
تميز العرض المسرحي لالة غزالة، الذي قدمته فرقة ورشة الإبداع دراما مراكش المغرب ببساطة الديكور وبوحدة المكان. كانت أكسيسوارات المسرحية عبارة عن صخرة، ثلاث مظلات شمسية وخيمة على شكل قبة وأدوات بسيطة وظفت في مشهد التسوق. بينما اكتفى اللباس بأزياء تقليدية عادية. ببساطة الديكور والملابس اقترب العرض من المسرح الفقير أو مسرح الشارع. الذي يتمركز فيه الفعل الدرامي على جسد الممثل، وما يصدر عنه من أصوات وحركات. لهذا كان جمهور مسرحية لالة غزالة يتابع أدنى حركات الممثل، إيمانا منه أن أي حركة من الممثل لها دلالة، وأن كل حركة هي جزء من تشكيل جماعي للحركات يحمل صورة تعبيرية جمالية مؤثرة تخضع لإيقاعات المسرحية المتنوعة. فماذا يُقصد بالحركة في المسرح؟
كلما ذُكرت الحركة، نتذكر الفيزياء كعلم طبيعي يهتم بدراسة حركة الأجسام، وما يقع عليها من تغيير. تعتمد الفيزياء في دراستها للحركة على حساب المسافة والزمان، وما يتحقق من إزاحة، مبرزة من خلالها أنواع الحركة: الخطية، اللولبية، التذبذبية، التوافقية… إن المتأمل للحركة في عرض مسرحي سيستحضر هذه المعايير العلمية الفيزيائية، لكنه سيصل إلى أن البحث في الحركة المسرحية ذو وظيفة تواصلية؛ تعبيرية جمالية. إنها تشكيل فني يتغيّا الإمتاع والإقناع بعيدا عن صرامة الحقيقة التجريبية العلمية.
تُعرف الحركة في العرض المسرحي بأنها التعبير المرئي عن انفعالات وعواطف وهواجس وأفكار الممثل، وهي التجسيد الحي للفعل الدرامي فوق خشبة المسرح.
تأسيسا على هذا التعريف استغنت مسرحيات البانتومايم عن الحوار والصوت، وتركت الجسد يتكلم بطلاقة منجزا أفعالا درامية عظيمة، بل إن أنجح المسرحيات التراجيدية والكوميدية تتخلى عن الكلام لفائدة لغة الجسد مستجيبة لقاعدة في التمثيل تقول للممثل: “دع الجسد يعبر، وعندما تعجزْ عن التعبير جسديا تكلم.”
تصدرُ الحركات المسرحية من ثلاثة مواقع في الجسد هي:
1ـ الوجه: يُنجَز بواسطة الوجه مجموعة من الحركات التعبيرية كالابتسامة والعبوس، والترحيب والترغيب، والضحك والبكاء، والغضب والرضى، والقلق والانشراح، والترقب والشك، والتحايل والاستهزاء والصرامة والاسترخاء…
2ـ اليدان والأصابع: تُوظَّف حركاتها للإشارة والإيماء، للقبض على الأشياء وتسليمها، للمصافحة والعناق، للسلام والوداع، للرفع والانحدار، لتحديد الأمكنة والأشياء وتوجيه الأنظار، للعد والصفع والتشابك والقتال…
3ـ الرجلان: للانتقال من مكان إلى آخر، للقذف والوقوف والارتكاز والصعود والهبوط، للرقص والمشي والركض…
من هذه الأجزاء الثلاثة للجسد تتشكل العناصر الدينامية للحركة في العرض المسرحي، وتوفر للممثل كل أساليب التعبير الحقيقية والمجازية وكل الإشارات الضرورية للتواصل وسُبل الوصول إلى كل المواقع داخل مساحة العرض.
إن رصد الكيفية التي وظف بها الجسد داخل مسرحية “لالة غزالة” يكشف مدى مساهمة الحركات في إضفاء الطابع الدرامي على التيمة الأدبية للمسرحية، ونقلها من فضاء الورقة ككلمات ساكنة إلى فضاء الركح كتمثيل متحرك.
