الرئيسية / قراءات / قراءة نقدية في قصة (براءة) للقاص فلاح العيساوي/ العراق بقلم الناقد: حيدر لطيف الوائلي/ العراق

قراءة نقدية في قصة (براءة) للقاص فلاح العيساوي/ العراق بقلم الناقد: حيدر لطيف الوائلي/ العراق

نحو النص والأثر الدلالي في قصة براءة
توطئة:
“نحو النص” بدأ كجزء من علم اللغة النصي واستقر على يد ” فان دايك” كنحو مختص بالنص يقابل نحو الجملة يتكئ على أغلب آلياتها إلّا أنّه يبحث عن قواعد نحوية عامة للنصوص.
فالنص حسب “بوجراند” حدث تواصل يلزم -لكونه نصا- أن تتوافر له سبعة معايير مجتمعة ويزول عنه هذا الوصف إذا تخلف واحد من هذه المعايير وهي: السّبك والحبك والقصد والمقبولية والإعلامية والمقامية والتناص.
وهناك من يرى أنّ أهم المعايير هما معيارا: السّبك والحبك بحيث إذ اتصف بهما أيّ نص يمكن أن نطلق عليه مصطلح النص وعليه يمكن القول: إنّ النص الذي تتوافر فيه كلّ هذه المعايير هو نص مميز تام وتقل درجة نصيته كلّما نقصت المعايير.
____________
النص:
بــراءة
يــنــظــرُ إلــى أقــرانــه بــعــيــنِ الــحــزنِ، الــفــرحُ غــادرَهُ مــنــذُ إعــاقــتــهِ، يــجــلــسُ أمــامَ مــجــمــوعــةٍ مــن الــصّــبــيــان يــلــعــبــون بــالــكــرةِ، شــاهــدَ ذلــك الــوحــشَ يــفــجّــرُ حِــزامَــهُ الــنــاســف؛ فــأســرع يــركــضُ بــرجــلــيــه نــحــوَ الــســمـــاء.
للأديب فلاح العيساوي.
___________
الوصف:
النص هو جنس سردي قصير يسمى قصة قصيرة جداً.
الموضوع الأساسي الذي يعالجه النص هو حالة انسانية:  معاناة صبي فقد رجليه في عمل ارهابي، وجاءت بقية الأفعال من بداية القصة إلى نهايتها لتدعم هذه الحالة وتعمق حالة المعاناة الثابتة لدى الطفل وهذا هو الموضوع الأساسي الذي ستتفرع منه رسالتان.
المعايير
…………………..
السّبك والحبك
هذان المعياران متلازمان.
يرى “برينكر” أنّ بنية النص تعرض على مستويين يرتبط كلّ منهما ارتباطا وثيقا هما: المستوى النحوي والمستوى الموضوعي.
– المستوى النحوي هو ما يسمى بالسّبك.
– والمستوى الموضوعي هو ما يسمى بالحبك.
فالسّبك يهتم برصد الاستمرارية النحوية المتحققة في ظاهر النص والحبك يهتم برصد الاستمرارية الدلالية التي تتجلى في منظومة المفاهيم والعلاقات الرابطة بين هذه المفاهيم.
أولا: السبك.
وللسبك في هذا النص وسائل متعددة هي:
الإحالة:
نجد أن كل الاحالات تعود إلى مركزي ضبط أحدهما مرجع متصيد خارج النص وهو “شخصية الصبي” والآخر هو مرجع داخل النص وهو “الوحش” الذي يرتبط بمركز الضبط الخارجي بعلاقة تمثل بؤرة لعلاقة الحق والباطل القاتل والمقتول فهي علاقة “التضاد” التي تربط بين محتوى المفهومين.
1- تعود الضمائر المقدرة في “ينظر، يجلس، أسرع، يركض “إلى المرجع المتصيد خارج النص وهو “شخصية الصبي”.
2- تعود الضمائر (الهاءات) في “أقرانه، اعاقته، برجليه، غادره “الى ذات المرجع المتصيد خارج النص. وهو شخصية الصبي.
3- إحالة زمانية وإحالتان مكانيتان ترتبط بمركز الضبط المتصيد خارج النص وهذه الإحالات هي:
أ. زمانية “منذ اعاقته”. ترتبط بالمحتوى المفهومي لمركز الضبط الخارجي.
