جَلَسَا مُتَقَابِلَيْنِ.
المَسَاءُ وَدِيعٌ، كَأَنَّهُ لا يُرِيدُ أَنْ يَتَدَخَّلَ.
قَالَتْ وَهِيَ تَنْظُرُ بَعِيدًا:
— كُنَّا مُتَهَوِّرِينَ… أَتَعْرِفُ؟
ابْتَسَمَ.
— كُنَّا صِغَارًا.
قَالَتْ بَعْدَ تَرَدُّدٍ خَفِيفٍ:
— أَخْطَأْتُ كَثِيرًا.
مُشَاجَرَاتٍ لا دَاعِيَ لَهَا،
غِيرَةٍ،
كَلِمَاتٍ جَارِحَةٍ قُلْتُهَا ثُمَّ نَدِمْتُ.
حَتَّى تِلْكَ المَرَّةُ الَّتِي غِبْتُ فِيهَا أَيَّامًا… بِلَا سَبَبٍ وَاضِحٍ.
هَزَّ رَأْسَهُ بِهُدُوءٍ.
لَمْ يَكُنْ يَسْتَمِعُ فَقَطْ، كَانَ يَعُودُ.
ثُمَّ سَأَلَتْهُ، بِبَسَاطَةٍ تَكَادُ تُرْبِكُهُ:
— وَأَنْتَ؟
تَأَخَّرَ صَوْتُهُ.
لَيْسَ لِأَنَّهُ يُخْفِي سِرًّا،
بَلْ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ مِنْ أَيْنَ يَبْدَأُ.
— أَنَا…
تَوَقَّفَ.
— لَا أَدْرِي.
ابْتَسَمَتْ بِخِفَّةٍ:
— لَا أَدْرِي جَوَابًا؟
حَرَّكَ أَصَابِعَهُ عَلَى الطَّاوِلَةِ.
— لَمْ أَكُنْ فَوْضَوِيًّا مِثْلَكِ،
لَكِنَّنِي… كُنْتُ أَقَلَّ وَضُوحًا.
— كَيْفَ؟
تَنَفَّسَ بِعُمقٍ:
— بِالصَّمْتِ.
بِالتَّأْجِيلِ.
بِتَرْكِ أَشْيَاءٍ تَمْضِي دُونَ مَوْقِفٍ.
قَالَتْ بِهُدُوءٍ:
— هَذِهِ أَيْضًا أَخْطَاءٌ.
أَوْمَأَ، مُرْتَبِكًا أَكْثَرَ:
— أَعْرِفُ.
لَكِنَّهَا لَا تُشْبِهُ الأَخْطَاءَ الَّتِي تُحْكَى.
لَا ذِكْرَيَاتٍ حَادَّةٍ لَهَا،
فَقَطْ إِحْسَاسٌ خَفِيفٌ…
يُشْبِهُ أَنَّكَ كَانَ يَجِبُ أَنْ تَفْعَلَ شَيْئًا
ثُمَّ لَمْ تَفْعَلْ.
سَكَتَ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ:
— حِينَ تَتَكَلَّمِينَ عَنْ مَاضِيكِ،
أَرَاهُ وَاضِحًا.
أَمَّا مَاضِيّ…
فَهُوَ ضَبَابِيّ،
وَهَذَا مَا يُرْبِكُنِي.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ:
— الضَّبَابُ لَا يَعْنِي البَرَاءَةَ.
ابْتَسَمَ بِتَعَبٍ:
— وَلَا يَعْنِي الذَّنْبَ الوَاضِحَ.
سَادَ صَمْتٌ مُرِيحٌ، لَا مُحَاكَمَةَ فِيهِ.
قَالَ أَخِيرًا:
— بَعْضُ الِارْتِبَاكِ يَأْتِي
حِينَ لَا نَعْرِفُ إِنْ كُنَّا أَخْطَأْنَا…
أَمْ فَقَطْ مَرَرْنَا مِنَ الحَيَاةِ
بِهُدُوءٍ زَائِدٍ.
تَرَكَ الجُمْلَةَ مُعَلَّقَةً.
كَمَا تَرَكَ أَشْيَاءً كَثِيرَةً فِي المَاضِي
دُونَ اسْمٍ.
سَادَ الصَّمْتُ.
طَوِيلًا هَذِهِ المَرَّةِ، كَأَنَّ الغُرْفَةَ تَحْبِسُ أَنْفَاسَهَا.
قَالَتْ فَجْأَةً، بِنَبْرَةٍ لَمْ يَعْرِفْهَا فِيهَا مِنْ قَبْلُ:
— الغَرِيبُ… أَنَّكَ تَتَحَدَّثُ عَنِ الصَّمْتِ كَأَنَّهُ حَيَادٌ.
رَفَعَ رَأْسَهُ.
لَمْ يُجِبْ.
أَكْمَلَتْ، دُونَ قَسْوَةٍ، لَكِنْ بِلَا رَحْمَةٍ:
— أَنَا أَخْطَأْتُ، وَدَفَعْتُ ثَمَنَ أَخْطَائِي.
أَنْتَ…
تَرَكْتَ أَخْطَاءَكَ بِلَا ثَمَنٍ،
فَكَبُرَتْ فِيكَ.
شَعَرَ بِشَيْءٍ يَنْكَسِرُ.
لَيْسَ ذِكْرَى…
بَلْ صُورَةٌ قَدِيمَةٌ كَانَ يَلُوذُ بِهَا.
قَالَ بِصَوْتٍ مَبْحُوحٍ:
— لَمْ أَقْصِدْ.
ابْتَسَمَتْ، ابْتِسَامَةً قَصِيرَةً حَادَّةً:
— وَلَا أَحَدَ يَقْصِدُ أَنْ يَكُونَ جَبَانًا.
نَهَضَتْ.
تَرَكَتْهُ جَالِسًا أَمَامَ مَاضٍ
لَمْ يَعُدْ يُسْتَطِيعُ تَسْمِيَتَهُ ارْتِبَاكًا.
وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي أُغْلِقَ فِيهَا البَابُ،
فَهِمَ مُتَأَخِّرًا
أَنَّ بَعْضَ الصَّغَائِرِ لَا تُدَانُ
لِأَنَّهَا حَدَثَت…
بَلْ لِأَنَّهَا تَكَرَّرَتْ
حَتَّى صَارَتْ
شَخْصًا كَامِلًا….