طرق الباب ودفعه، فانفتح من تلقاء نفسه، او أنه كان مفتوحا.. وضع الدراجة في البهو، ودخل إلى وسط المنزل.. قبّل يد زوجة عمه.. كانت ملتحفة بملاءة رقيقة من صوف.. لم يكن الجو باردا.. فاجأته قائلة من غير مقدمات:
ـ اطلعت على ما تكتب من قصص.. عمك كان قد اشترى لي لوحة الكترونية، وتعلمت الكتابة والابحار في عالم النت..
استغرب للأمر.. عمه توفي قبل ظهور النت.. السيدة تجاوزت الثمانين سنة، وفقدت الذاكرة.. قال لنفسه
ـ لا بد أنها تمزح.. ولكن من يفقد الذاكرة كيف يمزح مع شخص لا يتذكر من هو؟!
خادمة سمراء ربما في السبعينات من العمر وقفت أمام زوجة عمه تؤدي مشهدا مسرحيا.. تتحرك في مساحة صغيرة، وتتلو أشعارا قديمة.. تظهر على ملامحها ابتسامة وسط تجاعيد غطت الجبهة والذقن والعنق.. بدا عنقها طويلا.. لا بد أنها كانت جميلة حد السحر في وقت ما..
سأل زوجة عمه، ما تقييمها للنصوص التي اطلعت عليها؟ قالت بأنها تتريث في إصدار حكم، وسترد عليه في المستقبل القريب..
خرج من المنزل.. أحس بمتانته تكاد تنفجر.. اقتحم حديقة صغيرة أخفت نصفه الأسفل، وأخرج عضوه وتبول.. وقف صاحب البيت الذي توجد أمامه الحديقة، وبدأ يتفحص ما وقع.. ظهر أنه صديق قديم يغلب عليه الطبع الأناني والانتهازي.. بادله التحية، لكنه لم يرد، اكتفى بالنظر إليه مستنكرا تم صعد العقبة وانصرف..
همس الراوي في أذن الكاتب:
ـ وأنت أيها اللعين هل تنتظر أن أحكي لك قصة؟ أعرف أنك كتبت العديد من القصص ولكنك لم تتمكن من طبعها! ربما أنت كاتب فاشل! بع بقرة أو عجلا أو قطعة الأرض التي ورثتها عن أمك، واطبع على الأقل كتابا يبقى وشما يتذكرك به الناس!
رد الكاتب بحسرة:
ـ انس ما طلبت.. لقد سرقوا البقرة والعجل والأرض والكتاب..
أنظر حولك كل شيء يشيخ.. النخيل.. زوجة العم.. الخادمة المسنة التي ترقص فوق خشبة البيت المهجور.. جدران الحي.. أنت.. الصديق الانتهازي.. لصوص المال العام… عالم ينهار، وعالم يولد من جديد.. فكر اين ستضع قدميك؟
ثم أردف منبها:
الوباء قادم لا محالة اذهب الى المطبخ، وخذ القفة. اخرج لاقتناء حاجيات البيت قبل ان يختنق السوق من شدة الزحام.. لقد نفخ البراح في الصور.. بعد قليل ستتحول الاسواق الى يوم الحشر.. عليك أن تضرب وتصرخ وتعض لكي تعيش، وتبيع العجل لتطبع كتابا.
الهامش:
ـ بيع العجل: جعل شخص ما يثق ويدافع عن شيء خاطئ..
مراكش 30 يناير 2026