ب. مكانية “أمام”. ترتبط بالمحتوى المفهومي لمركز الضبط الخارجي.
ب. مكانية “نحو”. ترتبط بالمحتوى المفهومي لمركز الضبط الخارجي.
وهذه الاحالات الظرفية علاقتها بمركز الضبط الخارجي علاقة استطاعت أن ترسم الأبعاد المكانية  كما استطاعت الاحالة الزمانية من تحديد وتأطير الحالة النفسية لذات مركز الضبط.
4- إحالة الجمع في (يلعبون) ترتبط ب(الصبيان) إذ هي إحالة قبلية تظهر لنا عنصر ثالث من مراكز الضبط وهو مركز ضبط ثانوي وهم (الصبيان) الذي يتعلق بمركز الضبط الخارجي ايضا بعلاقة الجنس والعمر أو الرتبة الوجودية.
5- إحالات متعلقة بالمحتوى المفهومي داخل النص وهو “الوحش” وهي:
أ. إحالة بعدية في (ذلك) تعود على مركز الضبط الثاني داخل النص وهو (الوحش).
ب. إحالة قبلية على مركز الضبط داخل النص (الوحش) تمت بواسطة الضمير المضمر في الفعل(يفجر) ،والهاء في (حزامه).
التكرار:
في النص شبه تكرار اعتمد على التشكلات الصوتية في (يفجر، يجلس، يركض) وهي تعود إلى مرجع واحد وهو مركز الضبط الخارجي تلتقي مع شبه التكرار الصوتي في (يفجر) الذي يعود على مركز الضبط الداخلي (الوحش). وهذا التكرار اعطى قيمة تواصلية للنص من جهة الصوت إذ المتلقي يستطيع الجزم بوجود الربط النصي بواسطة هذه التشكلات الصوتية.
التضام:
وقد تحقق التضام في مفردتي “الحزن” و”الفرح” اذ تعكسان حالة التضاد ويتعالقان في النص. فالحزن والفرح مفهومان أحدهما يستدعي الآخر إلّا أنّ الكاتب هنا استدعاهما بطريقة أخرى إذ عمق حالة الحزن بقوله: الفرح غادره.. لم يرد أعمال التضاد وكسر حالة الحزن بالفرح.
التعريف:
يتعلق التعريف في الغالب بمركز الضبط الخارجي ونجده في “الحزن، الفرح، الصبيان، الوحش، الناسف، السّماء) إلّا أنّ طبيعة العلاقة تختلف بين هذه المعرفات فالحزن والفرح الذي غادر تمثل تلك الحالة النفسية التي تختلج صدر الصبي.
والصبيان هم مرآة لحالته الطبيعية التي كان من المفترض أن يرافقهم فهو يرتبط معهم بارتباط العمر والوحش يمثل ذلك الظالم الذي تسبب بإعاقته، والسماء هو ذلك الخلاص وتلك الجهة العليا.
الاستبدال:
ومورده واحد فقد استبدل المبدع “مجموعة” ب”اقرانه”.
الحذف:
أول حذف في النص نجده في العنوان (براءة) فيمكن أن يكون العنوان براءة من الظالمين باعتبار الرسالة التي تؤديها هذه القصة القصيرة جداً.
وثاني موارد الحذف موجودة داخل النص سأعيد كتابة النص بإضافة موارد الحذف إليه:
يــنــظــرُ إلــى أقــرانــه بــعــيــنِ الــحــزنِ الــفــرحُ غــادرَهُ مــنــذُ إعــاقــتــهِ (اليوم) أو(كل يوم) يــجــلــسُ أمــامَ مــجــمــوعــةٍ مــن الــصّــبــيــان يــلــعــبــون بــالــكــرةِ، (وهو يتذكر تلك اللحظة التي) شــاهــدَ (بها) ذلــك الــوحــشَ يــفــجّــرُ حِــزامَــهُ الــنــاســف؛ فــأســرع (وهو) يــركــضُ بــرجــلــيــه نــحــوَ الــســمـــاء.
ليس شرطا ان تكون هذه المحذوفات هي ذاتها عند كل قارئ للنص. فمهمة الحذف هو اعطاء مساحة مرنة من الاحتمالات الدلالية التي من الممكن لها المساهمة في تحديد الدلالة وفي تعدد القراءات.
