(1)
لم يعد مسرح اليوم وعاء لقضية يتفق عليها الجمهورأويختلف، بل تحول المسرح إلى طريقة فنية تتحدث عن كيفية قول الحقيقة الفنية من عدمها، وفيما إذا كانت هذه القضية مقنعة فنيا أم لا..والجمهور المتلقي لا يتلقى محتوى العرض إلا عبر أدوات فنية أتقن المخرج تحديدها، وأجاد الممثلون تنفيذها، من هنا أعتبرهذه المسرحية عملاً متقنا لفنانين محترفين،يعرفون مسبقا ما يقال وكيف يقال.. فما قدموه سبق وأن رأيناه منهم مرارا.. ومن هنا كان خللها قليلا..وللوهلة الأولى، نستطيع القول أنها ليست رسالة موجهة للجمهورعن جرائم أُرتكبت بحق أناس من هذا المجتمع قبل خمس وعشرين سنة!!
ولا هي طريقة فنية عن المصالحة الوطنية التي تجري بعد خمس وعشرين سنة من تاريخ تلك الأحداث!! فما لدى الجمهور من خبرة في هذين الميدانين- الجريمة والمصالحة- يفوق كثيراً ما قدم في العرض.. من هنا مرة ثانية ستحذو معالجتنا للعرض المسرحي حذوا آخرا، ذلك هو دور مكنسة القاذورات في فرض سياقها على الزمن المعاصر.
ابتدأ العرض بالطبيب وهو يجلس على مستراح المراحيض لينظف نفسه تعبيراعن إنسانيته خلافا لبقية الحيوانات التي تلقي قاذوراتها في الشوارع والبيوت،فأعطى دلالة على أنه سيتخلص من جرائمة “الخرة” السابقة، كبداية لدخول الصراع مرحلة المواجهات السلمية، والحوار الديمقراطي مع الآخر.. هذا الوعي بالقاء القاذورات في أمكنتها الطبيعية ،والترميز الذي يشير إليه موقف التنظيف، شرط إنساني يعلمنا النظام والحرية أيضاً،بأن البعض باستطاعته أن يعترف وهو عار أمام الناس من أنه فعل كذا وكذا.. ولكن كما يبدو أن مثل هذا النظام وهذه الحرية ليسا تعبيراًعن فعل الإغتصاب بدليل مواجهتنا به أول الأمر وليسا نتيجة للتحقيق الذي سيجرى معه.. هل استبق المخرج النتائج بحيث أدان الطبيب مسبقا؟ أم أنه استهل عرضه من خاتمة الأحداث ثم دار والتفت إلينا ليحكي حكاية جرائم السنوات التي مرت على مجتمعنا؟؟..هذه البداية غير موفقة كما أرى،الموقف الصائب هو أن ينظف المجرم نفسه من أدرانه كلما استمر التحقيق معه، في حين جاء جلوس المرأة على المستراح طبيعيا حيث جرى بعد صراع مرير مع العدالة والقانون… لأن العرض حوار بين قذارتين: قذارة الجرائم السابقة، وقذارة من يحمل مسدسا لتصفية حساباته مع المجرمين من دون الرجوع إلى المحاكم والقوانين.. وقد بنت المسرحية عرضها على كفتي صراع متأرجحتين: كفة انكشفت في بداية العرض، وأخرى في منتصف العرض، فاختل توازن الأحداث، حيث أهمل المستراح نهائيا من فعل المكانس لاحقا، فلم تقترب منه مكنسة أحد، فيبقي دالة على استقبال- بالضرورة – قذارة أخرى سيفرزها المجتمع لاحقا وهي دالة إخراجية موفقة.. فالمراحيض – كما يكتب القاص لؤي حمزة عباس- أحد أهم الأمكنة شعبية في حياتنا، إذ لا يمكن لأحد الاستغناء عنها- إنسانا كان أم بيتا أم تكوينا اجتماعيا أم حزبا سياسيا- لأن بنيتها هي وجودها، ولذلك سترافق كل تجديد، وتتجدد مع كل تحديث،- لا يمكنك أن تسكن بيتا من دون مرحاض كما يقال- فالنجاسة ترافق النظافة، ولذلك أعتبرها المكان الجدلي لعملية الحياة والموت فينا..
(2)
وعندما ندخل العرض يواجهنا ترميز من نوع آخر، ذلك هو الرقم ( ثلاثة) الذي سيلازم العرض الشيق كبنية لا واعية تتحكم بسير العملية الفنية والفكرية كلها.. فالشخصيات ثلاث،- لا يعتبر موظف الأرشيف شخصية أساسية في العرض، بل ملحقة بالمكان، ولذلك لم يمنحه المخرج حضورا مهما- والشخصيات الثلاث؛ رجلان وأمراة، هي بنية مركبة ومتوازنة، يشتركون جميعهم في ممارسة الجنس: الطبيب مغتصبا له- تتعرف عليه من صوته ولون بشرته وعينية- وزوجها المحامي يمارسه بحقه الشرعي،والمرأة رحما ومشاركة جدلية بين الاثنين: الرفض والقبول.. والشخصيات الثلاث تشكل وحدة دلالية مكتملة الدائرة: طب وقانون ورحم.والبعد مثيولوجي لهذه الدائرة غائر في البنية الاجتماعية والثقافية منذ القِدم.
