وهكذا كنّا على موعد مع محبي الشعر ومتذوقيه، من أي مكان كان مصدره، لا يهمهم في هذا لون بشرة الشاعر أو دينه أو عرقه … جمعهم الإعلان عن أمسيتنا بأبيات من قصيدة نازك الملائكة ‹‹ أنا ›› في مكتبة المشهورة في يوم الخميس الثامن والعشرين من كانون الثاني. ( Gibert ) جيبرت ـ
الليلُ يسألُ من أنا
أنا سرُّهُ القلقُ العميقُ الأسودُ
أنا صمتُهُ المتمرِّدُ
قنّعتُ كنهي بالسكونْ
ولففتُ قلبي بالظنونْ
وبقيتُ ساهمةً هنا
أرنو وتسألني القرونْ
أنا من أكون ؟
تعبر هذهِ الأبيات الرائعة عن قلق نازك وتساؤلها الوجودي وعمق حيرتها فيما يخص مصير الإنسان.
ولدت شاعرتنا الكبيرة في بغداد في الثالث والعشرين من شهر آب في سنة 1923 ، في وسط ثقافي وفي عائلة تعشق الأدب جلها من الشعراء. أبوها صادق الملائكة شاعر، وأمها سليمة الملائكة والمعروفة في الميدان الأدبي بأم نزار، كذلك شاعرة….
والجدير بالذكر هنا، أن لقب الملائكة أطلقه الجيران على عائلة الشاعرة بسبب ما كان يسود البيت من هدوء…ثم انتشر اللقب وشاع وحملته الأجيال اللاحقة.
تخرجت نازك الملائكة من دار المعلمين العالية عام 1942، وفي عام 1959 حصلت على شهادة الماجستير في الأدب المقارن من جامعة وسكونسن الأمريكية.
دَرَسَّتْ في جامعتي بغداد والبصرة، ثم في جامعة الكويت.
بين عامي 1959 و1960، تركت العراق إلى بيروت، حيث قامت هناك بنشر أعمالها الشعرية والأدبية.
وفي سنة 1961 تزوجت من الدكتور عبد الهادي حبوبه، وبعد عام رُزقت بطفلها الوحيد البراق.
بدأت شاعرتنا بنظم الشعر منذ طفولتها المبكرة، وكان في البدء شعراً شعبياً، وقد نظمت أول قصيدة لها في
العربي الفصيح وهي في سن العاشرة.
ومن أهم مجاميعها الشعرية ما يلي :
عاشقة الليل – 1947
شظايا ورماد – 1949
فرارة الموجة – 1957
شجرة القمر – 1968
مأساة الحياة وأغنية للإنسان – 1970
يُغير البحر ألوانه – 1977
للصلاة والثورة – 1978
وبالإضافة إلى كونها شاعرة مبدعة، نازك الملائكة ناقدة مبدعة أيضاً، وقد جمعت بين نوعين من النقد ″ نقد الشعراء ونقد النقاد ″. ومن مؤلفاتها النقدية :
قضايا الشعر المعاصر – 1962
الصومعة والشرفة الحمراء – 1965
سيكولوجية الشعر – 1993
كما صدرت لها عام 1997 في القاهرة، مجموعة قصصية عنوانها ‹‹ الشمس وراء القمة ››.
في نهاية الثمانينات تركت نازك الملائكة الكويت عائدة إلى بغداد بعد أن نال منها المرض وبقيت فترة طويلة في المستشفى . وبسبب ظروف الحصار الظالم على العراق وشحة الأدوية، ذهبت إلى مصر وبقيت هناك إلى حين وفاتها بعد صراع طويل مع المرض في إحدى مستشفيات القاهرة في العشرين من حزيران عام 2007 إثر هبوط حاد في الدورة الدموية ، بعيداً عن شمس العراق التي عشقتها.
لم تكن فقيدتنا شاعرة كبيرة فحسب، بل كانت تحب الموسيقى والغناء وتعزف على العود. كما أحبت نازك
الفلسفة متأثرة منذ صباها بالفيلسوف الألماني المتشائم شوبنهاور.
