توطئة
تتناول هذه الدراسة مجموعة درب الحنين (2023) للقاص المصري خليل الجيزاوي، بوصفها نموذجًا للقصة القصيرة العربية في طورها التأملي الحديث، حيث يتحول الحنين من نزوع عاطفي إلى الماضي إلى أداة نقدية لمساءلة الحاضر وتحولاته الاجتماعية والثقافية.
تعتمد الدراسة منهجًا سوسيو-سرديًا، يزاوج بين تحليل البنية السردية والبعد الاجتماعي للنص، للكشف عن آليات اشتغال الذاكرة، وتمثيل القرية، وتحولات الصوت السردي، وموقع العمل داخل تطور القصة القصيرة المصرية المعاصرة
.
كلمات مفتاحية: القصة القصيرة، الحنين، الذاكرة، السرد الاجتماعي، خليل الجيزاوي
البنية السردية والوظيفة الدلالية
شهدت القصة القصيرة العربية خلال العقدين الأخيرين تحوّلًا ملحوظًا من السرد الاحتجاجي المباشر إلى أشكال أكثر هدوءًا وتأملًا، لا تتخلى عن النقد، لكنها تعيد صياغته عبر آليات فنية أكثر تعقيدًا.
تبرز مجموعة درب الحنين بوصفها نصًا كاشفًا عن هذا التحول، حيث لا يُستدعى الماضي بوصفه ملاذًا، بل بوصفه مرآة نقدية تُفحص عبرها خسارات الحاضر.
تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن الحنين في هذه المجموعة ليس قيمة وجدانية، بل بنية سردية ووظيفة دلالية تُنتج خطابًا نقديًا غير مباشر، يتقاطع فيه الشخصي بالجمعي، والذاكرة بالتاريخ الاجتماعي.
الإطار المنهجي
تعتمد الدراسة على ثلاث محاور منهجية متكاملة:
المنهج السردي: لتحليل الراوي، الزمن، والبنية الحكائية.
المنهج السوسيولوجي الأدبي: لقراءة تمثيلات القرية والتحولات الاجتماعية.
مقاربة الذاكرة بوصفها مفهومًا ثقافيًا: لا مجرد آلية استرجاع¹.
العنوان ودلالته النقدية
يحمل عنوان درب الحنين دلالة مزدوجة؛ فـ«الدرب» يحيل إلى مسار، لا إلى لحظة ثابتة، بينما «الحنين» يحيل إلى الذاكرة والانفعال.
الجمع بينهما ينتج معنى مركبًا: الحنين حركة سردية، لا حالة وجدانية.
السرد لا يعود إلى الماضي ليقيم فيه، بل يمر عبره، وهو ما يضع القارئ أمام حنين نقدي، لا تصالحي².
الذاكرة والسيرة الذهنية
تشتغل قصص المجموعة ضمن ما يمكن تسميته بـ«السيرة الذهنية»، حيث لا تُروى حياة كاملة، بل شذرات ولقطات، تنتظم وفق منطق الذاكرة لا وفق التسلسل الزمني³.
الطفولة، المدرسة، القرية، التفاصيل اليومية؛ كلها لا تظهر بوصفها ماضياً مكتملًا، بل بوصفها بقايا، وهو ما يعكس وعيًا سرديًا بفكرة الفقد والتآكل، لا الاستعادة الكاملة.
القرية بوصفها بنية ثقافية
لا تُقدَّم القرية في درب الحنين كفضاء بريء أو مثالي، بل كبنية اجتماعية خضعت لتحولات عميقة:
من الإنتاج إلى الاستهلاك
من الجماعة إلى الفرد
من المعنى المشترك إلى التفكك القيمي
أهمية التمثيل السردي هنا أنه يتجنب الخطاب الأيديولوجي، ويعتمد على الصورة اليومية الصغيرة بوصفها علامة على التحول الكلي⁴.
