نصيف الناصري:
أين أجدُكَ الليلةَ يا جان دمو ؟
ها انني مشيتُ النهرَ كلَّه ،
أحرثُ أرصفةَ شوارعِ بغدادَ تحت
الأنقاضِ ، ومعي قصائدُ وشعلةُ جوعٍ ،
محتقراً نفسي ، ناظراً
الى البيوتِ النفايةِ ، في ثيابي السودِ ،
تحنّ اليكَ الثيابُ والأشجارُ
والمصاطبُ والأرصفةُ .
نهارُ بغداد الآنَ مزركشٌ بالنساءِ وضحكاتهنَّ
السودِ ، وحياتُكَ ، حياتكَ مكتبةٌ تفوحُ
منها عطورُ التشرّدِ والعوزِ
والفاقةِ . ” أين تنامُ الليلةَ يا جان دمو
وجميعُ بيوتِ العالمِ تطردُكَ كما
طردتَني ، وأنتَ بلا نقودٍ ولا حقيبة ؟
صعلوكُ ، متشردٌ ، عجوز ” *
أمسِ _ رأيتُ كتيبةَ خيالةٍ
فتذكرتُ شبابَكَ في بيروت ،
رأيتُ دبابةً فغنيتُ
قصائدكَ للطيورِ والقططِ ،
مهووساً بضجيجِكَ
وشتائمِكَ دخلتُ ” سوقَ السّراي ”
أيَّةُ كتبٍ ؟ وأيَّةُ ثقافات ؟
” موسوعاتٌ ملأى بالقرود
نساءٌ بجمالِ الكلبات
أطفالٌ في الباذنجان ”
وأنتَ ، يا جان دمو
” ما الذي تفعلُهُ بجانبِ جريدةِ الجمهورية
تنبشُ بين الأطعمةِ المتعفنةِ في الشمسِ
السوداءِ وترمقُ بحذرِ رجالَ
البلديةِ ؟ إلى أين ستذهبُ يا جان ؟
الأبوابُ ستغلقُ في مدى ساعةٍ
الى أينَ تُشيرُ لحيتُكَ الليلة ” ؟ **
هل ستتعثرُ بقناديلَ وسجّاد ؟
هل ستتدثرُ بفراءٍ وروائحِ نساء ؟
جان ، لا أستطيعُ العيشَ من دونِكَ
حياتي وحياتُكَ خلفَ سياجات
حظائرِ الخنازير
” ولأننا لم نستطع التوقفَ للموتِ ” ***
سآخذُكَ الليلةَ
الى فندقِ ” عشتار _ شيراتون”
وستسخر ُمن بدلةِ النادلِ الذي يقدّمُ
الطعامَ . ستستغربُ من تسريحةِ شعرِهِ
وأنتَ تطردُ العصافيرَ من صلعتكَ
الوارفةِ الظلال ، ستنظرُ الى
ساعتهِ الكبيرةِ البرّاقةِ
وينظرُ الى حذائِكَ الجائعِ
كقبر . أهكذا قُضِيَ علينا أن نموتَ
جوعاً هنا يا جان ؟
سأرافقكَ أيها القديسُ
لتدلَّني على شمسِ الأبدية .