تأثرت الشاعرة الملائكة بشعراء المهجر وجماعة آﭙولو والرابطة القلمية في مصر. كما تأثرت بالأدب الأورﭙـي بعد إتقانها للغات الاورﭙية( الانكَليزية والفرنسية واللاتينية ). في الأدب الإنكَليزي تأثرت بشكسبير وبايرون وشيلي وكيتس واليوت، وفي الأدب الفرنسي تأثرت بمؤلفات الروائي الفونس دودة ومسرحيات موليير وﭬكتور هيكَو وبودلير.
ميلاد الشعر الحُر
نشرت نازك الملائكة قصيدة ″ الكوليرا ″ التي تعتبر أول قصيدة لها في الشعر الحر عام 1947 ، وفي نفس الوقت وبعد أسبوعين من نشرها، نشر مُبدع أنشودة المطر، بدر شاكر السياب قصيدته ″ هل كان حباً ″ في
ديوانه المعنون ″ أزهار ذابلة ″. وقد اعتبر النقاد هاتين القصيدتين بداية ما عُرفَ فيما بعد بالشعر الحر، حيث
تمرد الشاعران على قيود الشعر العمودي التقليدي، وكتب الاثنان شعر التفعيلة وتخلا نسبياً عن التزام القافية الواحدة وأحدثا تجديداً في شكل القصيدة وفي مضمونها.
كتبت نازك الملائكة هذه القصيدة للتعبير عن حزنها وعما يعانيه الشعب المصري المبتلى بوباء الكوليرا والذي يُلملٍم جثث أبنائه الموتى بالمئات والمكدسة في عربات تجرها الخيل، فراحت تكتب قصيدتها ″الكوليرا″
وهي تتحسس صوت أقدام الخيل لتروي ظمأ النطق في كيانها :
طَلَع الفجرُ
أصغِ إلى وَقْع خُطَى الماشينْ
في صمتِ الفجْر، أصِخْ، انظُرْ ركبَ الباكين
عشرةُ أمواتٍ، عشرونا
لا تُحْصِ أصِخْ للباكينا
اسمعْ صوتَ الطِّفْل المسكين
مَوْتَى مَوْتَى، ضاعَ العددُ
مَوْتَى موتَى، لم يَبْقَ غَدُ
في كلِّ مكانٍ جَسَدٌ يندُبُه محزونْ
لا لحظَةَ إخلادٍ لا صَمْتْ
هذا ما فعلتْ كفُّ الموتْ
الموتُ الموتُ الموتْ
تشكو البشريّةُ تشكو ما يرتكبُ الموتْ
ما أغرب تشابه الأحداث، ويا لها من نبوءة… وكأني بالشاعرة تتحدث عما يحدث في العراق وكيف يحصد وباء الإرهاب أرواح العراقيين وينشر أشلاءَهم في كل مكان، تماماً كما كان يفعل وباء الكوليرا في مصر.
نازك الملائكة شاعرة رومانسية
إن مشاعر الطبيعة موجودة كلياً في شعر نازك، وكلما اشتدت مُعاناتها نجدها متجهة للطبيعة شاكية همومها، مستغيثة بها، باحثة عن المواساة والمشاركة الوجدانية.