الصوت السردي والتحول الأخلاقي
يتميز الراوي في المجموعة بكونه:
مشاركًا/شاهدًا
غير يقيني
مترددًا أخلاقيًا
وهذا التردد ليس ضعفًا سرديًا، بل خيارًا فنيًا، يعكس وعي الكاتب بانهيار اليقينيات الكبرى، ويمنح النص أفقًا تأويليًا مفتوحًا⁵.
اللغة والاقتصاد التعبيري
تتميز المجموعة بلغة بسيطة ظاهريًا، لكنها عالية الكثافة الدلالية.
الجملة قصيرة، الصورة محددة، والبلاغة مضبوطة، بما ينسجم مع مفهوم “درجة الصفر للكتابة”، حيث تتراجع الزخرفة لصالح المعنى⁶.
هذا الاقتصاد اللغوي يمنح النص طابعًا تأمليًا، ويبعده عن الخطابية التي وسمت مراحل سابقة من القصة الاجتماعية.
مساحات القوة في المجموعة
نضج الرؤية السردية: السرد التأملي والهادئ يعكس مرحلة نضج فني.
الحنين كأداة نقد: استدعاء الماضي ليس عاطفة، بل نقد للتحولات الاجتماعية.
تماسك الصوت السردي: وحدة الرؤية تجعل المجموعة تُقرأ كوحدة دلالية واحدة.
الاقتصاد اللغوي والكثافة الدلالية: الجمل القصيرة والصور الدقيقة تعزز العمق التأملي.
الانفتاح التأويلي: النصوص تتيح للقارئ دورًا فاعلًا في إنتاج المعنى.
مساحات التطوير
هيمنة الذاكرة على حساب الحدث: تنويع مستويات الفعل لزيادة التوتر الدرامي.
تشابه الفضاء المكاني: توسيع الفضاء السردي إلى المدينة أو الهامش.
غياب الأصوات المضادة: إدخال أصوات ثانوية لتعزيز البعد البوليفوني.
تحفظ في الصدام: مخاطرة سردية أكبر لبعض النصوص لتكثيف التوتر.
موقع المجموعة في تطور القصة القصيرة
تمثل درب الحنين مرحلة نضج في مشروع الجيزاوي، وانتقالًا من السرد الاحتجاجي (نشيد الخلاص) إلى السرد التأملي النقدي.
تنتمي المجموعة إلى موجة عربية أعادت تعريف وظيفة القصة القصيرة من أداة صدام → إلى أداة وعي
خاتمة رؤيتي النقدية
تكشف الدراسة أن مجموعة درب الحنين عمل قصصي يكتب ضد النسيان، ويحوّل الحنين من مشاعر إلى آلية نقدية.
تُظهر الوحدة الدلالية، واللغة المكثفة، والانفتاح التأويلي، أن الجيزاوي بلغ مرحلة النضج السردي التي تجعل النصوص شهادات ثقافية وأدبية على الإنسان في لحظة تحوّل، دون التصريح المباشر أو الوعظ
الهوامش
بويـم سفيتلانا، مستقبل الحنين،-1 المركز القومي للترجمة، 2017.
جينيت جيرار، عتبات، دار-2 الحوار، 2008.
3- لوجون فيليب ، الميثاق السيرذاتي، دار توبقال، 1994.-4
عبد الله العروي، مفهوم الثقافة،
5- المركز الثقافي العربي، 1996.
جيرار جينيت، خطاب الحكاية،-6
دار الحوار، 2006.
بارت رولان ، درجة الصفر-7 للكتابة، دار توبقال، 1982.
المراجع
خليل الجيزاوي. درب الحنين. القاهرة، 2023.
جابرعصفور . زمن الرواية. الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999.
صلاح فضل . أساليب السرد في الرواية العربية. دار الشروق، 2002.
أمبرتو إيكو . القارئ في الحكاية. دار توبقال، 1991.