“ويمكن فرض دخول فاعل جديد في النص “فعبارة” شاهد ذلك الوحش..” يمكن أن تكون فعل لفاعل جديد أو حوار لأشخاص خارجين عن النص ينظرون إلى حالته ويعللون بمقولتهم هذه سبب هذا الحزن الذي ينتاب هذا الصبي ويمكن اعطاء دليلا واحدا ومهما لأثبات هذه الرؤية وهو تغير الزمن في الفعل “شاهد” الى الماضي على الرغم من أن كل الأزمنة قبله كانت مضارعة.
******
ثانيا: الحبك
بعد اكمال السبك فأن محاور الحبك تبينت وغدت واضحة، فالنص سبك بطريقة لم تدع مجالا للتردد في حبك النص ويرتبط النص بهذا الترتيب بعلاقات السببية التي ترتبط بحادثة تفجير إرهابي وكيف انه شاهد الوحش وهو يفجر نفسه ثم انه اصيب بحالة من الحزن كلما نظر إلى اقرانه وكلما جلس امامهم تذكر ذلك الحادث مرة اخرى فمحور الحبك هو الحادث وهذه نتائج تترتب عليه.
ثالثا ورابعا: القصد والمقامية
القصد هو التعبير عن هدف النص و يندرج تحته مفهومان:
مفهوم يتعلق بهدف النص والآخر يتعلق بنية منشئ النص أو ما يقابل إرادة الاستعمال عند الأصوليين فلا إرادة للمجنون والسكران..
فالقصد في هذا النص يتضح في رسالتين يحملهما النص الرسالة الأولى أساسية موجهة إلى كل إرهابي متوحش يسفك الدماء ويحاول أن يتخذ منهج القتل بصور بشعة لا فروسية فيها مفاد هذه الرسالة يمكن استحضارها من قول المبدع “فــأســرع يــركــضُ بــرجــلــيــه نــحــوَ الــســمـــاء” إذ السماء في ظاهرها تشير إلى هذه السماء المعهودة ولكن السماء لا تستقبل الأرجل إنما تستقبل الأرواح فعليه السماء هنا إنما هي سماء رمزية، فالسماء ترمز إلى الجهة العالية التي تمثل كل قيمة عالية وماهي القيمة العليا التي تناسب تلك اللحظات لا يمكن أن نعدو قيمة الثبات والشجاعة.
فهذا الصبي أمتلك في تلك اللحظة قيمة الثبات والشجاعة فهو لم يسرع نحو الأرض إنما اتجه إلى السماء وماذا تعني هذه الصورة؟..
صبي صغير يبصر وحشا يفجر نفسه ويمتلك هذه القيمة إذن فهو يحمل رسالة شديدة وقوية إلى كل الوحوش في العالم مفادها إن القتل لا يثني حتى الصبية ولا يجعلكم تتسلطون مادامت الشجاعة ومادام الثبات مزروع في هذه البراعم.
أن سياسة القتل والسيف لن تحقق الا الهزائم والانتكاسات وتحيلنا هذه الرسالة إلى مضمون ما أُثر عن علي بن أبي طالب عليه السلام “بقية السيف انمى عددا واكثر ولدا” فهي إعلان صارخ بعدم الرضوخ للمجرمين.
والرسالة الثانية ثانوية جاءت من خلال تفصيل الحالة النفسية ومكان الجلوس فهو يجلس والصبية يلعبون مما اثار تهيج حالته النفسية وغرقها بعالم الحزن إذ يتمحور حولها بؤرة رمزية جاءت في النص وهي فضح لأفعال السياسيين العابثين بمقدرات الشعوب.. بشعارات فقط لا أفعال حقيقية نعم اعتمد السارد على صورة انسانية عاطفية وهي صورة لا يمكن الوثوق بقصديتها بسهولة بل القصد هو ما أبعد من هذه الصورة كما قلت. فالنص عموما سواء بحقيقته أو برمزيته يحمل رسالة موجهة إلى السياسيين (الحكام).
وهذا القصد مشترك على وفق الرؤيتين. مفادها دعوه إلى أصحاب القرار بأن يمارسوا أدوارهم بكل جدية وصدق وإخلاص “وأن يوفروا لكل ضحايا الإرهاب وسائل تسهم بالتخفيف عن معاناتهم لا أن يتركوا يعتصرون آلامهم لوحدهم بين أقرانهم دون عناية تذكر ويدعم هذه الرؤية المقامية التي قيلت فيها القصة. فالمقام هو مقام إبراز الظواهر الاجتماعية التي يعيشها المجتمع وأبرز ظاهرة هي ظاهرة الإرهاب التي مراد النص أن يسلط عليها الضوء لكن من زاوية أخرى زاوية الآثار أو يمكن أن نسميه بما يصطلح عليه “بأدب الأنقاض”
الذي يتشكل وينشأ في زمن الحرب ويستمر إلى أن تنتهي مخلفاتها.