تطرح كل شخصية من الشخصيات الثلاث، ثلاثة أفكارأيضاً، وكل فكرة مؤلفة من ثلاثة احتمالات كذلك.. وستدور البنية الثلاثية القارة بنا في أروقة الديانات الثلاثة، وفي بنية الجنس وبنية الأسرة وبنية التركيبة الشعبية لتكوين أية عملية استهلالية. فالرقم ثلاث له امتدادات في الفلسفة العربية الإسلامية أيضا ونجدها في بنية الفعل الثلاثي لغويا وفي”علن” في الإيقاعات الشعرية وفي بنية الدين:بسم “الله الرحمن الرحيم”، وفي المسيحية تشكل البنية الثلاثية روح ومفهوم الصليب والصلاة، وهي بالتالي بنية ما قبل الإسلام أيضا ” اللات وعزة ومناة ” وهكذا يشكل الرقم ثلاثة بنية عميقة قد لا نشعربوجودها إلا عنما تكون الآثافي “ثلاثا”في حال أن يُطبخ طعامنا -عملنا الفني- جيداً.
تتألف البنية الثلاثية للشخصيات من:
المغتصب – الزوج- الزوجة.
حصيلة هذه البنية الثلاثية هي – الخطيئة- وهي ثيمة مسيحية، حيث حملت مريم بعيسى: إما من روح القدس أومن يوسف النجار،أو من ذاتها وهي البتول كما يقول القرآن الكريم.،وبقي الوضع قائما بين الإيمان بثلاثية أو بالتوحيد، لا أحد أجاب عن هذا السؤال فيبقى الوضع قائما بين من يؤمن بالثلاثة ومن يؤمن بالتوحيد، حتى ضمن الديانة المسيحية نفسها. ،وكانت إجابة العذراء مريم هي أنها : “وَلَدَتْ” عيسى.. البنية تعاد ثانية في هذا العرض، عندما تجيب المرأة عن خمس وعشرين مرة اغتصبت فيها. فكان مولودها ” الخطيئة” ولكنها خطيئة سياسية وجريمة أخلاقية تسحب المجتمع إليها وتتحول من قضية شخصية إلى قضية سياسية للحوار ودوران الأوضاع.. وهذه “الخطيئة المأساة”، أما أن يُغَضُ النظر عنها برضا الأطراف المشاركة كي لا تعاد ثانية، أو أن يجري نسيانها لإبقاء الوضع على ما هو عليه، أو الدعوة إلى مصالحة شكلية بين أقطابها الثلاثة..وهو ما جرى في اختيار الحل الثالث من دون أهمال الحلين الآخرين، عندما تركهما المخرج دون نتائج..
السبب يعود إلى أن المخرج أهمل أبعاد الشخصيات الذاتية وصب جهده على أبعادها الرمزية فنجد عند البحث عن تركيبة الشخصيات أن كل شخصية منها تتألف من ثلاثة أفكار:
تتألف شخصية المغتصب من : مغتصب- طبيب- سجين.. ومحور هذه البنية هو “التهمة” ولكل خصوصية لها أبعادها ، وعندما تجتمع في شخصية واحدة لا تصبح مسطحة أو أحادية عندما تمارس “جريمة الإغتصاب “، أما الكيفية التي يحق لها الدفاع بها عن نفسها، فقد تكفلها مقدما جلوسه على مستراح المراحيض والاغتسال أمامنا من مخلفات تلك الجريمة..وعبَّر عن شخصيته المركبة هذه، بقلة حركته على المسرح أيضا ، وبتعرية نصف جسده أمامنا، وبتقييده ليديه وكم قميصه بنفسه، ومن ثم الانزواء تحت غطاء متخفيا أمام الجمهور،وكان الممثل فلاح إبراهيم كبيرا في أدائه هذا الدور المركب.
وتتألف شخصية الزوج من ثلاثية أيضاً هي : محام – زوج- متهم-، ومحورهذه البنية هو “الدفاع عن حقوق الإنسان”. فهو : إما أن يدافع عن المتهم إلى أن تثبت براءته، أو أن يقف مع زوجته لإنصافها قانونيا، أو أن يتخلى عن القضية كلها بادعائه بأن زوجته ملوثة عقلياً. ولذلك كان أكثر الشخصيات حركة وسعة على المسرح دالا على حيرته، راسما قلقه الوجودي بحركة منفعلة بين مواقع الشخصيات، والفنان ميمون الخالدي ممثل من درجة خاصة، يمثل القانون لم يختر اية طريقة فترك المجرى يسير بعد ان جفف منابعه..
