التَّعاسَةُ.. يا لَها مِن مُتْعَة!!
يَسْتَيْقِظُ كُلَّ صَباحٍ وَهُوَ مُتَيَقِّنٌ مِنْ أَمْرٍ واحِدٍ:
اليَوْمُ يَخْذُلُهُ، كَما فَعَلَ الأَمْسُ، وَكَما سَيَفْعَلُ غَدًا.
يَتَأَخَّرُ عَنْ عَمَلِهِ، تَنْكَسِرُ نَظّارَتُهُ، وَتَنْسَكِبُ القَهْوَةُ عَلى قَمِيصِهِ الوَحِيدِ النَّظِيف.
يَبْتَسِمُ.
لَيْسَ تَحَدِّيًا لِلْحَظِّ، بَلِ امْتِنانًا صادِقًا لَهُ.
في الطَّرِيقِ، تَتَعَطَّلُ الحافِلَةُ، يَتَشاجَرُ السّائِقُ مَعَ الرُّكّابِ، وَتَضِيعُ مَحْفَظَتُهُ.
يَضْحَكُ بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ، فَيَبْتَعِدُ عَنْهُ النّاسُ بِحَذَرٍ.
يَعْرِفُ هٰذا الضَّحِكَ جَيِّدًا؛
ضَحِكَ مَنْ يَرْبَحُ رِهانَهُ اليَوْمِيَّ مَعَ التَّعاسَة.
لا يَشْعُرُ بِالحُزْنِ، وَلا يَشْعُرُ بِالسَّعادَة.
يَشْعُرُ بِالمُتْعَة.
كُلَّما ساءَتِ الأُمُورُ، يَشْعُرُ أَنَّ العالَمَ يَعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ.
الفَشَلُ دَلِيلُ حَياةٍ،
وَالخَسارَةُ شَهادَةُ حُضُورٍ،
وَالخِذْلانُ… مُوسِيقَى مَأْلُوفَة.
مَساءً، يَعُودُ إِلى غُرْفَتِهِ، فَيَكْتَشِفُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَسِيرُ عَلى ما يُرام:
لا خَبَرَ سَيِّئًا،
لا أَلَمَ،
لا خَيْبَة.
يَجْلِسُ عَلى السَّرِيرِ مُرْتَبِكًا، يَتَصَبَّبُ قَلَقًا.
أَيْنَ التَّعاسَة؟
أَيْنَ الدَّلِيلُ أَنَّهُ ما زالَ حَيًّا؟
في تِلْكَ اللَّحْظَةِ، يَفْهَمُ الحَقِيقَةَ القاسِيَة:
حينَ تَغِيبُ التَّعاسَة…
لا يَشْعُرُ بِشَيْءٍ.
يَبْتَسِمُ بِحُزْنٍ عَمِيقٍ، وَيُهَمْهِمُ مُطْمَئِنًّا نَفْسَهُ:
غَدًا…
لا بُدَّ أَنْ يَحْدُثَ أَمْرٌ سَيِّئٌ…!!.
23. يناير. 2026 م.