بعين واحدة ؟ طبعاً لا، لذلك نجده لا يرى ضحيّة التل وروداً، بل يراها أشواكاً ! ونجده يركّز على شيطنة مسمّيات ما بعد 2003، كالشيخ والأحزاب وو إلخ، ويتناسى بشكل واضح مسمّيات ما قبل 2003 التي كان جزءاً من منظوماتها الإجرامية.
بل نجد أن أغلب الشخصيّات في هذه الرواية نصفيّة الجسد أو السلوك، نصف سليم ونصف معطوب ! كما لو أن هناك من يلح لإيصال رسالة تقول إن النواقص وأنصاف الحلول وأنصاف الأفكار هي التي تسود الواقع الذي تتناوله الرواية.
– سامي كما تقدم بعين واحدة، عين مفقوءة وأخرى سليمة، ولكن السليمة جاحظة = بروز وارتفاع ورؤية، بينما تمثل المفقوءة حالة انخفاض واختفاء وعمى، وحين نعرف أن المفقوءة هي العين اليسار والسليمة الجاحظة هي اليمين تنفتح أمامنا طاقات التأويل وتتوالى الإشارات، فالجحوظ قد لا يقل عمى من الناحية الفكرية عن عمى المفقوء ! وبكلتا الحاتين البصر غير سليم .
– جوري أم نرجس وجدّة ورود أحد نهديها مهروس وضامر لا حياة فيه، والآخر ناصع البياض ومكتنز.
– نرجس أم ورود يد سليمة ويد مشلولة وبعين كليلة أيضا وشلل نصفي أواخر أيامها .
– أحمد والد ورود أكتع وجسده متضرر الهيكل.
– حسنة بائعة الباقلاء عرجاء.
– منذر حارس سعد الدين أعرج.
– وهناك تناصفات أخرى، مثلاً والد ورود وأخوها بليدان، بينما هي وأمها ذكيتان.
– سامي الأعور لا ينظر للناس ( من الخارج تجاه الداخل / البيوت ) لكنه نظر من داخل بيته من خصاص السياج إلى المشهد الخارجي . رؤية ذات اتجاه واحد هنا.
– سامي ذاته قاس ومجرم من جهة، وشخص آخر بمواصفات طيبة من جهة أخرى.
– المحقّق حسام قاس من جهة مع المتهم سامي، ومتعاون من جهة أخرى معه .
أدوات الرؤية القاصرة هذه كيف لها أن تحيط بالكأس المدورة، كاملة التدوير، كأس الأضاحي؟ وكيف لها وهي أما منطفأة النظر أو مشلولة النصّف أن ترى دم الأضاحي على حقيقته؟ دم الفتيات الورود أو دم الفتيان في سبايكر؟
الكأس دائرة من 360 درجة، وشفافة لنرى ما بها من دم طازج طريد، ومن حاولوا وصفها من الرواة كان مجال رؤيتهم محدوداً، أما قصوراً غير متعمد منهم كما هو حال النقيب عباس الذي منعه الاغتيال من إكمال مهمته، أو كالكاتب صفاء، وأما نقصاً وقصوراً عن الإحاطة بالمشهد الكلي للدائرة وكمالها بسبب أحادية النظر وزواياه المحدودة الناقصة، كسامي وأمثاله.
لن يرى كأس الأضاحي على حقيقتها سوى كلّي النظر وسليم الرؤية وحاد البصيرة، معرفةً ووعياً وأخلاقاً، وهذا ما سعى صلاح لتخليقه وتحقيقه..
هذه باختصار وبكثافة سيميائيّة عالية أهم رسائل القوة المبدعة الغامضة التي كتبت هذه الرواية وأرسلتها بيد مبدعٍ أو ساعي بريد مؤهل تأهيلاً جيداً اسمه صلاح عيّال .