وتتكون شخصية الزوجة من ثلاثة أفكار: – مُغتَصَبة – زوجة – قاضية-، ومحور هذه البنية هو “العنف”،للأخذ بالثأرمن الطبيب المغتصِب- السن بالسن والعين بالعين- ونجدها بثلاثة محاور: إما أن تتناسى الإغتصاب وتسكت، وعندئذ لا قضية تعرض على الجمهور، أو أن تستمر في اتهامها للطبيب إلى نهاية العرض وتقتله بدون محاكمة،أوأن تتنازل عن القضية كلها، مفضلة بيتها وحياتها الزوجية على الفضائح الشخصية، المسرحية لم تاخذ بأي من الحلول الثلاثة، وهو ما يجعل رمزية المرأة مفتوحة الاحتمالات، وهذا هو جوهر العرض،مكملة بموقفها منحى المحامي في حلوله.. في حين لا يمكن غض النظر عن جريمة ما، لأن القضية ليست مجرد جريمة فردية،بل هي بنية مثيولوجية تتصل بفاعلية الخطيئة والإجرام منذ القدم وحتى اليوم، فالقضية إفراز طبيعي لمجتمع يريد أن يجدد نفسه، ولذلك ستبقى المراحيض منصوبة أمامنا، فثمة من سياتي لاحقا ليلقي بها فضلاته، معترفا بجرائمه الجديدة..
ماذا ستنتج البنية الثلاثية المعقدة في هذا العرض الذي سار بخط مستقيم مع تعرجات موضعية ونفسية للشخصيات هنا أو هناك، وليست بتحولات جدلية يتطلبها العرض، كي يقول لنا: أن حاجة البلد إلى المصالحة الوطنية أهم من اجترار الماضي، وعلينا أن نتظافر لكنس الماضي – كل الماضي- من مسرحناعراقنا-.وبالرغم من أنني ضد أية فعالية كنس مطلقة، دون التفكير بما يعقبها، لكني وجدت في العرض خطابا ثقافيا بثوب سياسي، فبمثل هذه الطريقة التوافقية الكل سيشترك في كنس الكل، ترى من يأتي ليجلس بعدهم على مستراح المراحيض؟ المسرحية لا تجيب عن هذا السؤال المهم..
في الفكر المسيحي – والمسرحية مبنية على فكرة المخلص- بقي الكل في مسرح العملية:الإغتصاب والعنف والقانون، ثم جرت عملية فرزالثلاثة بعضهم عن البعض أول العرض ثم جرت عملي دمج لهم في نهاية العرض،لتقوم المؤسسات بدورالتخصص في كل بنية منها.. ففي العرض، وبما أننا نطرحها قضية على مجتمعنا، كانت طريقة المعالجة عشوائية وغير مبنية، لا على فكر ديني، ولا على فكر اجتماعي سياسي ولا حتى عشائري. كنت أفضل لو كانت شخصية المحامي وحدها هي التي تمارس فعل الكنس، باعتبارها سلطة للقضاء،لاكتسب العرض ثيمة سلطة القانون، ومن ثم تتبعها المرأة باعتبارها أماً يمكن أن تجدد الولادات ثانية،- لكن وجدناها المبتدئة بجلب المكانس- لكان ثمة مبررجدلي لعملية الكنس التاريخية للقاذورات من قبلهما فقط، في حين يلزم المغتصب – أيا كان- بالبقاء جالسا على مستراح المراحيض..
(3)
شملت البنية الثلاثية العرض كله، ولم تقف عند حدود الشخصيات وثيماتها وأفكارها،فقد التزم مصمم الديكور والاكسسوار بها فجاءت متوازنة مع الأفكار والأفعال المتطابقة معها.. ثمة ثلاثة أمكنة محورية للديكور هي: المستراح- الكنبة- المنضدة الصغيرة، صاحبتها ثلاثة كراس أيضاً استعملتها الشخصيات في حواراتها وجلوسها، وثمة ثلاثة مصابيح إنارة أساسية فاعلة، وثلاثة مواقع مشغولة على خشبة المسرح- يسارأسفل خشبة المسرح، يمين أعلى خشبة المسرح، وسط يمين خشبة المسرح.. ولم يحدث أي فعل في ” بؤرة” خشبة المسرح الوسطية، وكان من المفروض أن يكون المشهد الأخير فيها، ثم تنطلق الشخصيات الثلاث منها لكنس المسرح من القاذورات وبالإتجاهات كلها، لأن منحى حلول العرض كانت وسطية.
يبدو لي أن الدكتور هيثم عبد الرزاق سعى إلى تركيب عرض جدلي، لكنه كان حذرا من الكشف العميق للجريمة الخطيئة، وهذه ليست مثلبة بقدر ما هي رؤية نقدية قد لا تكون موفقة كليا، فقد غلّب الدكتور هيثم، الحل التوافقي على البنية الجدلية العميقة للصراع.. ولن يكون أي مخرج آخر باستطاعته فهم جدلية العرض العميقة ما لم يكن على اطلاع بالثقافة المثيولوجية للشخصيات الثلاث، والنصوص المسرحية ذات الخلفيات الدينية القارة، حتى لو كانت تتحدث عن مشكلات سياسية عراقية معاصرة.. فالفكرة المثيولوجية تتحكم ليس بالأديان فقط ، بل هي سلوك قارجرى تحييده في المجتمعات أيضاً.. ولذلك، لم تتخل المجتمعات الغربية عن مثيولوجيتها الدينية العميقة التي تعتبرها المكون الأنثروبولوجي العميق لها، كما أنها –البنية الثلاثية- أساس في اأي نشاط معاصر حتى لو كان النشاط سياسة. من هنا علينا، و- العاملون في مسرحنا مفكرون وأساتذة ومجربون كبار- الحذر من اقتباس النصوص الغربية ما لم تُفهم خلفيتها الأيديولوجية.