غنت شاعرتنا كثيراً للقمر والنجوم، وبحركة رومانسية رائعة نجدها تناغي الليل، جاعلة منه أمين سرها، بل كحبيب ترسل له آيات من العشق، وكأن هناك علاقة حميمية قد نُسجت ما بين الشاعرة والليل :
يا ظلامَ الليــلِ يا طــاويَ أحزانِ القلوبِ
أُنْظُرِ الآنَ فهذا شَبَحٌ بادي الشُحـــــوبِ
جاء يَسْعَى ، تحتَ أستاركَ ، كالطيفِ الغريبِ
حاملاً في كفِّه العــودَ يُغنّــــي للغُيوبِ
ليس يَعْنيهِ سُكونُ الليــلِ في الوادي الكئيبِ
****
هو ، يا ليلُ ، فتاةٌ شُهد الوادي سُـــرَاها
أقبلَ الليلُ عليهــا فأفاقتْ مُقْلتاهـــــا
ومَضتْ تستقبلُ الواديْ بألحــانِ أساهــا
ليتَ آفاقَكَ تــدري ما تُغنّــي شَفَتاهــا
آهِ يا ليلُ ويا ليتَــكَ تـدري ما مُنَاهـــا
كما غنت شاعرتنا الرومانسية كثيراً للألم، بل وصل بها الشعور الرومانسي إلى حد حُب الألم ودعوته للمجيء :
″ أيها الألم نحن نحبك ″
كما أن الألم كان بالنسبة لها منبعاً للإلهام والإبداع، وهي بهذا تذكرنا بمقولة ﭭكتور هيكَو : ‹‹ إن المأساة هي الشعر المتكامل ››. والواقع أن أغلب شعر نازك الملائكة مستوحى من الألم، الذي هو بالنسبة لها الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها. وتؤكد شاعرتنا على أن غياب الألم عندها يؤدي إلى غياب الشعر. والقارئ لشعر نازك، يشعر وكأنها كانت تستدخل الألم إلى أعماقها، ثم تعود لتستخرج هذا الألم المكبوت شعراً وبشكل إعلائي رائع، مستنطقة للنص الشعري لكي يتحدث عمّا هو مكبوت ولم تستطع أن تعبر عنه في الواقع والذي ظلت أسيرة له بسبب الأعراف والتقاليد.
وهكذا تبتعد نازك الملائكة، عن النمط الكلاسيكي في النوح والنحيب والبكاء على الأطلال … لتأخذ الآلام بحنيةٍ وبود، وهذا تطور فني وتجديد يُضاف إلى إبداعاتها.
ويبدو إن ظروف المرأة وما تواجهه في المجتمع من عَدَم العدالة كان أحد آلام شاعرتنا، ويظهر هذا واضحاً في قصيدتها ″ الراقصة المذبوحة ″، مستخدمة الأسلوب الساخر لرفع صوتها ضد العادات بل ضد القوانين التي تضطهد المرأة، فهي تطلب من الضحية أن ترقص وتغني أمام عدم العدالة والإضطهاد:
إرقصي مذبوحة القلب وغني
واضحكي فالجرح رقص وابتسام
اسألي الموتى الضحايا أن يناموا
وارقصي أنتِ وغني واطمئني
●●●
إضحكي للمدية الحمراء حبّا
واسقطي فوق الثرى دون اختلاج
منة أن تذبحي ذبح النعاج
منة أن تطعني روحاً وقلبا
وجنون يا ضحايا أن تثوري
وجنون غضبة الأسرى العبيد
ارقصي رقصة ممتنّ سعيد
وابسمي في غبطة العبد الأجير
●●●
وابسمي للقاتل الجاني افتتانا
إمنحيه قلبك الحرّ المهانا
ودعيه ينتشي حزاً وطعنا
ثم في قصيدة ″ غسل العار ″ تظهر لنا نازك الملائكة كيف أن التقاليد تسمح للقاتل أن يفتخر بجريمته :
ويعود الجلاد الوحشي ويلقى الناس
(العار) ويمسح مديته (مزَّقنا العار)
ورجعنا فضلاء بيض السمعة أحرار
يا ربَّ الحانة أين الخمر وأين الكأس
نادِ الغانية َ الكسلى العاطرة الأنفاس
افدي عينيها بالقرآن وبالأقدار
املأ كأسكَ يا جزار
وعلى المقتولة غسل العار
وسيأتي الفجر وتسأل عنها الفتيات
“أين تراها” فيردُّ الوحش “قتلناها”
وصمةُ عار في جبهتنا وغسلناها
وفي هذا النقد السوسيولوجي تتحدث لنا الشاعرة عن حقيقة مُرة ما زالت حَيّة في مجتمعاتنا وهي في هاتين القصيدتين تدعو لعدالة إجتماعية وخلقية بحق المرأة.
مفهوم الحب عند نازك
ان التألم عند نازك هو جزء متكامل من الحب. وبمفهومها الرومانسي، تعتقد شاعرتنا بأن الحب لا يمكن أن يكون خلاقاً إلا إذا كان قاسياً ومؤلماً.