فهو مقام سياسي انتقادي لكل من يتسبب في إيذاء ابناء المجتمع.
خامسا: التناص
يخلص “بارت” إلى (لانهائية) التناص ويعد التناص عند “كريستيفا” أحد أهم مميزات النص الأساسية التي تحيل على نصوص أخرى سابقة عنها، ومعاصرة لها، و(كل نص عبارة عن “لوحة فسيفسائية” من الاقتباسات وكل نص هو تشرّب وتحويل لنصوص أخرى). ويقول “دريدا”: النص لا يملك أباً واحداً ولا جذراً واحدا بل هو نسق من الجذور.
والتناص على خلاف بارت (كل نص يقع في مفترق طرق نصوص عدة فيكون في آن واحد إعادة قراءة لها واحتذاء وتكثيفا ونقلا وتعمقا) حسب رأي “سولرس” الذي اختلف في قيمة المبدع فبارت جعله محض مستنسخا سولرس وضح رأيه كما بينت.
والتناص صنفان: صنف داخلي وآخر خارجي حسب د. تمام حسان.
ولا تناص داخلي في هذا النص إنما نستطيع أن نتلمس تناصا خارجيا تمثل عنوان القصة وهي لفظة (براءة) التي تشير إلى سورة التوبة في القرآن الكريم والتي تسمى أيضا بسورة براءة- {بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.
وسورة التوبة تحمل براءة من المشركين من قبل الله والرسول للمشركين والبراءة في التوبة إعذار وإنذار للمشركين وكأن المبدع أراد من نصه هذا أن يقدم براءة من (الوحوش) الظالمين براءة إعذار وانذار تقدمها لهم براءة الطفولة والطهارة والقاص أعطى قيمة للصبي وهو اتجاهه للسماء كما قلت وهو فعل ينم عن قصد ودراية فهذا البرعم فاكهة ناضجة قبل أوانها رسم بثباته وشجاعته صورا خالدة حمّلها المبدع كرسالة إعذار وانذار للظالمين.
سادسا: الإعلامية
حسب “بوجراند” الإعلامية تتعلق بالمعلومات الواردة في النص من حيث توقع هذه المعلومات أو عدم توقعها ويرى بوجراند لابد من أن ننظر إلى هذا المصطلح لا من حيث كونه يدل على المعلومات التي تشكل محتوى الاتصال بل من حيث يدل بالأحرى على ناحية الجدة أو التنوع الذي توصف به المعلومات في بعض المواقف… فكلما بعُد احتمال توقع ورود المعلومة ارتفع مستوى الكفاءة الإعلامية.
ولو جئنا إلى النص وأردنا أن نضع أيدينا على موطن “الإعلامية” فيه، يمكن لنا القول: إن طريقة تعميق الحزن التي استخدمها المبدع في عبارة “ينظر بعين الحزن.. الفرح غادره” كانت هذه العبارة عي مورد الإعلامية إضافة إلى باض المضامين التي استعملها في اداء المعاني.
سابعا: القبول أو المقبولية
تتعلق المقبولية بموقف المتلقي من قبول النص والتقبلية عند “جون لوينز” جاءت من نظريته في السياق حيث إن نظرية السياق عنده لا تعتبر الجملة كاملة المعنى إلا إذا صيغت طبقاً لقواعد النحو وراعت توافق الوقوع بين مفردات الجملة وتقبلها أبناء اللغة وفسروها تفسيراً ملائما.
والنص توافرت فيه شرائط المقبولية من حيث اللغة والنحو ومن حيث المعنى الدلالي.
فالنص حقق جميع معايير النصية فهو نص مميز دام تألق الأستاذ فلاح العيساوي.
…………..

تعليق واحد

  1. قراءة اكثر من رائعة .. وهي منظومة جديدة في القراءة النقدية للقصة القصيرة .. التحية والتقدير لك وللقاص المتميز فلاح العيساوي .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*