(4)
سآتي على التمثيل الذي أبهرني.. شخصياً ضحكت منتشياً من أعماقي وأنا أرى تمثيل الكبار رائعاً، ووفق ما رسمه المخرج لهم، قلت: مسرحنا بخير..- سأتحدث لاحقا عن الخطة الإخراجية- فقد كانوا أمناء لخطة المخرج التي تتلخص بأن: قولوا ما تؤمنون به، لا ما يؤمن به المشاهد، الممثلون أفراد في هذا العرض وليسوا ممثلين لفئة أو طبقة اجتماعية وإن كان ثمة ما يوحي بذلك التقسيم الخفي لظاهرة الاغتصاب، ولظاهرة الحقوق، ولظاهرة الفئة الضعيفة المغتصبة..، في حين أن المشاهدين شعب.. والفرق كبير بين من يؤدي دور الفرد، ومن يؤدي دور الفئة أو الشعب..الأستاذ ميمون الخالدي كان يمثل وهو تحت ثيابه القانونية البيتية الوظيفية، فهو فرد وفئة معا، لذابقي متميزا ضمن سياقات وظائفه الثلاث، وقد أجاد أن يكون ربّ أسرة، وحقوقيا،وزوجا. والمرأة – الدكتورة إقبال نعيم- بقيت ضمن سياقها الاجتماعي الجدلي “أماً ورمزاً وقاضية شعبية”، بالرغم من أن ملابسها لم تتغير، وهو عندي نقص كبير،كان بإمكان المخرج أن يلّون ملابسها تبعاً لمواقعها: ملابس امرأة مغتصبة،وملابس امرأة زوجة، وملابس امرأة محققة قانونية.المخرج لم يوفق في سياق شخصيتها المظهري،وكنت أجد أن أعماقها ليست بمثل هذه السطحية المظهرية.لكن إقبال التي تعودنا على رؤيتها متألقة كانت في قمة أدائها المتميز عندما أظهرت أبعاد شخصيتها بروحية شعرية غير مثقلة الحضور.
الفنان فلاح إبراهيم فنان كبير ومستقبلي، ولغته الجسدية واضحة ولها عمقها الدلالي، شخصية قادرة على التلوين، وجدته في هذا العرض- لم أشاهد له عرضا سابقا منذ ثماني عشرة سنة، ربما ذاكرتي تخونني- يؤدي بطريقة مباشرة بين استقبال الفعل ورد الفعل، وهي طريقة لن تجعله محايدا كشخصية ميمون التي لاءمت ملابسة شخصيته ومواقفه. فلاح من بداية العرض وحتى نهايته – باستثناء مشهدا قصيرا- كان مضطرب المظهر،دالا بعربه على افتضاح أمره، وقد أدى عريه ما كان يصبو إليه المخرج في موقفين: موقف الاستهلال، وموقف النهاية، فكان ضمن سياق الفعل الدرامي للعرض خاصة وهو مقيد.ثمة فكرة طرأت لي وأنا أشاهده وهو تحت هيمنة قوة المسدس- وليس تحت قوة المرأة- أن تُنتزع ملابسه منه مع كل تصويبة مسدس إليه. عموما وجدت نفسي أمام ممثل مهم وكبير..
الخطة الإخراجية
تنوعت خطة المخرج الدكتور هيثم عبد الرزاق بين أن يقول كل ماعندة بمباشرة فيسقط العرض، أو أن يعتمد الترميز لظواهر حدثت في المجتمع العراقي وهو ما كان، أو أن يزاوج بين الطريقتين ملغيا البعد الرمزي السائد كي يعتمد جدلية المربعات الثلاثة لينتج لنا مربعا رابعا وهو مربع المكنسة التي أتت على مخلفات الصراع وأبقت المستراح بانتظار من يستعمله ثانية.. بهذه الطريقة المتعرجة والمستقيمة أحيانا، رسم لنا طريقة سهلة للمصالحة الوطنية فلم يعمق إحساسنا بان يبقي شيئا من أمراض سابقة في المجتمع الجديد، وهو ما يعطي للمربع الرابع الجدلي من أن يفرز نصا جديدا نحن بحاجة إليه، حقا لقد كنسوا القاذورات ولكن كنسوا أنفسهم معها أيضا، وهو ما لم يكن في صلب جدلية العرض..
الديكور والإنارة
حقيقة هذين العنصري كانت مبهرة لي قياسا للإمكانات المتوفرة، ودالة على شغل فنانين محترفين سنراهم كثيرا في مسرحنا،قطع الديكور دالة وبوضوح على رمزية العرض، لكن الفضاء المكشوف ليس دالا ليبقى من أول العرض إلى نهايته، سيكون أكثر دلالة لو انكشف أثناء عمل المكانس، لكان منسجما مع الإنفتاح على الفضاءات الأخرى، كذلك هو شأن الإنارة التي كانت لغة متميزة وعازلة ودقيقة، كنت أفضل لو أنها كانت فيضية في آخر العرض، ولكن كما يبدو أن للمخرج سلطة لا تزال قوية في مسرحنا بينما هي تذوب في المسرح العالمي وتُهمش وينهض إلى جوارها كل العاملين في العرض، وبالدرجة نفسها من المسؤولية..
