د. امجد فرج الربيعي :
لا أعلم ما الذي حدث حتى صرت اشعر بالعجز التام كلما أهم بأن اتابع دروسي ؟
فاترك الكتاب من يدي , لاهيم في عالم غامض بعيد عن خليط من الوهم والحقيقه .
لا اعلم ما الذي يجري ؟ فانا اشعر باني غريق في بحر من الحيرة .
من هنا بدأت أتسال كيف قضيت سنين الدراسة السابقة كلها أذن , وبتفوق ؟
حينها لم يكن ينتابني اي شيء . كنت أقرا حينما اريد , واتوقف حينما اريد . ماذا جرى لي الان ؟ كانت التقديرات فوق المتوسط في السنين السابقة. وفي السنة الماضية كنت قد حصلت على تقديرات عالية الى الحد الذي صرت فيه قريبا من الترتيب الاول في الصف .
ماذا جرى الان ؟
هل هذه السنة حاسمة في تحديد مستقبلي ومصيري ؟
ام ماذا ؟
ربما هو الخوف من عدم الحصول على ما ارغب من الحدود العليا ,ام هو الحرص على بلوغ درجة الكمال في فهم الدروس . وهذا ما يشعرني بالعجز , فانسحب من المتابعة عاجزا عن ذلك . هكذا كنُت اقضي الساعات وانا اناقش نفسي . وانظر الى الكتاب بعيون تائهة حائرة . ولا استطيع ان احيط به فاشعر بضيق شديد . والصراع في داخل نفسي بلغَ أوجهِ .
فاقسى شئ على نفسي في الوجود , حين اقع اسير العجز ..
……………………
ماذا افعل .؟
الوقت يمر سريعا , والجميع ينتظر مني نتيجة .ويعتقد انني اقرأ دروسي الان .
احيانا كنت اقول لنفسي ان الدراسة لم تخلق لي , وانني لا اريد الالتحاق الى اي كلية علمية . ولا اريد ان اكون مهندسا ولا طبيبا . وانما خلقت لعالم حالم اخر . عالم اجد فيه ذاتي . عالم ادون فيه كل خلجاتي . عالم يحمل كل العالم على اكتافه . عالم لا يمكن لاي انسان ان يصله الا من يفهم الحياة .. هو عالم الادب والفن .. عالم القصة ..
واول القصص آثرت على نفسي ..ان اكتبها ابصرت… ان تكون قصتي .!
………………………
لقد ضاقت نفسي بكل شئ , وصار كل شئ امامي عبارة عن وهم . فلا شئ في هذه الدنيا يستحق الاهتمام . ان الجميع يضحك من نفسه . فهم يعيشون في دوامة لا نهاية لها . انهم يهيمون في بحر من الأوهام . فنحن جميعا انما نعيش تحت الماء ولم نصل الى السطح لنرى النور .
…………..
لا زلت اذكر كم اعترضتني في حياتي صعوبات ومشاكل . ما كنت احسب يوما انني سوف اجتازها ابدا . ولكن الشريط . لا يقف الا حيث مقدر له . فشريط الصوت لا يسكت الا بعد ان يقول اخر كلمة امليت عليه .
ما زلت اذكر احداثا بعيدة في عالم الطفوله . وكانها خارجة من عالم اخر ملئ بالضباب … كنت ُ اكبتْ كل رغباتي حين كنت طفلا , وحتى بلغتْ ما بلغتْ . من اجل ماذا ؟ من اجل ان اتجنب كلمات الانتقاد والتنبيه والزجر . الذي كان يلقنني اياه ابي كل يوم , وفي كل ما اعمل .سواء كان مهما او تافها . سواء نجحت فيه او فشلت .لذلك كنت اعمل كل ما يمكن ان يحوز على رضاه .. ولا اعتقد ان هناك شئ يحوز رضاه .. واتجنب كل ما يُغضبه كل شئ ! وهو يُغضبه كل شئ ! كنت مثل سيزيف في الاسطورة المعروفة . فكانما حكم عليٌ ابي بنقل الصخرة من الوادي دون ان استطيع ذلك .
……
لقد حرمتْ … من فرح الطفولة ومتعتها .. ومما يلهو به الاطفال , فكل ذلك كان خروجا عن الادب او مضيعة للوقت في نظره ِ . ولكنني ما زلت طفلا لم يعرف الجد طريقا الى نفسي بعد . لقد كنتُ اسرق لحظات اللعب واللهو . فقد كنت استطيع اللعب فقط حينما يغيب عن البيتْ .
