الآباء يُشبهون آباءهم أحيانـــا
كاظم الحجاج
نحيلٌ في الصحن عَشاء الأريافْ
وسريعٌ ما بين التنـّور وبين السُّفرةِ
– والسُفرةُ مِنْ خوص –
وأنا، مثل غروب الريفِ، نحيل وسريعٌ
لمْ أولدْ مثلَ الناس:
ركضتُ، وأمي ما زالت تـَطلـَق بيْ…
فتعثـَّرتُ بحبل السُرَّة،
لكنْ لم أسقط..
ولهذا، فأنا الأوحدُ بين الريفيينَ
بلا «مسقطِ راس!»
نحيل يكفيني نصف الكرسيِّ
لأملأ عرشي- أعني مكتبتي-
وأسافرُ أحيانًا… مجّانًا!
عندي خمسُ حقائبَ
كلٌّ منها أنحفُ مِن جيب قميص ٍ
ليست كحقائب كلِّ الناس
لا تحملُ إلا ما ترغب في أن تحمِلَ
أعني:
أنّي الآن وقد جاوزتُ الستينَ
– انظرْ شعري!-
وأنا أحلف بالزيتون وبالتينْ
إنّي أتعجّب مِن عُمري
– رغمَ ثلاثِ حروب-
كيفَ تعدّيتُ الستينْ!؟
لكنْ، ما زال بفكّيَ حوالي عشرينَ
مِن الأسنان ِ- بما فيها سِنُّ العقل ِ-
وضرسين اثنينْ…
لكنّي لا أملكُ أن أحملَ
– حين أسافر .. مجّانًا-
إلا فرشاةً واحدةً
– فتصوّرْ ظلمَ حقائبيَ الخمسْ!-
فرشاةٌ واحدةٌ .. لجميع الأسنان!
وفي أسفاري لا آخذ ُ أيَّ كتاب
وأنا «مَلكٌ»- منذ قليلٍ قلتُ لكم ـ:
عرشي… مكتبتي
لكن أبي – للعلم . أبي كان يزور العبّاسَ
.. مع الناس!
لكنْ في السِرِّ- يُحبّ الخلفاءَ:
الأوّلَ والثاني والثالثَ والرابعَ طبعًا!
ويصلّي أحيانًا .. في السِرِّ!
ويحفظ شِعر أبي النوّاس!
ونصيحتُه – حين أسافرُ -:
لا تحملْ أيَّ كتاب . لا تقرأ في المدن الأخرى ..
في المدن الأخرى يكفي أن تمشي .. كي تفهمْ!
وأبي كان نحيلاً مثلي
– فالآباء على سِرِّ الأبناءْ!-
وقليلُ الأكل ِ- تعلَّمَ هذا منّي!-
لكنْ، كان ينام قبيلَ دجاج البيتْ
ليفزَّ على صوتِ آذان الفجر
– قلتُ (يَفزُّ) .. ولا يصحو!-
في الريفِ يفزّ الناس التعبانونَ
.. على فجر تعبانْ
وحين يصيح مؤذنُ قريتنا النعسانْ:
«الصلاةُ .. ثمّ ينافق .. خيرٌ من النوم!»
يَزجُرُه والدي: بل إنَّ صلاة الفقراء هي النوم!
والجائعُ- منذ ولادته –
لا شأنَ له بالصوم!
أبي مات منذ سنين .. ولن أدفُنَه!
لأنّي مؤذنُه .. وأبي مئذنه!
أبي لا مجالَ له أن يكونَ عظيماً
أبي لا مجال له أن يكون جليلاً
لأنَّ أبي كان… «عبدَ» الجليلْ!
وكثيرٌ أنا رغم أني نحيلْ
كبيرٌ أنا مثلَ صِفر اليمين
أكثـِّر غيري!