عن- المدى
لم يعد مسرح اليوم وعاء لقضية يتفق عليها الجمهورأويختلف، بل تحول المسرح إلى طريقة فنية تتحدث عن كيفية قول الحقيقة الفنية من عدمها، وفيما إذا كانت هذه القضية مقنعة فنيا أم لا..والجمهور المتلقي لا يتلقى محتوى العرض إلا عبر أدوات فنية أتقن المخرج تحديدها، وأجاد الممثلون تنفيذها، من هنا أعتبرهذه المسرحية عملاً متقنا لفنانين محترفين،يعرفون مسبقا ما يقال وكيف يقال.. فما قدموه سبق وأن رأيناه منهم مرارا.. ومن هنا كان خللها قليلا..وللوهلة الأولى، نستطيع القول أنها ليست رسالة موجهة للجمهورعن جرائم أُرتكبت بحق أناس من هذا المجتمع قبل خمس وعشرين سنة!!
ولا هي طريقة فنية عن المصالحة الوطنية التي تجري بعد خمس وعشرين سنة من تاريخ تلك الأحداث!! فما لدى الجمهور من خبرة في هذين الميدانين- الجريمة والمصالحة- يفوق كثيراً ما قدم في العرض.. من هنا مرة ثانية ستحذو معالجتنا للعرض المسرحي حذوا آخرا، ذلك هو دور مكنسة القاذورات في فرض سياقها على الزمن المعاصر.
ابتدأ العرض بالطبيب وهو يجلس على مستراح المراحيض لينظف نفسه تعبيراعن إنسانيته خلافا لبقية الحيوانات التي تلقي قاذوراتها في الشوارع والبيوت،فأعطى دلالة على أنه سيتخلص من جرائمة “الخرة” السابقة، كبداية لدخول الصراع مرحلة المواجهات السلمية، والحوار الديمقراطي مع الآخر.. هذا الوعي بالقاء القاذورات في أمكنتها الطبيعية ،والترميز الذي يشير إليه موقف التنظيف، شرط إنساني يعلمنا النظام والحرية أيضاً،بأن البعض باستطاعته أن يعترف وهو عار أمام الناس من أنه فعل كذا وكذا.. ولكن كما يبدو أن مثل هذا النظام وهذه الحرية ليسا تعبيراًعن فعل الإغتصاب بدليل مواجهتنا به أول الأمر وليسا نتيجة للتحقيق الذي سيجرى معه.. هل استبق المخرج النتائج بحيث أدان الطبيب مسبقا؟ أم أنه استهل عرضه من خاتمة الأحداث ثم دار والتفت إلينا ليحكي حكاية جرائم السنوات التي مرت على مجتمعنا؟؟..هذه البداية غير موفقة كما أرى،الموقف الصائب هو أن ينظف المجرم نفسه من أدرانه كلما استمر التحقيق معه، في حين جاء جلوس المرأة على المستراح طبيعيا حيث جرى بعد صراع مرير مع العدالة والقانون… لأن العرض حوار بين قذارتين: قذارة الجرائم السابقة، وقذارة من يحمل مسدسا لتصفية حساباته مع المجرمين من دون الرجوع إلى المحاكم والقوانين.. وقد بنت المسرحية عرضها على كفتي صراع متأرجحتين: كفة انكشفت في بداية العرض، وأخرى في منتصف العرض، فاختل توازن الأحداث، حيث أهمل المستراح نهائيا من فعل المكانس لاحقا، فلم تقترب منه مكنسة أحد، فيبقي دالة على استقبال- بالضرورة – قذارة أخرى سيفرزها المجتمع لاحقا وهي دالة إخراجية موفقة.. فالمراحيض – كما يكتب القاص لؤي حمزة عباس- أحد أهم الأمكنة شعبية في حياتنا، إذ لا يمكن لأحد الاستغناء عنها- إنسانا كان أم بيتا أم تكوينا اجتماعيا أم حزبا سياسيا- لأن بنيتها هي وجودها، ولذلك سترافق كل تجديد، وتتجدد مع كل تحديث،- لا يمكنك أن تسكن بيتا من دون مرحاض كما يقال- فالنجاسة ترافق النظافة، ولذلك أعتبرها المكان الجدلي لعملية الحياة والموت فينا..
(2)
وعندما ندخل العرض يواجهنا ترميز من نوع آخر، ذلك هو الرقم ( ثلاثة) الذي سيلازم العرض الشيق كبنية لا واعية تتحكم بسير العملية الفنية والفكرية كلها.. فالشخصيات ثلاث،- لا يعتبر موظف الأرشيف شخصية أساسية في العرض، بل ملحقة بالمكان، ولذلك لم يمنحه المخرج حضورا مهما- والشخصيات الثلاث؛ رجلان وأمراة، هي بنية مركبة ومتوازنة، يشتركون جميعهم في ممارسة الجنس: الطبيب مغتصبا له- تتعرف عليه من صوته ولون بشرته وعينية- وزوجها المحامي يمارسه بحقه الشرعي،والمرأة رحما ومشاركة جدلية بين الاثنين: الرفض والقبول.. والشخصيات الثلاث تشكل وحدة دلالية مكتملة الدائرة: طب وقانون ورحم.والبعد مثيولوجي لهذه الدائرة غائر في البنية الاجتماعية والثقافية منذ القِدم.