تتمركز جل حركات الممثلين في لالة غزالة حول مركز ثقل الفعل الدرامي في المسرحية ألا وهو الصخرة /الضريح. ومن أجل إدماجٍ سريعٍ للجمهور في أجواء العرض المسرحي، وفي غياب أي ديكور موحٍ داخل الخشبة، قدم الممثلون في بداية العرض حركات جماعية عبارة عن رقصة مريدي الزوايا المغربية، فكانت تعويضا عن البرولوج، وأسرعت في انخراط المتفرجين في أجواء محددة سيفرضها التحول المفاجئ من الاكتشاف العلمي(اكتشاف المهدي رسم غزالة على صخرة يعود لحقبة تاريخية قديمة) إلى الوهم الخرافي (تحويل شيخ القبيلة الرسم إلى قبر امرأة أضفى عليها الولاية والصلاح مانحا لها اسم لالة غزالة من أجل الاسترزاق). فرض هذا التحول على الممثلين توظيف جميع الحركات خدمة للصراع بين الحقيقة العلمية والخرافة الوهمية. وجَّه المخرج كل الحركات نحو النقطة المرجع في المسرحية (الصخرة). استجابت لذلك الوجوه والأيدي والأصابع والأرجل. فتحول سكان القرية إلى فئتين متصارعتين.
يمثل الفئة الأولى كل من الشيخ (عبد العزيز البوزاوي مخرج المسرحية) ورحال (سالم الدابلا) وعباس (عبد الرحيم رضا) إضافة إلى سليمان (زهير الزهراوي).
وُظفت حركات كل ممثل من هذه الفئة في تزكية الخرافة وترسيخها وإذاعتها بشتى الوسائل. وصلت حركات هذه الفئة الذروة في الحوار الذي دار بين الشيخ ورحال، العارفان بحقيقة الصخرة: أبرزت حركات رحال كيف تُطْمسُ وتنسى الحقيقة أمام ضغط الإشاعة (الاعلام) والسلطة. جاء في حوار للشيخ بعد أن شاهد رحال العارف للحقيقة يتحول إلى مؤمن بالخرافة:
الشيخ: لا.. لا.. غير سير هاذ الساعة…
هذا شانطيو (عينة) زويين.. ملّي رحال اللي كتب معي القصة يزور لالة غزالة… ما بقا ما يتقال.. مازال هذيك الزاهية.
إن المشاهد المتأمل لحركات كل من الشيخ ورحال في هذا المشهد، يدرك الملامح السلطوية للشيخ كراع لخرافة لالة غزالة، وكيف وظف حركات الرِّجلين بمساعدة عكاز لتأكيد سردياته نحو لالة غزالة، مستغلا لذلك النظرات المعبرة عن الاستغراب والفرح والدهشة واليقين. بينما حركات رحال في نفس المشهد تؤكد أن فكرة الخرافة قد تغلغلت في النفوس، وتحولت إلى حركات تُعبر عن درجة الإستسلام كتقبيل الصخرة، والتمسح بها محاكيا بذلك كل حركات زوار الأضرحة في العالم الإسلامي.
تؤمن الفئة الثانية بأن الصخرة عنصر طبيعي جيولوجي، وأن تحويل رسم غزالة إلى امرأة ولية صالحة تحمل اسم لالة غزالة وسيلة للابتزاز والتضليل وكسب المال بطرق غير شرعية من الناس بكل أطيافهم الاجتماعية. انعكس هذا الموقف على الملامح والإشارات والتنقلات داخل الركح لكل من: الزاهية (نادية فردوس) والمهدي عالم الآثار (أبوبكر فهمي مؤلف المسرحية) وهنية حبيبة سليمان (دليلة حسني). يكتشف المتفرج كيف تم تسخير حركات جسد هذه الفئة لتبليغ رسالتها لمن يهمه الأمر. لقد عملت الحركات على تعرية الوهم وتغيير رؤية الآخر، وإقناعه بشتى الحجج للخروج من الدائرة المظلمة للخرافة. كانت أبرز لحظة لهذا الموقف في مشهد الزاهية عندما تقدمت خطوات إلى أمام الخشبة واختارت الجانب الأيسر من الجمهور، وركزت جل نظراتها على المتفرجين بدل الشيخ المحاور. بحركاتها نقلت الرسالة التواصلية من داخل المسرحية إلى خارجها. إنها تأمل تحقيق التغيير في الواقع واقع الجمهور.. وذلك لتكسير الأصنام ونقد المألوف وتجديد رؤية من لازال يعيش من الجمهور في وهم الخرافات.