كل ذلك صار بذرة تعهدتها يد الحياة بالرعاية . وسقتها غمائم الزمان . فنمتْ وكبوتْ . وصارتْ تسيرني حين صرت شابا دون ان اشعر . صرت اطلب كل شئ . ولكنني تعبت وخانتني الثقة بنفسي . فكنت اخشى ان دخلت الامتحان ان لا احصل على ما اريده انا . وليس على ما يريده ابي . فلقد صرت انتقد كل اعمالي . وصرت احاسب نفسي حسابا عسيرا . ولا ارضى عنها .. واخرج من هذا البحر المتلاطم من التأملات منتبها الى نفسي والى الواقع المؤلم . فارمي بالكتاب جانبا ويغضب . ثم اقع فريسة لوخز الضمير . فكل زملائي يذاكرون الان . وانا ساكن لا اتحرك . الوقت يقطعني فماذا افعل ؟ كنت اهرب من هذا الصراع المميت الذي لم اكن احتمله . الى كتبِ القصص والشعر . التهم منها ما يسكن الالمي . احيانا كنت اخبر والدتي باني لم اكن اقرأ .ولم اذاكر اي شئ ابدا , كنت افعل ذلك ربما لكي يرتاح ضميري من الشعور المزعج بانني اخدعهم في حين كانوا يظنون انني اقضي الوقت بالمذاكرة .فاقع من جراء ذلك في صراع اقوى وأمر من السابق , لانني ارى علامات الحزن والالم والاحتجاج على وجهه امي .
ماذا افعل ؟! الى اين اهرب ؟
اخذت احفظ قصائد الفخر . وكنت اتغنى بها لاهيا او ملتهيا عن الوقت الذي قطعني . ثم صرت اجد سعادة وشعورا مريحا يعيد الى نفسي بعض التوازن . حين احاول ان اكتب شعرا في الفخر لنفسي . فانا وحدي الذي … وانا .. وانا …
وكأن شئ حدث . ربما يكون هو الذي حسم هذا الصراع . ودفعني الى الامام بقوة .
كانما اراد الله ان ينقذني من الصراع . وكان شريط حياتي اراد ذلك . وكانما الاقدار ارادت ان اعاني من هذا الصراع . حتى اصير اكثر رهافه في الحس وعمقا في التفكير من اقراني . فلعلها نعمة كانت !!
………………..
لقد صنعت مني هذه المعانات انسانا مرموقا . واليك ما حدث ..
في احد الصباحات شعرت اني بحاجة الى التنزه . كي ازيل عن نفسي الضيق والضجر . الذي كاد يخنقني . فخرجت من البيت هائما على وجهي . لم اكن ادري كم مشيت . ولكنني انتبهت فجأة , فاذا انا اجد نفسي في ارض جميلة لم اشاهدها من قبل . تبهر العابرين بالتوقف فيها , فجلستْ تحت ظل شجرة كبيرة . وكانت تمر من امام ناظري ساقية مائها صافي .. تخيلته انه نقي جدا . كانه يروي عطشانا ..شعرت ان هذا المنظر الجميل أزال بعضُ الهم من صدري . فلقد كنتُ اعشق الطبيعة وخصوصا المناطق الهادئة , وفيما انا اتامل ذلك المنظر الجميل . لفت انتباهي حيوان صغير جدا . مر من امامي ساعيا الى الماء وفجأة رايتهُ يسرع نحو بغيته . وكأنه توجس خطر ما . امعنت النظر فرايتْ طيرا جارحا يشق السماء وهو يريد هذا الحيوان المسكين الذي لم يعد يملك حولا ولا قوة فهو قد صار بعيدا عن جحرهِ ولا امل له في الرجوع اليه سالما . رايته ولشد ما عجبت حينها – يسرع نحو الجدول باصرار يريد ان يروي ظمأن دون ان يتردد .
….
استيقظت صباحا وانا منشرح النفس . مستقرا . ولقد شعرت انني استطيع ان اقرأ واذاكر دون هواجس او تردد . واجتزت هذا الحاجز –الذي كاد يودي بي – لان شريط حياتي قد امليٌ هكذا .
كانت هذه الذكريات المؤلمة قد مرت في خيالي بسرعه . وانا جالس في حديقة المنزل وعمري قد تجاوز الاربعين . وقد حصلت على شهادة الاختصاص في الطب . وها انا ذا اليوم اكتب الشعر . وقصائدي معروفة في الاوساط الادبية ولكني لا اكتب في الفخرِ فقط . وانما في جميع الاغراض . وربما اقل ما اكتب فيه هو في الفخر .. لان الجميع يسعى الى تحقيق طموحاته . ولست انا فقط . وان الاقدار احيانا يكون لها فضل واثر واضحين في حياتنا … ولان شربط حياتي لم يتوقف بعد . ولا اعلم متى سيتوقف . لكني اعلمكم ان ابي هو صاحب الفضل الاول في رسم شريط حياتي .. لانه جعل مني طيرا جارحا بدلا من عصفورا صغير منكسر ..
—
قصة لطيفة ،،
ذات عبره كبيره ،،
تدل عن طموح ممزوج بالالم ،،
وبضمير حي رغم كل المعانات ،،
احسنت ،،
وبالتوفيق ،،
،،،
تحياتي
قصه ذات معنى كبير. اعجبتني . احسنت النشر بالتوفيق ننتظر كتابات اخرى في الإعداد القادمة
قصه ذات معنى كبير. اعجبتني . احسنت النشر بالتوفيق ننتظر كتابات اخرى في الإعداد القادمة