تطرح كل شخصية من الشخصيات الثلاث، ثلاثة أفكارأيضاً، وكل فكرة مؤلفة من ثلاثة احتمالات كذلك.. وستدور البنية الثلاثية القارة بنا في أروقة الديانات الثلاثة، وفي بنية الجنس وبنية الأسرة وبنية التركيبة الشعبية لتكوين أية عملية استهلالية. فالرقم ثلاث له امتدادات في الفلسفة العربية الإسلامية أيضا ونجدها في بنية الفعل الثلاثي لغويا وفي”علن” في الإيقاعات الشعرية وفي بنية الدين:بسم “الله الرحمن الرحيم”، وفي المسيحية تشكل البنية الثلاثية روح ومفهوم الصليب والصلاة، وهي بالتالي بنية ما قبل الإسلام أيضا ” اللات وعزة ومناة ” وهكذا يشكل الرقم ثلاثة بنية عميقة قد لا نشعربوجودها إلا عنما تكون الآثافي “ثلاثا”في حال أن يُطبخ طعامنا -عملنا الفني- جيداً.
تتألف البنية الثلاثية للشخصيات من:
المغتصب – الزوج- الزوجة.
حصيلة هذه البنية الثلاثية هي – الخطيئة- وهي ثيمة مسيحية، حيث حملت مريم بعيسى: إما من روح القدس أومن يوسف النجار،أو من ذاتها وهي البتول كما يقول القرآن الكريم.،وبقي الوضع قائما بين الإيمان بثلاثية أو بالتوحيد، لا أحد أجاب عن هذا السؤال فيبقى الوضع قائما بين من يؤمن بالثلاثة ومن يؤمن بالتوحيد، حتى ضمن الديانة المسيحية نفسها. ،وكانت إجابة العذراء مريم هي أنها : “وَلَدَتْ” عيسى.. البنية تعاد ثانية في هذا العرض، عندما تجيب المرأة عن خمس وعشرين مرة اغتصبت فيها. فكان مولودها ” الخطيئة” ولكنها خطيئة سياسية وجريمة أخلاقية تسحب المجتمع إليها وتتحول من قضية شخصية إلى قضية سياسية للحوار ودوران الأوضاع.. وهذه “الخطيئة المأساة”، أما أن يُغَضُ النظر عنها برضا الأطراف المشاركة كي لا تعاد ثانية، أو أن يجري نسيانها لإبقاء الوضع على ما هو عليه، أو الدعوة إلى مصالحة شكلية بين أقطابها الثلاثة..وهو ما جرى في اختيار الحل الثالث من دون أهمال الحلين الآخرين، عندما تركهما المخرج دون نتائج..
السبب يعود إلى أن المخرج أهمل أبعاد الشخصيات الذاتية وصب جهده على أبعادها الرمزية فنجد عند البحث عن تركيبة الشخصيات أن كل شخصية منها تتألف من ثلاثة أفكار:
تتألف شخصية المغتصب من : مغتصب- طبيب- سجين.. ومحور هذه البنية هو “التهمة” ولكل خصوصية لها أبعادها ، وعندما تجتمع في شخصية واحدة لا تصبح مسطحة أو أحادية عندما تمارس “جريمة الإغتصاب “، أما الكيفية التي يحق لها الدفاع بها عن نفسها، فقد تكفلها مقدما جلوسه على مستراح المراحيض والاغتسال أمامنا من مخلفات تلك الجريمة..وعبَّر عن شخصيته المركبة هذه، بقلة حركته على المسرح أيضا ، وبتعرية نصف جسده أمامنا، وبتقييده ليديه وكم قميصه بنفسه، ومن ثم الانزواء تحت غطاء متخفيا أمام الجمهور،وكان الممثل فلاح إبراهيم كبيرا في أدائه هذا الدور المركب.
وتتألف شخصية الزوج من ثلاثية أيضاً هي : محام – زوج- متهم-، ومحورهذه البنية هو “الدفاع عن حقوق الإنسان”. فهو : إما أن يدافع عن المتهم إلى أن تثبت براءته، أو أن يقف مع زوجته لإنصافها قانونيا، أو أن يتخلى عن القضية كلها بادعائه بأن زوجته ملوثة عقلياً. ولذلك كان أكثر الشخصيات حركة وسعة على المسرح دالا على حيرته، راسما قلقه الوجودي بحركة منفعلة بين مواقع الشخصيات، والفنان ميمون الخالدي ممثل من درجة خاصة، يمثل القانون لم يختر اية طريقة فترك المجرى يسير بعد ان جفف منابعه..