الزاهية: راه ما غاديش نسكت أالشيخ.. إلى مشى سلام غادي نلقى اللي يوقف بجنبي، البلاد فيها ألف سلام وسلام…
في هذا المشهد، المفعم بالدلالات، انتقل الفعل الدرامي إلى خارج النص المسرحي وصار يكتب عند الجمهور. وزكت ذلك بوقفتها الثابتة وبحركات عينيها اللامعتين المتفائلتين رغبتها في أن تنير دربا مظلما هو درب واقع يعيشه المتفرج.
تولد عن الحركات الفردية للممثلين صراع بين حركتين. تسمى الحركة الأولى في العرض المسرحي بالحركة المقيدة. تجلت الحركة المقيدة داخل العرض في كل إشارة جسدية تعمل على تكريس الولاية والصلاح للجماد/الصخرة. كان لهذه الحركة المقيدة مراقب ورادع وموجه هو الشيخ فكانت حركاته في المسرحية شبيهة بمن يحرك الدمى بخيوط مخفية. فحركاته انقيادية آلية مرسومة بدقة. كان الشيخ يتدخل كل لحظة لتوجيه حركات الممثلين، وتوظيفها لخدمة موقفه من الصخرة. ومن أصدق الصور الجسدية المعبرة عن الانقياد والخنوع، لحظة دخول الضريح والزيارة لكل من رحال وعباس. برزت تلك الحركات المقيدة في:
حركة خلع النعلين ذات الرمز الديني والانحناءة أمام الصخرة/القبر عند الدخول، وتقبيل جنبات الصخرة والتمسح بالغطاء الأخضر، ثم رفع الأكف وانتظار بركة لالة غزالة في استسلام روحي وجسدي.
تسمى الحركة المسرحية الثانية بالحركة الحرة. هي كل حركة تنبع من إرادة وقناعة ذاتية. تصل الحركة الحرة أعلى درجة لها في الارتجال الحركي كتعبير عن لاوعي الممثل المندمج في الدور اندماجا كليا. تتصف هذه الحركة بالعفوية والتلقائية. من أبرز مظاهرها في لالة غزالة :
ـ حركات المهدي أثناء اكتشافه لرسم الغزالة الأثري. وهي حركات عفوية طبيعية تعبر عن السرور والسعادة والفرح.
ـ حركات رومانسية بين سليمان وهنية. حركات ترجمتها اليدين أثناء تعلق كل واحد منهما بأطراف اللحاف الأصفر ومحاولة كل واحد منهما جر الطرف الآخر لجانبه.
ـ حركات التنديد والمواجهة وإشارات التفسير والإقناع. وهي شبكة من الحركات عبرت عن موقف إيجابي يرفض التضليل وقلب الحقائق. ووجهت كل الحركات للطرف المُضلِّل والمُضلَّل من الممثلين، وتتحول بين الفينة والأخرى إلى الجمهور، كأنها ترغب أن توجه له رسالة مفادها “إياك أعني واسمعي يا جارة”
حققت الحركات في مسرحية لالة غزالة تدفقا تلقائيا للمشاعر والانفعالات العواطف، فتقاطعت أجساد الممثلين لخلق تشكيل جمالي أرسل صورة مؤثرة ومكتملة الأركان. وانعكس ذلك على الجمهور الذي ظل يتابع بشوق، ويترقب كل حركة أو سكون صادر من أي ممثل مما أبعده عن الملل ولحظات الفراغ. إن مصدر هذا الإنجاز الجميل هو التجانس القائم بين الممثلات والممثلين وتفانيهم ويقظة حواسهم أثناء الإنجاز، النابع من رؤية المخرج عبد العزيز البوزاوي، ومن حبكة النص المتقنة البناء لأبي بكر فهمي وهو ما انعكس إيجابا عند عرض المسرحية بالمدن المغربية.