الرئيسية / فنون / معطيات معنى الانتظار في مسرح الموت بقلم: د. علاء كريم

معطيات معنى الانتظار في مسرح الموت بقلم: د. علاء كريم

بدأ الإنسان في البحث عن معنى للوجود عبر البعد التراجيدي للمأساة الإنسانية التي تسيطر عليها العبثية، ليشعر بمعنى الحياة رغم أن في انتظاره، يُعاني ويتألم ويمضي وقته في محادثاتٍ وعلاقاتٍ لا معنى لها. العديد من الناس الهاربة بروحها وجسدها وبفكرها، تبحث عن حياة جديدة، تذهب بها إلى غير رجعة وتختفي، حتى وأن تبقى في أحيان كثيرة كـ “هيكل” تمثال وجوده أفضل من الاختلاف على بديل له. وهذه هي فلسفة الصراع القائم على ضوء ما تنطلق به المعتقدات وما يرتبط بها بسبب الفراغ الذي يفصل بين الأفكار التي يعبر عنها ابناء جيلين مختلفين في الأفعال والمعتقدات وحتى الاذواق، لنجد اختلافا كبيرا في الآراء والأفكار، وعبر إيقاع الزمن المعاصر.
مسرحية “ميت مات” تأليف وإخراج: علي عبد النبي الزيدي، تمثيل: “محسن خزعل، مخلد جاسم، سجاد جار الله” بحثت داخل الفضاء الذي رسمه المخرج عبر “وسيلة” الأداء التمثيلي وما يحمله من استرخاء نفسي عند الممثلين، مما ساعد ذلك في رسم الحوارات بلغة ثالثة، أي ما بين اللغة العامية والفصحى, كما وزعت الحوارات بقصدية يهدف من خلالها المخرج الهيمنة على أداء الممثلين، بوساطة التكرار الذي وجد داخل فلسفة الحياة ولأجيال كثيرة، وأحياناً عبر نقل الهمس الى صراخ، ليكون له دلالة لا يمكن للشخصية أن تحيد عنه، وتغادر عقل الممثل المسرحي المعاصر. جسد هذا العرض فلسفة الخلود وتفسيرها كبرهان للوجود الذي يدرك أن فعل الموت يحمل العديد من التحولات في موضوعة العرض والانتقال به الى متغيرات مجرى الاحداث وحسب الانزياح النفسي للشخصيات التي تنتج افعال تؤدي الى متغير يعمل دون وقوع الصراعات، أو منعها من الوصول الى الأزمة.
وهذا ايضا ما تجسد عبر الشخصية التي تدخل بين لحظة وأخرة للتنظيف في مكان يشعر أنه خالي من الناس، وتوجد فقط تماثيل مجاورة لبعضها البعض، وهذا يؤكد على وعي وتفرد الرؤية الاخراجية التي عملت على مزج الافعال الكلاسيكية بتحولات البنية المعاصرة. ايضا من خلال توظيف الاتصال عن طريق “الموبايل” بين الأموات، ففي مجال الإبداع الفني أشار المخرج الى مفهوم التحولات المعاصرة داخل بنية النص، وهنا يتجسد الخلق الإبداعي المعبر عن الذات كـ “محاولة” للتحقق عن الواقع الاجتماعي المعاش.
ليس من السهولة أن يقدم فنان مسرحي على تناول الموت في نتاجه المسرحي، وقد ينزاح هذا المفهوم الى فكر البولندي “تاديوش كانتور” الذي قدم مجموعة من الاعمال المسرحية خلال سنواته الأخيرة تحمل هذا المعنى، ولعل ما يزيد من غرابة الأمر إنه لم يبد أي اعتراض على إطلاق اسم الموت على مسرحه، بل كان يؤكد على أن هذا المسرح مفعم بالحياة، وأن حقيقة هذه الحياة هي مطلباً أساسياً.
أكد ايضا “الزيدي” في نصه المسرحي “ميت مات” عبر ايضاح مفاهيم الموت المتناغمة مع استمرارية الحياة التي تتطلب وجود الموت، لهذه الفلسفة بعداً لما تمثله من أهمية كبرى تتعلق بحياة الإنسان ومصيره بعد الموت، كما طرح “المؤلف” مجموعة أسئلة لها خصوصية بما هية الموت، وما مصير الإنسان بعد الموت في العالم الآخر؟ مما نتجت عن صور العرض المسرحي، آراء فلسفية ودلالية متعددة، منها: أن الموت هو نقيض الحياة، كما أنه مرادف للعدم، بمعنى فساد الحياة وزوالها. وعمل المؤلف على ملامسة الموت والحياة عبر زمكانية الحدث، التي لم تقتصر مشكلتها على الموت والخلود فقط، بل هي قضية جوهرية كما في الديانة المصرية القديمة، والذين كانوا يدفنون الموتى مع أشياء مادية تساعد الميت في رحلته الآخروية.
جسدت رؤية “المخرج” بعض الصور التي تتزامن مع حالات مرّت على شخوص “صاموئيل بيكيت” مع فارق الزمن الطويل، ليذهب المتلقي الى التأويل، ومحاولة الدخول الى ذهنية المؤلف والرؤية الإخراجية، التي قد تتشابه مع عوالم الكاتب وما يجري في بيئته، وايضا مع خصوصية المحاكاة التي تجسدت “في انتظار غودو” والتي ما زالت تمثل تحولات الافعال إلى وقتنا الحاضر، والمتطلعة إلى شيء قد يكون وهماً لنا، لكنه يرسخ في الأعماق، حاضراً بلا حاضر، مستقبلاً قد يخالطه الترقب، سواء تلبّس بشخصية مهمة ولها تأثير، أو عند ترقب مخلصاً يجيء ليتقرب حين تتفاقم الإشكاليات.
وقد حملت العديد من العروض المسرحية المعاصرة مؤشرات لتجارب مغايرة عالمياً، تقرن بعدد من المخرجين المعاصرين ومنهم “كانتور”، الذي يؤسس لمفاهيم فلسفية أساسية لكل مرحلة من إنتاجه الفني، ويركز على شكل يسعى من خلاله الى “التحليل” و”المراقبة” حتى يظهر منهجه في أعماله المسرحية، والتي تعتمد بيانات هي (مسرح المستقبل، مسرح اللا ممكن، مسرح الموت) قدم فيها لهجة غير مهادنة تنم مفرداتها على تعلقه ببعض أفكار (التصوير الحركي).
هذا قد يتقارب فكريا وجمالية مع مضمون مسرحية “ميت مات”، وما حملته من افعال متعددة، منها: ” الترميم، الانتظار، الأنين، وحتى البخور والمظلة”، فقد حملت هذه الافعال دلالة صورية لها حضوراً رمزياً للاتصال العلامي ولتحول الجدلي، الذي قدمته الرؤية الاخراجية عبر الافكار بوصفها معطيات تعمل على فهم المعنى المنبثق من هذه التشفيرات البصرية، وعبر تحريك اجساد التماثيل داخل مساحة المتحف الافتراضية، وايضا الحوارات التي طرحها النص على إننا (نولد دون أن ندري ونعيش…).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*