وتتكون شخصية الزوجة من ثلاثة أفكار: – مُغتَصَبة – زوجة – قاضية-، ومحور هذه البنية هو “العنف”،للأخذ بالثأرمن الطبيب المغتصِب- السن بالسن والعين بالعين- ونجدها بثلاثة محاور: إما أن تتناسى الإغتصاب وتسكت، وعندئذ لا قضية تعرض على الجمهور، أو أن تستمر في اتهامها للطبيب إلى نهاية العرض وتقتله بدون محاكمة،أوأن تتنازل عن القضية كلها، مفضلة بيتها وحياتها الزوجية على الفضائح الشخصية، المسرحية لم تاخذ بأي من الحلول الثلاثة، وهو ما يجعل رمزية المرأة مفتوحة الاحتمالات، وهذا هو جوهر العرض،مكملة بموقفها منحى المحامي في حلوله.. في حين لا يمكن غض النظر عن جريمة ما، لأن القضية ليست مجرد جريمة فردية،بل هي بنية مثيولوجية تتصل بفاعلية الخطيئة والإجرام منذ القدم وحتى اليوم، فالقضية إفراز طبيعي لمجتمع يريد أن يجدد نفسه، ولذلك ستبقى المراحيض منصوبة أمامنا، فثمة من سياتي لاحقا ليلقي بها فضلاته، معترفا بجرائمه الجديدة..
ماذا ستنتج البنية الثلاثية المعقدة في هذا العرض الذي سار بخط مستقيم مع تعرجات موضعية ونفسية للشخصيات هنا أو هناك، وليست بتحولات جدلية يتطلبها العرض، كي يقول لنا: أن حاجة البلد إلى المصالحة الوطنية أهم من اجترار الماضي، وعلينا أن نتظافر لكنس الماضي – كل الماضي- من مسرحناعراقنا-.وبالرغم من أنني ضد أية فعالية كنس مطلقة، دون التفكير بما يعقبها، لكني وجدت في العرض خطابا ثقافيا بثوب سياسي، فبمثل هذه الطريقة التوافقية الكل سيشترك في كنس الكل، ترى من يأتي ليجلس بعدهم على مستراح المراحيض؟ المسرحية لا تجيب عن هذا السؤال المهم..
في الفكر المسيحي – والمسرحية مبنية على فكرة المخلص- بقي الكل في مسرح العملية:الإغتصاب والعنف والقانون، ثم جرت عملية فرزالثلاثة بعضهم عن البعض أول العرض ثم جرت عملي دمج لهم في نهاية العرض،لتقوم المؤسسات بدورالتخصص في كل بنية منها.. ففي العرض، وبما أننا نطرحها قضية على مجتمعنا، كانت طريقة المعالجة عشوائية وغير مبنية، لا على فكر ديني، ولا على فكر اجتماعي سياسي ولا حتى عشائري. كنت أفضل لو كانت شخصية المحامي وحدها هي التي تمارس فعل الكنس، باعتبارها سلطة للقضاء،لاكتسب العرض ثيمة سلطة القانون، ومن ثم تتبعها المرأة باعتبارها أماً يمكن أن تجدد الولادات ثانية،- لكن وجدناها المبتدئة بجلب المكانس- لكان ثمة مبررجدلي لعملية الكنس التاريخية للقاذورات من قبلهما فقط، في حين يلزم المغتصب – أيا كان- بالبقاء جالسا على مستراح المراحيض..
(3)
شملت البنية الثلاثية العرض كله، ولم تقف عند حدود الشخصيات وثيماتها وأفكارها،فقد التزم مصمم الديكور والاكسسوار بها فجاءت متوازنة مع الأفكار والأفعال المتطابقة معها.. ثمة ثلاثة أمكنة محورية للديكور هي: المستراح- الكنبة- المنضدة الصغيرة، صاحبتها ثلاثة كراس أيضاً استعملتها الشخصيات في حواراتها وجلوسها، وثمة ثلاثة مصابيح إنارة أساسية فاعلة، وثلاثة مواقع مشغولة على خشبة المسرح- يسارأسفل خشبة المسرح، يمين أعلى خشبة المسرح، وسط يمين خشبة المسرح.. ولم يحدث أي فعل في ” بؤرة” خشبة المسرح الوسطية، وكان من المفروض أن يكون المشهد الأخير فيها، ثم تنطلق الشخصيات الثلاث منها لكنس المسرح من القاذورات وبالإتجاهات كلها، لأن منحى حلول العرض كانت وسطية.
يبدو لي أن الدكتور هيثم عبد الرزاق سعى إلى تركيب عرض جدلي، لكنه كان حذرا من الكشف العميق للجريمة الخطيئة، وهذه ليست مثلبة بقدر ما هي رؤية نقدية قد لا تكون موفقة كليا، فقد غلّب الدكتور هيثم، الحل التوافقي على البنية الجدلية العميقة للصراع.. ولن يكون أي مخرج آخر باستطاعته فهم جدلية العرض العميقة ما لم يكن على اطلاع بالثقافة المثيولوجية للشخصيات الثلاث، والنصوص المسرحية ذات الخلفيات الدينية القارة، حتى لو كانت تتحدث عن مشكلات سياسية عراقية معاصرة.. فالفكرة المثيولوجية تتحكم ليس بالأديان فقط ، بل هي سلوك قارجرى تحييده في المجتمعات أيضاً.. ولذلك، لم تتخل المجتمعات الغربية عن مثيولوجيتها الدينية العميقة التي تعتبرها المكون الأنثروبولوجي العميق لها، كما أنها –البنية الثلاثية- أساس في اأي نشاط معاصر حتى لو كان النشاط سياسة. من هنا علينا، و- العاملون في مسرحنا مفكرون وأساتذة ومجربون كبار- الحذر من اقتباس النصوص الغربية ما لم تُفهم خلفيتها الأيديولوجية.