ففي قصيدتها ″ الزائر الذي لم يجيء ″، نجدها تظهر الحبيب الغائب بحلة رومانسية مثالية …حلماً لا يتحقق، رجل مثالي لا يمكن أن ينوجد على أرض الواقع، بل هي تريده أن يبقى حلماً سرمدياً من أجل أن يكون وجعَ غيابه مصدراً للإلهام والإبداع:
ولو كنت جئت.. وكنّا جلسنا مع الآخرين
ودار الحديث دوائر وانشعب الأصدقاء
أما كنت تصبح كالحاضرين وكان المساء
يمر ونحنُ نقلب أعيننا حائرين
ونسأل حتى فراغ الكراسي..
عن الغائبين وراء الأماسي
ونصرخُ أنّ لنا بينهم زائراً لم يجيء..
●●●
ولو جئت يوماً, وما زلت أوثر الاّ تجيء
لجفّ عبير الفراغ الملون في ذكرياتي
وقصّ جناح التخيّل واكتأبت اغنياتي
وأمسكت في راحتي حطام رجائي البرئ
●●●
وأدركت أنّي أحبُّك حلماً
وما دمت قد جئت لحماً وعظماً
سأحلم بالزائر المستحيل الذي لم يجيء…
تصوير رائع، فالحبيب حاضر وإن كان غائباً، والآخرين غياب وإن حضروا … لأن ″ الحبيب الحلم ″ أصبح جزءً من وجدان الشاعرة.
أما في قصيدة ″ لنفترق ″ فنرى أن رومانسية نازك الملائكة تصل إلى حد الطلب من الحبيب أن ينفصلا ما دام العطش العاطفي ما زالَ موجوداً في قلب كل منهما نحو الآخر.
لنفترق الآن ما دام في مقلتينا بريق
وما دام في قعر كأسي وكأسك بعض الرحيق
لنفترق الآن , ما زال في شفتينا نغم
تكّبر أن يكشف السر فاختار صمت العدم
وما زال في قطرات الندى شفة تتغنّى
وما زال وجهك مثل الظلام له ألف معنى
الشعراء الفرنسيون ينشدون أشعار نازك الملائكة باللغة الفرنسية
حَضَر هذه الأمسية المعنيين بالأدب والشعر وطلاب المعرفة، كما حضرها بعض المسؤولين في المدينة، ومن ضمنهم مُستشارة في بلدية مدينة ﭙواتيه. وقد تعاطف الجمهور الحاضر وصفق كثيراً لنازك ولأشعارها الرقيقة.
تضمنت الأمسية بحث عن حياة وشعر نازك الملائكة وقراءات لأشعارها باللغتين العربية والفرنسية .
،Jean-Claude MARTIN قرأ الشاعر والممثل ورئيس بيت الشعر في مدينة ﭙواتيه جون كلود مارتا ـ
قصيدة ″ الزائرChristine SERGENT قصيدة ″ كلمات ″ ، وقرأت الشاعرة كرستين سيرجو ـ الذي لم يجيء ″ ثم قرأت قصيدة ″ لنفترق ″ .
فقد قرأت أولاً قصيدة ″ ذكريات مؤلمة ″ ثم Elisabeth PELLOQUINأما الشاعرة إليزابيث ﭙَلوكا ـ عادت لتقرأ معي قصيدة ″ الراقصة المذبوحة ″ وقصيدة ″ غسل العار ″، حيث أثارت هاتين القصيدتين نقاشاً طويلاً من قبل الجمهور الحاضر، الذي أبدى تعاطفه مع قضايا المرأة وتفاعل بعمق مع كل فقرات الأمسية.
إن الشعر بالنسبة لنازك الملائكة هو وسيلة الخلود المثلى، فالشاعر يموت، إلا أن الشعر خالد ويخلد مَن يغنيه. كانت شاعرتنا تبحث عن الخلود … وها هي خالدة في القلوب … سيظل الليل والنجوم والطبيعة والنخيل والجبال والأنهر …. تفتقدها وَتحن إلى غنائها.
قل لي أيها العراق الحبيب، لماذا يهاجر مبدعوك ويموتون في الغربةِ بعيداً عنك؟