(4)
سآتي على التمثيل الذي أبهرني.. شخصياً ضحكت منتشياً من أعماقي وأنا أرى تمثيل الكبار رائعاً، ووفق ما رسمه المخرج لهم، قلت: مسرحنا بخير..- سأتحدث لاحقا عن الخطة الإخراجية- فقد كانوا أمناء لخطة المخرج التي تتلخص بأن: قولوا ما تؤمنون به، لا ما يؤمن به المشاهد، الممثلون أفراد في هذا العرض وليسوا ممثلين لفئة أو طبقة اجتماعية وإن كان ثمة ما يوحي بذلك التقسيم الخفي لظاهرة الاغتصاب، ولظاهرة الحقوق، ولظاهرة الفئة الضعيفة المغتصبة..، في حين أن المشاهدين شعب.. والفرق كبير بين من يؤدي دور الفرد، ومن يؤدي دور الفئة أو الشعب..الأستاذ ميمون الخالدي كان يمثل وهو تحت ثيابه القانونية البيتية الوظيفية، فهو فرد وفئة معا، لذابقي متميزا ضمن سياقات وظائفه الثلاث، وقد أجاد أن يكون ربّ أسرة، وحقوقيا،وزوجا. والمرأة – الدكتورة إقبال نعيم- بقيت ضمن سياقها الاجتماعي الجدلي “أماً ورمزاً وقاضية شعبية”، بالرغم من أن ملابسها لم تتغير، وهو عندي نقص كبير،كان بإمكان المخرج أن يلّون ملابسها تبعاً لمواقعها: ملابس امرأة مغتصبة،وملابس امرأة زوجة، وملابس امرأة محققة قانونية.المخرج لم يوفق في سياق شخصيتها المظهري،وكنت أجد أن أعماقها ليست بمثل هذه السطحية المظهرية.لكن إقبال التي تعودنا على رؤيتها متألقة كانت في قمة أدائها المتميز عندما أظهرت أبعاد شخصيتها بروحية شعرية غير مثقلة الحضور.
الفنان فلاح إبراهيم فنان كبير ومستقبلي، ولغته الجسدية واضحة ولها عمقها الدلالي، شخصية قادرة على التلوين، وجدته في هذا العرض- لم أشاهد له عرضا سابقا منذ ثماني عشرة سنة، ربما ذاكرتي تخونني- يؤدي بطريقة مباشرة بين استقبال الفعل ورد الفعل، وهي طريقة لن تجعله محايدا كشخصية ميمون التي لاءمت ملابسة شخصيته ومواقفه. فلاح من بداية العرض وحتى نهايته – باستثناء مشهدا قصيرا- كان مضطرب المظهر،دالا بعربه على افتضاح أمره، وقد أدى عريه ما كان يصبو إليه المخرج في موقفين: موقف الاستهلال، وموقف النهاية، فكان ضمن سياق الفعل الدرامي للعرض خاصة وهو مقيد.ثمة فكرة طرأت لي وأنا أشاهده وهو تحت هيمنة قوة المسدس- وليس تحت قوة المرأة- أن تُنتزع ملابسه منه مع كل تصويبة مسدس إليه. عموما وجدت نفسي أمام ممثل مهم وكبير..
الخطة الإخراجية
تنوعت خطة المخرج الدكتور هيثم عبد الرزاق بين أن يقول كل ماعندة بمباشرة فيسقط العرض، أو أن يعتمد الترميز لظواهر حدثت في المجتمع العراقي وهو ما كان، أو أن يزاوج بين الطريقتين ملغيا البعد الرمزي السائد كي يعتمد جدلية المربعات الثلاثة لينتج لنا مربعا رابعا وهو مربع المكنسة التي أتت على مخلفات الصراع وأبقت المستراح بانتظار من يستعمله ثانية.. بهذه الطريقة المتعرجة والمستقيمة أحيانا، رسم لنا طريقة سهلة للمصالحة الوطنية فلم يعمق إحساسنا بان يبقي شيئا من أمراض سابقة في المجتمع الجديد، وهو ما يعطي للمربع الرابع الجدلي من أن يفرز نصا جديدا نحن بحاجة إليه، حقا لقد كنسوا القاذورات ولكن كنسوا أنفسهم معها أيضا، وهو ما لم يكن في صلب جدلية العرض..
الديكور والإنارة
حقيقة هذين العنصري كانت مبهرة لي قياسا للإمكانات المتوفرة، ودالة على شغل فنانين محترفين سنراهم كثيرا في مسرحنا،قطع الديكور دالة وبوضوح على رمزية العرض، لكن الفضاء المكشوف ليس دالا ليبقى من أول العرض إلى نهايته، سيكون أكثر دلالة لو انكشف أثناء عمل المكانس، لكان منسجما مع الإنفتاح على الفضاءات الأخرى، كذلك هو شأن الإنارة التي كانت لغة متميزة وعازلة ودقيقة، كنت أفضل لو أنها كانت فيضية في آخر العرض، ولكن كما يبدو أن للمخرج سلطة لا تزال قوية في مسرحنا بينما هي تذوب في المسرح العالمي وتُهمش وينهض إلى جوارها كل العاملين في العرض، وبالدرجة نفسها من المسؤولية..
عن- المدى